مقالات

إبراهيم محمد الهنقاري

ليست ازمة سياسية... انها أزمة اخلاق..!!

أرشيف الكاتب
2017/01/21 على الساعة 11:14

قال أمير الشعراء احمد شوقي: (وإنما الامم الأخلاق ما بقيت ...فان هموا ذهبت اخلاقهم ذهبوا)... اجل. ان ما يصفها البعض بأنها أزمة سياسية في ليبيا ليست اكثر من أزمة اخلاق وازمة تربية وطنية... الأزمة السياسية قد تحدث في بلد به سياسيون وأحزاب عريقة و تجربة ناضجة في الحكم والإدارة كما يحدث في بعض الدول النامية والمتحضرة. وعادة ما يتم حل هذا النوع من الأزمات السياسية باتفاق اطرافها على حلول وسط تستجيب للحد الأدنى من مطالب الأطراف السياسية المختلفة وتراعي المصالح العليا للوطن. اما حالتنا الليبية المخجلة التي أظهرتنا امام العالم كقطيع هائج من الذئاب البشرية او كمجموعة "نيام نيام "من اكلة لحوم البشر او مجموعة من اللصوص التي تنهب كل شيئ وتسرق كل شيئ وتقتل كل من يقف في طريقها فهي ظاهرة غريبة عن مجتمعنا أنبتها نباتا سيئا شيطان مارد ولم يكفلها ليبي واحد عاقل.!!

واذا صح ان ما يزيد عن خمسة وسبعين في المائة من الليبيين والليبيات اليوم هم مواليد ما بين عامي ١٩٦٥ وما بعدها فانها حقاً الطامة الكبرى  والكارثة العظمى لان كل اؤلئك و هؤلاء قد أكلوا من المائدة المسمومة لايلول الأسود وشربوا من مائه الملوث بالكراهية والأنانية وقلة الأدب. كل أولئك وهؤلاء قد شاهدوا او شاركوا في الجرائم التي تم ارتكابها باسم "الثورة" وبناء على قوانين "الثورة" وطبقا "لكتاب الثورة الأخضر" خلال ما يزيد عن أربعين سنة اي مايتجاوز نصف أعمارهم. كلهم شاهدوا وشاركوا في "الثورة الشعبية" التي دمرت الادارة الليبية التي كانت الأفضل بين جميع الدول العربية. كلهم شاهدوا وشاركوا في "الثورة الثقافية" التي احرقت الكتب والمكتبات وأحرقت الاَلات الموسيقية فرسخت الجهل والجهالة وقلة الذوق في عقول وسلوك تلك الأجيال. كلهم شاهدوا وشاركوا في "ثورة الطلاب" التي دمرت كل القيم النبيلة التي تربت عليها الاجيال الليبية السابقة من احترام المعلم واحترام وتقديس العلم ودور العلم فتم اشهار وإطلاق المسدسات في قاعات المحاضرات وتم نصب المشانق في ساحات الحرم الجامعي وسط مهرجان للموت والدم لم يعرف الليبيون والليبيات مثيلا له الا في العهد الاستعماري الايطالي البغيض. كلهم شاهدوا وشاركوا في "ثورة العمال" التي تم خلالها نهب المصانع والمزارع  والمتاجر والمنازل والمركبات بمقولة "البيت لساكنه" و"السيارة لمن يقودها". والتي تم خلالها القضاء على القطاع الخاص الليبي الذي كان يمول من خلال الضرائب جزءا هاما من ميزانية الدولة والذي كان يساهم بقوة في برامج التنمية وفِي بناء اقتصاد وطني متنوع لايعتمد فقط  على النفط والغاز.

هكذا تم العدوان الاثم على ليبيا وشعبها بفعل اكذوبةً كبرى أسموها "ثورةً الفاتح من سبتمبر العظيمة" لا يعرف احد حتى اليوم من هو الفاعل الحقيقي الذي يقف وراءها وأن كان الجميع يعرفون أن ذلك الفاعل كان ولا يزال هو العدو الحقيقي للشعب الليبي سواء كان من ابناء الوطن او من أعداء الوطن. صحيح ان العديد من الليبيين الشجعان من داخل ليبيا وخارجها ومن داخل القوات الليبية المسلحة ومن  خارجها حاولوا التصدي للطاغيةً وزبانيته ودفعواً حياتهم ثمنا لحرية وكرامة الوطن. وهولاء لابد ان يذكرهم الليبيون والليبيات بكل خير ويكبرون تضحياتهم وجهادهم الذي ثبت انه يختلف كثيرا الا ما رحم ربي عن بعض النضال المهاجر المزعوم الذي قبض أصحابه الثمن بعد ١٧ فبراير دراهم معدودةً  وكانوا فبه حقاً من الزاهدين.!! ثم عادوا هم وعائلاتهم الى مهاجرهم وتركوا الشعب الليبي يعاني ألوانا من العذاب لم يعرفها حتى في احلك ايام الطاغية ولياليه.!!

ان كل مانشاهده اليوم من الفساد والجرائم البشعة التي يندى لها الجبين هي وليدة غير شرعية لذلك الزمن الرديئ الذي عاش فيه معظم الليبيين والليبيات الذين هم اليوم على قيد الحياة. فالذين يقطعون الطرق ويقيمون البوابات الوهمية والذين يخطفون الرجال والنساء والولدان من بيوتهم وعلى تلك البوابات هم من هؤلاء. والذي خطط لخطف زوجته ام أولاده لابتزاز صهره وأخذ الفدية منه لا يمكن الا ان يكون من هؤلاء. والذين يتسببون في قطع المياه والكهرباء و يمنعون تزويد محطات توليد الكهرباء بالغاز والوقود هم قطعا من هؤلاء. والذين يهربون العملة الصعبة والوقود الى الدول المجاورة والبعيدة  لحسابهم الخاص هم لصوص كبار وهم بالتأكيد من هؤلاء أيضا. فمتى يستقيم الظل والعود اعوج.!؟ وكيف يمكن لليبييين والليبيات ضحايا كل هذا الاثم المبين ان يتخلصوا من كل هذه المجموعات المريضة من المواطنين الليبيين الذين قد يكونون هم أيضا ضحايا جرائم أيلول الأسود.!؟ وكيف يمكن علاج هذا الوباء السرطاني واستئصاله من الجسم الليبي حتى يعود سليما معافى بعد ان اكتسح ذلك الوباء هذا الجسم الهزيل المريض بنسبة تتجاوز ٧٥٪ .!؟

اذا كان هذا هو حالنا فكيف يمكننا الخروج من عنق هذه الزجاجة الثورية المسمومة.!؟

لا اتصور ان ايا من اللاعبين او السارقين او العابثين الحاليين بمصير الوطن يملكون النية او حتى الرغبة في إصلاح هذا الحال الليبي التعيس والدامي. ان كل ما يقومون به الان ومنذ ١٧ فبراير ٢٠١١ انما هو اما امتداد  لما كان يجري ايام الطاغية ولكن بصورة أسوأ او هو استغلال ماحدث منذ ست سنوات لنهب المال العام والخاص على خطى المقولات المسمومة للكتاب الأخضرالتي تم تلقينها لأربعة اجيال متتابعة من الليبيين والليبيات حتى وصل الانحراف وسوء السلوك عند البعض حدا غير مسبوق من القتل والنهب والابتزاز وهتك الأعراض و تدمير الممتلكات العامة والخاصة والغاء الدولة بل وتعطيل الحياة العادية للناس وتعطيل المدارس والجامعات والمستشفيات وحتى تدميرها. من تصدى من هؤلاء للعمل السياسي أخذتهم العزة بالاثم وظنوا انهم قادرون على استنساخ سلوك وجرائم الطاغية فاحتقروا الشعب الذي أوصلهم الى مقاعد السياسة كما احتقره راس النظام السابق وتمكنوا من إقامة "دولة الحقراء" التي كان ينادي بها. ومن كان من ضحايا النظام السابق من دعاة الاسلام السياسي وهي دعوى جاهلية وباطلة لاعلاقة لها بصحيح الاسلام كما عرفه النبي والصحابة الكرام ، انقلب على ثورة ١٧ فبراير منهم من انقلب عليها بالانتقام من البشر الليبي والحجر الليبي معا ما استطاع الى ذلك سبيلا وكان مثال ذلك ما شهدته بنغازي المكلومة من الاغتيالات والدمار وما شهدته العاصمة المخطوفة طرابلس من تدمير وخطف وابتزاز وما يشهده الجنوب الليبي الصابر من القهر والحرمان. ومنهم من انقلب على ثورة فبراير بنهب المال العام ممثلا في البنك المركزي حتى افرغوه مما يحويه من احتياطي الذهب والعملات الصعبة وإفراغ المصارف التجارية من العملة الوطنية والأجنبية. وقد ادى كل ذلك الى ان ساموا الشعب الليبي سوء العذاب فلا رواتب ولا علاج ولا غاز ولا كهرباء ولا وقود لا للمولدات ولا للسيارات.

هذا هو مع الاسف حال الوطن اليوم فهل الى مرد من سبيل.!؟

ونعني بالمرد العودة الى حين من الدهر كان الليبيون والليبيات فيه ينعمون بالامن والامان وبالعيش الكريم وبالأخلاق الحميدة. ولكن كيف يمكن ان يتحقق هذا الحلم الليبي الذي طال انتظاره.!!؟

لايبدو ان رجال "دولة الحقراء" قادرون على او راغبون في تحقيق ذلك الحلم الجميل. واذا كان هناك من يعتقدون غير ذلك فانهم واهمون واذا استمر الحال على هذا المنوال كما يقال فعلى ليبيا السلام. واذا لم ينتفض الليبيون والليبيات ضد هؤلاء جميعا فعلى نفسها جنت "براقش" الليبية.!!

على الليبيين والليبيات ان يدبروا امرهم بانفسهم دون الاعتماد كثيرا على ما يسمى بالمجتمع الدولي هذه المنظمة الغامضة المتناقضة ذات الأهداف والنوايا المختلفة. وعليهم ان يختاروا افضل الحلول المتاحة أمامهم. عليهم ان يقضوا على الارهاب القائم في الداخل او الارهاب المستورد من الخارج. عليهم ان يتذكروا تاريخهم القريب والبعيد وان ياخذوا العبر منه. عليهم ان يختاروا بين الحياة والامل والمستقبل او الاستسلام للموت والياس والمجهول. عليهم ان يتذكروا دائماً ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم.

ان بلادنا اليوم على مفترق طريقين : طريق يؤدي الى الخير والنماء ودولة الدستور والقانون. وطريق مناقض ذو اتجاه واحد لا يمكنه الا ان يؤدى لا سمح  الله الى ما لا تحمد عقباه... والامر اليكم فانظروا ماذا تأمرون... حفظ الله الوطن والمواطنين من كل مكروه.

ابراهيم محمد الهنقاري

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
هشام فكري | 24/01/2017 على الساعة 11:02
الأخلاق
أتفق معك من حيث المبدأ يا سيد أنها أزمة أخلاق مستشرية في ليبيا، ولكن لا أتفق معك في إدعائك أن جذور هذه الأزمة جديدة وإنما هي قديمة قدم الزمن، وهي تخبو وتظهر بين حين وآخر. من أسس البنى التحتية للدولة الليبية المدنية هم الإيطاليين والإنجليز، فالإيطاليين بنوا والإنجليز أسسوا، والفترة الملكية كانت بدايات هدم أساسات هذا البنيان من إلغاء للأحزاب وتفشي للواسطة والمحسوبية والرشوة داخل مؤسسات الدولة. كل هذه العوامل أدت إلى مقدم القذافي الذي يمثل الجيل "الخلوق"الذي أشرت إليه. يا سيدي الفاضل، الأجيال الحديثة لم تتزلف للملك ولم تخرج مهللة للقذافي ولم تعزف لشطحاته المميتة، وإنما وجدته واقعا بغيضا رسخه تفاني أجيالكم، وعندما كبر هذا الجيل عانى الكثير وعندما ثار عليكم سرقتم ثورته وتصدرتم المشهد السياسي الذي تفضلت وقلت إنه "يعاني أزمة أخلاق".
نوري الشريف | 21/01/2017 على الساعة 22:57
الحقيقة
احد افضل المقالات التي قرائتها.
LIBYAN BROTHER IN EXILE | 21/01/2017 على الساعة 16:23
اجدت أستاذ ابراهيم الهنقاري فى إختيار عنوان المقال
اجدت أستاذ ابراهيم الهنقاري فى إختيار عنوان المقال (ليست ازمة سياسية... انها أزمة اخلاق..!!) لأنها لخصت مايحصل فى وطننا الغالي ليبيا من مأسي ياللحسرة٠ وحفظك الله من كل مكروه لليبيا واهلها الطيبين٠ ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم٠ حفظ الله وطننا الغالي ليبيا والليبيين الطيبين (فقط) من كل مكروه ومن كل شخص حقود شرير- اللهم امين
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع