مقالات

محمد بن نصر

أصنــام الحداثــة (1)

أرشيف الكاتب
2017/01/27 على الساعة 13:06

يبدأ العصر الحديث عند فتح القسطنطينية (1453) بينما تبدأ الحداثة مع الثورة الفرنسية (1789)! والحداثة وصف لنتائج التقدم الذي تحقق (في اوربا) بين بداية العصر الحديث وبداية الحداثة، وهو ما بدأ بـ" النهضة"، ثم "الأنوار"، ثم "الحداثة"، وأخيرا "ما بعد الحداثة"، التي تقابل "ما بعد الاستعمار" عندنا. وهو ما يعني - بالنسبة لي على الأقل- أن الإستعمار لم ينتهي بعد وأن "الدولة الوطنية الحرة المستقلة ذات السيادة.. إلخ"، ما هي في الواقع إلا تطوير للمشروع الإستعماري الذي أصبح يختفي وراء مصطلح "الاستثمار" بدل "الاستعمار"، ضمن جملة من المصطلحات الأخرى التي يمكن وصفها بـأنها "حمالة أوجه"، غير أن أخطرها هو ما يتحول من مجرد مصطلح "حمال أوجه" إلى "صنم" مستقره رأس الإنسان-المسكين جنوب المتوسط. هذا الإنسان يتحول بفعل الفكرة-الصنم إلى مستعمَرة فكرية تُجهض دون توقف ما يسمى تجاوزاً "الاستقلال"! والمأساوي في هذا كله أن هذا الرأس-المستعمرة لا يشعر بذلك، وقد يقتل أو يموت في سبيل ذلك!

وما يعنيني هنا هو ما تنبه إليه بناة النهضة الأوربية، ولم ينتبه إليه أبناء المسلمين، بما في ذلك النابهة منهم (مثل د. محمد عابد الجابري صاحب نقد العقل العربي) وهو أن أفكار الحداثة قد تأخذ شكل "أصنام الحداثة" دون أن يرى ذلك أحد، لأنها نظرية. وأنا هنا لا ألوم أحد ولا أقوم بنقد أحد، لأن الموضوع معقد أولاً، ثم لأن الأوربيين يختلفون عنا ثقافياً ثانياً؛ فنحن نفختر بـ"الفصاحة" (أي خلو الكلام من التعقيد) بينما يعتمد أعلام الفكر الغربي الغموض والتعقيد، وأحياناً حتى "التشفير"، لأسباب عدة لا يتسع المقام هنا لتعدادها لكن من بينها، وليس أهمها، أن التعقيد كثيراً ما يؤخذ دليلاً على أن الكاتب من أرباب القلم وفرسان الفكر الذين لا يشق لهم غبار.

أرجو ان يكون في ما سلف الإضاءة الكافية للسياق الذي سأتناول فيه تصنيفات أصنام الحداثة كما ظهرت في بداية العصر الحديث في كتاب "الارغانون الجديد" لفرانسيس بيكون (1561-1626)، ثم طبيعة هذه الأصنام وطريقة التعامل معها في دائرة الفكر الأوربي الحديث. تلك الطريقة التي لازالت مجهولة لدى عامة الناس (مسلمين وغير مسلمين)، ربما بسبب الغموض والتعقيد في الكتابات الغربية، وربما حتى بسبب الخوف، لدى المسلمين بالذات، من عواقب إثارة موضوع في غاية الجدية من نوع الأصنام، وعبادة الأصنام.

أولاً: تصنيفات الأصنام عند فرانسيس بيكون

تسمية بيكون كتابه بـ"الاورغانون الجديد" (والارغانون معناه الآلة) لم تكن مجرد صدفة فـ"الأرغانون"، الأصلي كان كتاب/كتب أرسطو في المنطق، وهو ما يعني أن بيكون كان يؤسس لإعادة بناء الفكر الأوربي الحديث على أسس الفكر الأوربي القديم (الفلسفة الاغريقية). وفي هذا السياق وضْع بيكون نفسه على خطى ارسطو، وه وما يمثل اختياراً لنهج "التجربة" الذي يختلف عن نهج افلاطون: "المثال".

كان بيكون يرسم المنهج الذي يمكن أن يسير عليه المفكر وهويقطع المسافة بين الحدس والرؤية النظرية إلى تحقيق نتائج عملية، وما يمكن أن يصادف هذا المفكر من أفكار خاطئة تضلل بحثه فتوصله إلى أوهام وليس حقائق علمية، أويلتبس لديه الحق بالباطل على نحو ما تفعل الأصنام التي يعبدها البشر فتصبح سبيلاً إلى الباطل! ولو عرضنا أصنام بيكون على مائة شخص لجاء كل منهم بمائة فكرة ومائة مثال، لكنها على كل حال مقسمة عند بيكون إلى أربعة أصناف هي: 1) أصنـام القبيلة، 2) أصنـام الكهـف، 3) أصنام الســوق، 4) أصنام المسرح)؛ والباقي متروك لجهد القـارئء/الباحـث.

1) أصنـام القبيلـة: وهي الاساطير والخرافات المنتشرة بين الناس عن نشأة الكون وخلق الإنسان ودور الالهة.. إلخ! وهذه تقع عند المشركين موقع العقيدة لدى المسلمين، فهي أساس للكثير من النظريات الاجتماعية والنفسية مثل عقدة اوديب، وعقب أخيل..إلخ! ويتردد أن مقولة "المسيح ابن الله" قد نشأت عن نقل اسطورة "حورس" (وهو إله من آلهة الفراعنة وابن الاله "اوزريس") من الاساطير الفرعونية إلى الديانة المسيحية!

2) أصنـام الكهـف: وهي كل وهم باطل أخذ صورة الحق في عقل الإنسان، كالذي يرى خط الحدود الفاصل بين ليبيا وتشاد على الخريطة فيعتقد انه شيء، وهومجرد لا شيء: (باطل)! فليس بين ليبيا وجيرانها من بلاد المسلمين بما فيها تشاد سوى الرمال، والخطوط التي على الخريطة لا تستطيع منع خنفساء من عبور حدود ليبيا مع جيرانها، رغم أنف الدول المعنية، بما فيها ليبيا وتشاد. الاستعمار (الايطالي-الفرنسي) وهويضع الحدود (الليبية-التشادية)، لم يكن يرسم خطوطاً على الرمال لتذروها الرياح، ولا خطوط على الورق (الخارطة) فقط، بل كان ينصب أصناماً في العقول/الكهوف الفارغة على جانبي "الحدود". الحدود الليبية التشادية تحتل في رؤوس الليبيين والتشاديين ذات المكانة التي احتلتها اللاة والعزى في رأس أبي لهب: (مبرر لسفك الدماء وقطع الارحام)! فما لا يأذن به الله تأذن به الحدود الليبية-التشادية، والمغربية-الجزائرية، والعراقية-الايرانية (فهي حسب تصنيفات بيكون أصنام تملأ الكهوف الفارغة)!

3) أصنام الســـوق: وهي الافكار المتداولة في سوق الكلام على انها الحق الذي لا شائبة فيه بينما هي الباطل بعينه، مثل عبارة "انا الدولة" المنسوبة للويس الرابع عشر ولا دليل على انه قالها، ولا علم لأحد بمن قيلت له ولا في أي مناسبة. فهي صورة من صور الباطل الذي يتداول في سوق الأفكار مثل تداول اصنام الحجر في سوق الاشياء!

4) أصنام المســرح: وهي النظريات السياسية وغير السياسية (الكنيسة والدولة والماركسية ثم الليبرالية)، ورموز الفكر والسياسة (فولتير، نابليون، ماركس، هتلر، ستالين، تروتسكي، ميشيل عفلق، عبد الناصر، بورقيبة)، ثم الاحزاب السياسية والتنظيمات الأخرى التي تحل ما حرم الله أوتحرم ما أحل الله، وسنرى في ما يلي من صفحات أكثرها انتشاراً في عالم الأفكار، وأكثرها شيوعاً في التعامل اليومي بين الناس (مثقفين وعامة).

ثانياً: طبيعــة أصنــام الحداثــة ووظيفتها

1) طبيعة أصنام الحداثـة. هذه الأصنام منحوتة في عالم الأفكار، وتختلف عن أصنام الجاهلية الأولى المنحوتة في عالم الأحجار! لذا تَميزَ في التعامل معها (في دائرة الفكر الأوربي) فلاسفة من نوع فريدريش نيتشه (1844-1900)، الذي وضع كتاباً سماه "افول الأصنام، أوكيفية التفلسف بالمطرقة"! لقد ادى نيتشه خدمة جليلة للإنسانية عندما ربط من خلال الاداة المادية (المطرقة) بين أصنام الفكر وأصنام الحجر. وفي هذا السياق بدأ نيتشه عمله الرائع بتقرير أن "ألأصنام أكثر مما يظهر في واقع العالم"! فأصنام الحداثة خفية لا يراها الناس ولذا لابد من تحطيمها بمطرقة تعمل في عالم الأفكار: (الأسم المتداول لمطرقة نيتشه هو"العدمية").

غير أن انجازات نيتشه لا تتوقف عند "أفول الأصنام"، وإنما تمتد إلى "هكذا تحدث زرادشت" و"نقيض المسيح"! إذ لم يكن نيتشه مجرد فيلسوف، فهومدرسة. لقد أسس للعدمية التي لا تعني شيئاً سوى حكمه بالإعدام على كل الأصنام، بما فيها الكنيسة المسيحية التي هشمها في كتابه "نقيض المسيح"!

في كتابه ذاك يقرر نيتشه أن المسيحية "كانت أكبر كارثة عرفتها الإنسانية إلى حد الآن"! لماذا؟ لأن المسيحية "تقف موقف الضد من كل عقل سليم التكوين"! وحيث رأى نيتشة أن "مفهوم الالوهية المسيحي هوأشد مفاهيم الالوهية فساداً على وجه الأرض" فقد قرر أن "ثالث ثلاثة" مات؛ فلم يعد أحد من أصحاب العقول سليمة التكوين يؤمن بـ"ثالث ثلاثة"! وفي هذا السياق يشَّهر نيتشه ببسمارك قائلاً: "أمير ألماني على رأس جيوشه.. يعلن عن مسيحيته دون شعور بالحياء"! وفي مكان آخر يقول "لا استطيع فهم كيف يمكن أن يشعر ألماني أنه مسيحي"!

ولا يتأسف نيتشه على شيء تأسفه على حضارة المسلمين في الأندلس التي قضت نحبها تحت أقدام الصليبين، فحُرمت أوربا بفعل الصليبية ثمرات الحضارة الإسلامية مثلما حُرمت ثمرات الحضارات الأوربية القديمة (الاغريقية والرومانية) التي صادرتها الكنيسة! لقد قام نيتشه بالعمل (تحطيم الأصنام) الذي كان الأولى أن يقوم به مسلم، لأن كل ما قام به نيتشه هو قوله للأوربيين: "يا أهل الكتاب لستم على شيء.."، هذا اذا نظرنا للموضوع نظرة قرآنية! لكن النظرة القرآنية للمنجز الحضاري الأوربي غائبة بشكل كامل تقريباً، حتى أن الكثير من أهل الفكر جنوب المتوسط يصلون مع المسلمين ويفكرون بمناهج أشد الناس عداوة للذين آمنوا!

2) وظيفــة أصنــام الحداثــة. الأصنام هي رموز الباطل، ووظيفتها الأخطر تظهر على مستوى "المشروعية"، فهي ترمز إلى أن الباطل هو الحق، وأن الإسلام جريمة! وما بني نظام على تعدد الالهة (الأصنام) إلا وكان المسلم الحقيقي فيه هو المجرم المطلوب حياً أو ميتاً، لأن الدخول في الإسلام يبدأ بالكفر بـتعدد الالهة، أي قول "لا إله إلا الله"، التي تسمى "كلمة التوحيد" لنفيها الالوهية عن غير الله.

وتعمل أصنام الحداثة عمل أصنام الجاهلية الأولى من حيث النظر للإسلام كخطر قادم وعمل غير مشروع، لأن "لا إله إلا الله" تشكل بطبيعتها تهديدا جديا/وجودياً للنظام القائم على تعدد الالهة. ولذا يتم التعامل مع الإسلام كتحدي أمني خطير فتوجه له ضربات استباقية وغير استباقية على غرار ما فعلت قريش عندما قررت قتل صاحب الدعوة إلى "لا إله إلا الله" حفاظاً على أصنامها والنظام القائم عليها.

ولم يكن إنسان قادراً على ادراك كل هذه الحقائق في القرن العشرين مثل سيد قطب الذي ختم حياته بالتقرير التالي: "آن أن يقدم إنسان مسلم رأسه ثمناً لإعلان وجود حركة إسلامية وتنظيم غير مصرح به قام أصلاً على أساس أنه قاعدة لإقامة النظام الإسلامي، أياً كانت الوسيلة التي سيستخدمها لذلك. وهذا في عرف القوانين الأرضية جريمة تستحق الإعدام".

أخطر وظائف الصنم هي أن يكون شريكا لله فيما لا يحق لغير الله (العبادة). وأخطر أنواع عبادات المشركين هي تقديم القرابين البشرية، أي أن يكون الإنسان هو القربان الذي يقدم لصنم من أصنام الحجر أو أصنام الفكر! لقد تم تقديم سيد قطب قرباناً لبعض أصنام الحداثة، ولكن الغافل لا يرى ذلك؛ إما لأنه لا يعلم أن تقديم القرابين نوع من أنواع "العبادات"، أو لأنه نسى أن تقديم قرابين بشرية كان من العبادات المعمول بها حتى عهد قريب نسبياً، وآخر من كان مرشحاً لها هو عبد الله بن عبد المطلب! كان ذلك في أيام الجاهلية الأولى.. ولازال التاريخ يعيد نفسه

محمد بن نصر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
نيتشه العرباوى | 29/01/2017 على الساعة 17:24
حرية الفكر...افيقوا افيقوا
كتب صاحب المقال ((ويتردد ان مقولة "المسيح ابن الله" قد نشأت عن نقل اسطورة "حروس" ( وهو اله من الهة الفراعنه وابن الاله "اوزريس") من الاساطير الفرعونية الى الديانة المسيحية.))... وهنا اود ان اذكر الكاتب حيث الذكري تنفع المؤمنين... ان القران ملئي بقصص واساطير ومعتقدات الفراعنة... فمثلا الفراعنة كانوا يعتقدون في العالم الاخر والحياة بعد الموت ولهذا تجدهم يضعون الطعام مع موتاهم...وكانوا يعتقدون ان الطريق الى العالم الاخر لا تتم الاعن طريق سلم المعراج... ويعتقدون ان الميت لا يصل الى العالم الاخر الا اذا رجحت كفت ميزان حسناته على سيئاته... واذا حدت العكس فمصيره هو العدم... ومن هنا تجد مصدر الآية " فأما من ثقلت موازنه فهو في عيشة راضيه واما من خفت موازنه فامه هاويه "... وكذلك العلم السائد عند الفراعنة في ذلك الوقت ان قلب الانسان هو من يقوم بعملية التفكير... وليس مخه... ولهذا تجدهم عند تحنيط اجسام ملوكهم يقومون بتحنيط القلب ويقذفون بالمخ خارج الجمجمة... ومن هنا مصدر الآية "على القلوب اقفالها" وياليت قومى يعلمون!
صاحب نيتشه | 27/01/2017 على الساعة 17:55
ليس بينهما فرق عنده
فيلسوفنا فريدريك فيلهيلم نيتشه، في [Writings of Nietzsche: Volume 1, Volume 1]، قال بالحرف الواحد: (Intrinsically there should be no more choice between Islam and Christianity than there is between an Arab and a Jew) ما معناه: لا يوجد فرق مميز و واضح بين الإسلام و المسيحية مثلما لا يوجد فرق مميز و واضح بين عربي و عبري.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع