مقالات

د. فتحي الفاضلي

كتاب "جذور الصراع في ليبيا" لفتحي الفاضلي (21 - الاخيرة)

أرشيف الكاتب
2017/01/16 على الساعة 14:24

خاتمة...

إذا أردنا تقييم العمل الإسلامي في الداخل انطلاقا من أن السلطة كانت تهدف طوال العشرين عاما الماضية (نذكر ان الكتاب صدر في 1992م) إلى إيقاف المد الأسلامي، وإبراز جيل يؤمن بفصل الدين عن الدولة، وينبذ السنة، ولا يؤمن بها كمصدر من مصادر التشريع، فإننا من هذه المنطلقات نستطيع أن نقول وبدون تردد، إن الإسلاميين انتصروا على السلطة بدليل الحقائق التالية:

إن آلاف الشباب الإسلامي الذي استهدفته حملة الاعتقالات الشهيرة في أواخر 1989م لم تتجاوز أعمارهم السابعة عشر ربيعا، فهم أصغر عمرا من الثورة التي تربوا في أجوائها، وهم يمثلون الجيل الذي كان مرشحا لحمل ونشر أفكار تضاد مبادئ السنة وتعاليمها، فإذا به يحمل السلاح ضد النظام الذي تربى تحت سمع وبصر مؤسساته الدعائية وأجهزته الأمنية. حمل هذا الجيل السلاح دفاعا عن السنة بصفة خاصة، وعن الإسلام بصفة عامة، مما جعل النظام يدرك، بعد فوات الأوان، أن النظريات والأفكار التي دعا إليها لم تلاق القبول لعدم صلاحية التربة لنمو مثل تلك الأفكار.

ومن أدلة نجاح الإسلاميين أمام السلطة في هذا النطاق، أن الصراع بدأ، كما لاحظنا، منذ أوائل السبعينيات واستمر حتى اليوم (مدة عشرين عاما تقريبا)، دون توقف، ذلك على الرغم من الحظر الذي فرض على الفكر الإسلامي، والإرهاب الذي مارسه النظام ضد الإسلاميين، وما نتج عنه من ارتال الشهداء. فكلما أحس النظام أنه كسب جولة وحقق انتصارا، برزت طلائع جديدة تسد الثغور وتذود عن الإسلام وتواصل الصراع.

ومن خلال تتبعنا لهذا الصراع أيضا، نرى حضورا ملموسا لجميع التوجهات الإسلامية بمختلف مدارسها. وقد يبدو من جهة أن في هذا تشتتا وتعددا و تفرقا، إلا أنه من جهة أخرى، دليل على انتشار الدعوة من مختلف المدارس الإسلامية، يتنافس كل منهم على نشر فكرته ودعوته، متحديين بذلك النظام واستحكاماته الأمنية. ولو لم تكن هذه الجماعات ذات تأثير فعال، لما اضطرت السلطة إلى التصادم عسكريا مع بعضها، ولما اضطرت إلى القبض على آلاف الشباب الإسلامي المنتمي أو المتعاطف مع هذه الحركات، ولما اضطرت إلى تهديد أفرادها بالقتل علنا، ولما اضطرت إلى إصدار قانون الزندقة، ولما اضطرت إلى عقد مؤتمرات للدعوة الإسلامية يستضيف فيها الكثير من القيادات الإسلامية المعاصرة، بعد عشرين عاما من فصل الدين عن الدولة، ومن نعت الشيوخ والعلماء وقيادات الحركات الإسلامية بالمشعوذين والدجالين والدراويش. كل هذا بهدف امتصاص الصحوة الإسلامية في ليبيا وزرع الشكوك في نفوس الإسلاميين ضد قياداتهم من جهة، وضد مدارسهم الإسلامية من جهة أخرى. ومهما كان هدف السلطة من وراء ذلك، إلا أن في هذا دليلا واضحا على الضغوط التي يواجهها النظام نتيجة لتنامي القوى الإسلامية.

ومن الأدلة أيضا، أن النظام و منذ حركة الانفتاح (مارس 1988م) لم يتوقف عن مهاجمة الإسلاميين، بمناسبة وبدون مناسبة، مشيرا بذلك، ودون أن يشعر، إلى موقع الألم الذي يعاني منه. والحقيقة أن الانفتاح كان رحمة على أغلب القوى السياسية، لكنه كان نقمة على الإسلاميين الذين استفرد بهم النظام، بعد خلو الساحة الداخلية من المعارضة المؤثرة. ذلك بالرغم من أن الانفتاح كان انفتاحا نسبيا، يسمح للسلطة بالعودة إلى أخطر التجاوزات ضد المواطن متى شاءت ذلك. فما زالت محكمة الشعب، التي عُرفت بأنها محكمة سياسية ثورية، لا تعتمد على القوانين المتعارف عليها، ولا يشترط في أعضائها بالتالي الإلمام بالقوانين، أو أن يكونوا من المؤهلين قانونيا، لأنها محكمة خاصة تسير بقوانين خاصة، تعقد لكل من أراد أن "يقف ضد سلطة الشعب"، وهذه الجملة فيها من الغموض والتعميم ما فيها، تماما كما في مقولة "سحق القوى المضادة للثورة"، تلك المقولة التي ذهب ضحيتها مئات الأبرياء في ليبيا.

تلك كانت بعض علامات النصر. واليوم يواجه الإسلاميون معركتين هامتين: أولهما: تثبيت أركان الدعوة ورفع لواء الإسلام في الداخل، مجدفين بذلك ضد السلطة ومخططاتها الرامية إلى استئصال الإسلام والإسلاميين. وثانيهما: المساهمة في الصراع الذي تقوده الحضارات الأخرى ضد الشعوب الإسلامية بأسرها، ذلك الصراع الذي لا نستطيع أن نستنثي أنفسنا منه، أردنا ذلك أو لم نرد. فليبيا كما ذكرنا، ليست إلا امتدادا للعالم الإسلامي، والليبيون ليسوا إلا شعبا من شعوب الأمة الإسلامية. ولأن السلطة تدرك هذه الحقيقة، نراها قلقة أيضا من المد الإسلامي في الجزائر وتونس ومصر والسودان.

يواجه الإسلاميون هذه المعارك، ويواجهون معها عوائق محلية أخرى، ولكنهم يواجهون كل ذلك بعزيمة صادقة وتصميم على التمكين لهذا الدين. ولا بد لتحقيق ذلك، أن نتجنب الفردية التي هي شجرة خبيثة تريد أن تمتص خيرات التربة لتعيش هي بينما تموت الأشجار الأخرى. وأن نتجنب الإقليمية والجهوية لأنها تعصب نتن، لن ينتج عنه إلا الظلم. ولا بد أيضا من محاربة ثقافة الفرقة التي كادت أن تصبح جزءا من حياتنا لا نستطيع الاستغناء عنها. ولا بد أيضا لتحقيق ذلك أن تتجمع القوى الإسلامية تحت قيادة واحدة وتسير برأي واحد مستمد من الكتاب والسنة ومن واقع الحال. ولا بد أ يضا من أسلمة المعارضة وأسلمة الصراع قولا و فعلا، سرا وعلانية.

ونأتي لختام هذه الرسالة المتواضعة، وسجون الثورة تغص بشباب الإسلام، الذين يحلمون ببزوغ فجر الحرية، وبسطوع شمسها، كما يقول الداعية عمرو النامي في قصيدة له كتبها داخل السجن المركزي جاء فيها:

سيزهر روض الحياة العشيب.......... وتسعد بالزهر فوق الكثيب
وتسطع شمس الرضى في رياض....... أضر بها ليل كيد عصيب
وينفرج السجن بعد إنغلاق ............ وينزاح ظل الظلال المريب
هنالك خلف الجدار الكئيب ................ تباشير فجر منير قريب
وأنفاس صبح وضيء السمات ........ وأنسام روح رخي الهبوب

تغص السجون بشباب الإسلام مع تسرب الأخبار، من حين لآخر، عن التحاق ضحية جديدة بقافلة الشهداء، وعن تسرب الأخبار عن مواقف الصمود والتحدي، التي يسجلها شباب الإسلام من داخل السجون، ونردد لأولئك الشباب ما قاله تعالى {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين}. آل عمران: 139

والجولة لم تنته بعد، فالصراع لا يزال في أوجه، وسينتهي بدون شك بالنصر والتمكين لهذا الدين، كما وعد الله سبحانه وتعالى {وعد الله الذين آمنو منكم وعملوا الصالحات ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون}. النور:55 وهو القائل جل وعلا {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة، ولهم سوء الدار}. والله ولي التوفيق.

د. فتحي الفاضلي
فبراير 1992م

- راجع الحلقات السابقة بـ (ارشيف الكاتب)

* لقد اصدرت الكتاب في فبراير 1992م، في ولاية ميزوري، واستطاع بعض الاصدقاء تهريب نسخ منه الى ليبيا، تم تداولها سرا، وعلى رقعة واسعة في ذلك الوقت، وسأنشر الكتاب كما هو.  والله ولي التوفيق.

آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع