مقالات

د. أحمد إبراهيم الفقيه

رحيل رائد الحداثة في السرد القصصي العربي يوسف الشاروني

أرشيف الكاتب
2017/01/25 على الساعة 13:51

رحيل رائد الحداثة في السرد القصصي العربي يوسف الشاروني واضواء على مشروعه الادبي والفكري

 

ربطتني علاقة تماثل علاقة الابن بابيه مع سيد السرد القصصي واميره ورائد القصة الرمزية النفسية، المفكر والفيلسوف والمبدع المتميز الكبير، استاذنا يوسف الشاروني عليه رضوان الله.  كان الى اخر يوم في حياته مثالا للنشاط الذهني والقوة العقلية والقدرة على الحركة والتواصل مع الناس، وفي وقت متاخر من ليلة البارحة احس بالم في الصدر، فانطلق به عضو من الاسرة الى مستشفى السلام الدولي بالمعادي، حيث تعامل الاطباء مع حالة الازمة القلبية، وفي الصباح اسلم الروح راضيا مرضيا. كنا قد اتقفنا على لقاء  دوري يتواصل اسبوعا بعد اسبوع نتيجة لانه كان يسكن في منطقة بعيدة عن وسط البلد هي المعادي، الا ان الفراغ الذي تركته حلقات استاذنا الراحل نجيب محفوظ جعلتني الح عليه في ان يصبح اللقاء اسبوعيا، وتصادف ان انتقل قريبا من بيتي في منطقة المهندسين فاخذت الندوة شكلا منتظما منذ سبع سنوات مضت لا تنقطع اي اسبوع، في كل يوم جمعة بمقهى كوستا بشارع جامعة الدول العربية المهندسين.  التحق بها عدد كبير من الادباء، اشير فقط الى الراحلين الذين انضم الى صحبتهم في دار البقاء وفي فراديس السماء هم محمد ابو حديد، د. عبد الغفار مكاوي، فؤاد قنديل، عبد القادر حميدة، رحمهم الله جميعا.   وما ان سمعت الخبر حتى هرعت الى بيته بعد ساعات من وفاته، لاعزي زوجته السيدة نرجس وابنته السيدة شادن الشاروني وزوجها وبعض اقاربه، الذين ابلغوني ان الجنازة ستشيع في اليوم التالي.

ولن اعيد هنا المعلومات المتيسرة في مواقع كثيرة في الشبكة مثل موسوعة يوكيبيديا، بل انه كان حريصا على ان يضع اعماله الكاملة في متناول القراء على النت لمن يريد البحث، وهي تزيد عن خمسين كتابا اغلبها كتابات تنتمي الى السرد قصصي القصير وكتب في النقد الادبي وكتب في الفكر باعتبار دراسته كانت في مجال الفلسفة وعلم النفس، وكان صاحب ثقافة موسوعية ويتكلم في المجال الادبي نقدا وقصة ورواية او شعرا او المجال الفكري فلسفة او علم نفس وسياسة، كما يتكلم في التراث العربي الذي خصص له عددا من كتبه، وادب الرحلات وعالم العجائب في البر والبحر، كانه صاحب اختصاص وله كتب في كل هذه الفروع بل له كتاب في التغذية ومناحي النفع والضرر في انواعها، ويحسب له النقاد انه صاحب مدرسة في القصة القصيرة، فقد نشر اول مجاميعه العشاق الخمسة في نفس العام الذي نشر فيه يوسف ادريس كتابه القصصي ارخص ليالي، وتم اعتماد الاول صاحب مدرسة في القصة الرمزية النفسية الفلسفية بينما كان الثاني على راس المدرسة الواقعية.

وساشرح في الجزء الثاني من هذا المقال اهم عناصر مشروعه الادبي، واخصص بضعة اسطر هنا للحديث ِعن الجانب الاخر من شخصيته الذي لا يعرفه الا من اتصل به اتصالا وثيقا مثلي، فاقول انني وجدت في هذا الرجل مثالا نادرا للانسان الذي تجتمع فيه العبقرية والنبوغ العقلي مع البراءة والشفافية الى حد ان تراه طفلا، مثالا للصدق في القول والعمل، والنزاهة والامانة في التعامل مع الناس، والقلب المفتوح لحب الجميع، الذي يخلو من ذرة حقد اوحسد او كراهية.   ولهذا فانني لم اجد شيئا استند اليه في هذه الفجيعة التي فجعت بها غير الايمان بان الله عندما اختاره الى جواره جعله انتقالا دون عناء ولا تعب ولا اتعب غيره في هذا العمر المتقدم، والثاني انني وجدت متنفسا في العبرات الغزيرة التي كانت تطهيرا وازالة لاكدار تجمعت في القلب فور سماعي الخبر، والثالث انني اعرف مدى ما كان يحمله لي من المحبة وهي محبة اعتز بها لانها قادمة من رجل ينتمي الى فئة القديسين واولياء الله الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، تولاه الله برحمته ورضوانه، ونفعنا الله ببركاته والهم ذويه الصبر والسلوان، وانا لله وانا اليه راجعون.

اهم المحاور في مشروعه الادبي والفكر

تخبرنا حقائق الحياة، ان لعمر الانسان مدى محدودا، يقصر احيانا ويطول في احيان أخرى، ولكنه مهما طال فهو قصير جدّا، مجرد ومضة في فضاء الزمن الابدي، او قطرة في اوقيانوسه العظيم، وقد حبانا الله في عصرنا الحديث بمبدعين من اهل النبوغ الفني والأدبي، امتدت اعمارهم الى آخر هذا المدى، ووصلت الى العقد العاشر او مشارفه، من امثال النوابغ توفيق الحكيم ومحمد عبد الوهاب ونجيب محفوظ، واخيرا استاذنا رائد السرد القصصي، يوسف الشاروني، الذي رحل عن عالم الاحياء منذ أيام قليلة مضت، عن ثلاثة وتسعين عاما، عليه رضوان الله.

بدأ الكتابة في عقد الاربعينيات من القرن الماضي، وواصل باجتهاد ومثابرة واستمرارية، وعلى مدى سبعة عقود، الى آخر يوم في حياته، ونستطيع ان نقول وبشكل عملي دون لجوء الى المجاز والرمز، انه توفى والقلم في يده، والدليل على ذلك مقالاته التي كانت تتواتر فوق اعمدة هذه الصحيفة الغراء((الزمان))، بشكل اسبوعي، وإلى آخر اسبوع قبل رحيله.

وأريد في ايجاز شديد، ان اقف عند مشروعه الادبي والفكري وتقديمه الى القاريء، في هذه الكبسولة، التي احاول فيها ان اضع مشروعا يحتاج الى الاف الصفحات، اذا اردنا الانصاف والوقوف عن التفاصيل، في وعاء كبسولي الصغير، هوهذه المساحة المحدودة الى اقصى مدى.

ولابد ان نبدأ بالقول انه كاتب مسكون بحس الرسالة، وهذا الحس الرسولي هو الذي كان مسئولا عن توجيه دفة السفينة، سفينة انتاجه الادبي والفكري، وسفينة حياته ومواقفه العملية في مجالات شتى بينها المجال السياسي، وعلى مدى عمره كله. هذا اولا،

وثانيا: نقول، انه انطلاقا من هذا الحس العميق بالرسالة الاجتماعية، وهذا الولاء الوطني والانساني، لم يكن يستطيع ان يقصر جهده على مجال نبغ فيه، وحقق اعتراف  الطبقة المثقفة به، هو السرد القصصي، لانه كان يرى انه كمثقف صاحب وعي وفكر وثقافة، له دور اوسع من دور التاليف القصصي، ويفرض عليه  المساهمة بالراي في تعميق الوعي، وبلورة المشروع النهضوي لبلاده، بشكل مباشر، لا تقدر عليه ولا تستوعبه فنون السرد القصصي وحدها، والكلام عبر المجاز والرموز ومخاطبة الرأي العام من خلف اقنعة الشخصيات والمواقف القصصية.

ثالثا: كان مسكونا بهاجس التأسيس، لانه كان على وعي بالبيئة الشعبية الي ارتبط بها، والمحيط  الاجتماعي الذي يعيش فيه، ويدرك ما تعانيه هذه البيئة وهذا المحيط من تخلف، وما تحتاجه من جهد للحاق بركب المجتماعات المتطورة، مدركا ان اللحاق بركب الحضارة الحديثة، يقتضى بناء ارضية للانطلاق، فكان صاحب تيار تجديدي في الادب، خاصة فنون السرد، وكتابة القصة ذات الابعاد التعبيرية والنفسية المثقلة بالرمز، خروجا بالقصة من محدودية المدرسة الرومانسية التي عاشت دهورا طويلة تتحرك في اطارها، ثم المدرسة الواقعية التي لاقت حماسا وشيوعا في ادب الاجيال الجديدة، واقتصر التجديد عليها، غير منتبهة الى افاق اوسع واكثر قدرة على الاحاطة بحياة الانسان وسبر اغواره، من هذه المدرسة، فكان هو صاحب هذا الدور الرائد، وكتب قصة ذات ابعاد نفسية وقدرة تعبيرية وانجاز ابداعي يلامس المشارف العالية في الابداع، بدءا من كتابه القصصي الاول الصادر عام 1954، والموسوم ب "العشاق الخمسة".

رابعا: وهذا الحس بالرسالة هو الذي قاده لان يجعل الابداع الادبي، الذي حقق مكانة مرموقة فيه، جزءا من مشروع حياته في الادب والفكر، وليس كل المشروع، فانطلق يكتب الدراسات الفكرية، الاجتماعية والسياسية والفلسفية وذات الابعاد النفسية المعنية اساسا بنهضة المجتمع، وكتب في ذات الوقت الدارسات الادبية التي تسعى لوضع الاسس الصحيحة للنهضة الادبية، وتناول بالنقد والتحليل نتاجات الادباء، في قراءات تسعى لاستكشاف واستبطان ماهو جديد يواكب التطور فيناصره ويدفع به الى الامام، والتنبية الى نقاط الضعف التي تحد من الانطلاق والتطور، ولم يكن عملا اعتباطيا او عشوائيا عندما جعل تركيزه في هذه الدراسات، او في جانب كبير منها، على الادب الذي تكتبه العناصر النسائية، لايمانه بان نهوض المراة ومساهمتها في شتى مجالات النماء والنهوض في المجتمع،  انما هي قضية اساسية وجوهرية في المشروع النهضوي للوطن والامة.

خامسا: رغم عمق ولائه المصري، وارتباطه بجذوره في هذا الوطن، فانه كان يؤمن بالانتماء الى الدائرة الحضارية العربية، ويدرك ان بلدا لا ماضي له، عاجز عن بناء مستقبل مشرق لابنائه، فكرس، بدافع من هذا الولاء وهذا الايمان وهذا الانتماء، جزءا من عطائه الفكري للبحث في التراث العربي، والتراث الشعبي، والكشف عن كنوز الثقافة لذى طبقات الشعب وفي عمق التاريخ،  خدمة لوضع المشروع النهضوى على اسس صحيحه، وتعميق الوعي بالجذور مصريا وعربيا في وجدان كل مواطن مصري وعربي.

سادسا: كانت قضية العدالة الاجتماعية وانصاف الطبقات المظلومة من ابناء الشعب، محورا اساسيا من محاور حياته، وانعكست في انجازه الفكري والادبي، بمثل ما انعكست في سلوكه ومواقفه العملية والسياسية، ومنذ ان كان صبيا، عندما التحق طالبا في سنته الاولى في الجامعة، خلال عقد الاربعينيات، تعرض للسجن والملاحقة، لانه انتمى  في هذه المرحلة الخضراء الطرية من عمره، الى تجمعات تتبنى اتجاها سياسيا يبشر بالمساواة وينادي بالعدالة الاجتماعية وانصاف الطبقات الفقيرة، في مرحلة من عمرمصر ونظامها الملكي، ساد فيه الاقطاع واستغلال العمال والفلاحين، وظل هذا التوجه ملازما له طوال حياته، واملى عليه كثيرا من مواقفه وسلوكياته وتوجهاته السياسية، بما في ذلك انحيازه لثورة يوليو، بسبب ما ظهر من نوازع اشتراكية وما تبنته من سياسات لانصاف العمال والفلاحين، وراى في هذه التوجهات جانبا ايجابيا يستحق  مناصرته والدفاع عنه.

سابعا: لا يمكن الوقوف عند كل هذه الجوانب دون الاشارة الى مستوى الاداء الفني في ابداعه الادبي، فغالبا ما ساد احساس او راي او فكرة، ان الحديث عن الرسالة والحماس لمشروع نهضوي، والمناداة بالعدالة الاجتماعية والدعوة الى تطبيقها، لابد ان يشكل عبئا على الاداء الفني للكاتب، فتاخذ النبرة العالية للدعوة، اهتمام الكاتب على حساب تجويده  للجوانب الفنية الجمالية التي قد تعاني نقصا وضعفا بسبب التركيز على المضامين والافكار،  ومهما كان هذا التفكير مصيبا او غير مصيب، فانه اطلاقا لا ينطبق على الابداع الادبي لاستاذنا يوسف الشاروني، لانه استطاع تحقيق المعادلة الصعبة بين المضمون الهادف والشكل الادبي الذي يتميز بالمعالجة الفنية الراقية والاحتفاء بالجوانب الاسلوبية والجمالية، ويصل في ذلك الى مشارف عالية باعتراف اوساط ادبية عالمية احتفت بادبه احتفاء كبيرا عندما ترجم الى لغات اخرى، وانجزت عنه رسائل دكتوراه في جامعات اجنبية اعترافا بالقيمة الراقية لابداعه.

هذه مجرد عنواين رئيسية لمواضيع كبيرة يحتاج كل عنوان منها الى كتابة اطروحة كاملة، لان حياة هذا المبدع وتراثه الذي تركه خلفه بعد الرحيل، يمثل قماشة عريضة، يجد فيها الباحثون والاكاديميون موضوعا لا ينفد للدراسة والبحث، وسيكون بالتالي زادا للقراء، يقدم لهم المتعة كما يقدم لهم الغذاء الروحي والفكري الذي يرتفع بالوعي وينضج الفكر والعقل ويكون باذن الله مدماكا في النهضة القادمة لمصر وللوطن العربي.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

* ينشر بالتزامن مع نشره في  صحيفتي ايلاف والزمان.

كلمات مفاتيح : د. أحمد إبراهيم الفقيه،
احمد ابراهيم الفقيه | 26/01/2017 على الساعة 18:18
الى الاديب نور الدي النمر
اريد ان اعبر عن شديد امتناني واعجابي بالمتابعات العميقة للصديق الاديب نور الدين النمر، ليس عن كتاباتي فقط ولكن عن كتابات كثير من الزملاء الادباء، ويميزها ايضا انها مضمخة بعبير المحبة، مفعمة بروح الجمال الانساني والتعاطف مع الكاتب الليبي الذي غالبا ما يتحرك في بيئة كثر فيه التحريف والتجريف والتصحر، ويحاول ان يغرس شجرة ورد في بيداء الرمال، واقول ان عنوان تعليقه في رثاء التواضع قبض على روح الموضوع، لان اهم ميزة انسانية تميز بها هذا الكاتب الرائد صاحب الموهبة الكبيرة والحس الرسولي والانتاج الغزيز المتشعب الضارب في كل مناحي الادب والوانه والمعرفة وفروعها هو التواضع والبساطة ، اما عن اشارته لان اكتب عن هؤلاء العمالقة من واقع تجربتي ومعرفتي العميقة بهم فهو موضوع اتمنى ان اجد الوقت لاتمامه وفعلا فكرت فيه وباشرت في وضع لمسات اولى له، وهو عن نوابغ السرد الست محفوظ، وادريس، والشاروني، والعجيلي، والطيب صالح علاقة عمر معهم ونظرة الى مدرسة كل واحد منهم والكتابة من ناحية عملية اجرائية ربما يستفيد منها دارس الادب ليرى ما يصعب رؤيته الا لمن عايش هؤلاء الناس وعرف كيف لكل شيخ طريقة والفرق بين طرائ
نورالدين خليفة النمر | 26/01/2017 على الساعة 17:37
في رثاء التواضع
لقد أطلعت على المقتطف الرثائي من هذا المقال في صفحة كاتبنا الكبير أحمد إبراهيم الفقيه على الفيس بوك مساء رحيل رائد فن القصّ القصير المرحوم "يوسف الشاروني" وعندما لمحت الرثاء وقد تحوّل مقالاّ متوسّعاً على موقع ليبيا المستقبل زاد تلهّفي في أن أقرأ المزيد عن الراحل الكبير الذي يعرفه جيلي من الكتاب والقرأ الليبين ولكن لم يقرأو نتاجه بسبب إنبهارهم بسرد معاصره المبهر الساحر يوسف إدريس الذي غطّى بكتابته وشخصيته على معاصريه . للآسف إستعجال الكاتب الفقيه في الكتابة وهو مايستدعيه السبق في الرثاء خيّب تلهفي على معرفة الخصال الشخصية للكاتب الراحل التي يلمّ بآفاقها الرحيبة ولا شك كاتب موهوب مثل الفقيه وخصائص فنه التي لايعرف فرادتها وفرائدها إلا الفقيه الذي هو الآخر رائد من رواد هذا الضرب من الكتابة .. وماأذكى تلهّفي هو زاوية الرؤية الليبية المهملة والتي لايؤبه لها عربيا في توصيف هذا العالم الثقافي الرائع رحم الله الراحل الكبير يوسف الشاروني ويطيل في عمر الكاتب الكبير أحمد أبراهيم الفقيه ويمنحه الوقت والآناءة في أن يكتب في هؤلاء العمالقة مايشفي غليلنا نحن محبيه ومحبّي كتابته الشائقة .
آخر الأخبار
إستفتاء
ما رأيك في “مبادرة السراج” وخطة الطريق التي اعلن عنها؟
عملية وممكنة التحقيق
تستحق التفكير والمتابعة
غير واقعية وغامضة
لن يكون حولها توافق
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع