مقالات

د. ابراهيم قويدر

عبر ومواقف إنسانية في رواية حقيقية

أرشيف الكاتب
2017/01/08 على الساعة 15:27

في صباح يوم 12 سبتمبر من العام 1987، كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة تقريبًا، بمقر الإدارة العامة لصندوق الضمان الاجتماعي بشارع البلدية بمدينة طرابلس، وفي قاعة الاجتماعات التي بجوار مكتبي عندما كنت آنذاك المدير العام لصندوق الضمان الاجتماعي، كان هناك اجتماع يضم مدراء الإدارات بالصندوق وبعض المستشارين، وطلب الكلمة المستشار المرحوم أحمد المريمي رحمه الله، وأثناء حديثه أحسست بألم قوي في صدري يشبه من أكل لقمة من طعام ولم يتمكن من بلعها ووقفت في حلقه، ورغم ازدياد حدة الألم إلا أنني لم أرض بأن أقاطع حديث الأستاذ المريمي، فتحملت حتى أنهي حديثه ورفعت الجلسة ودخلت مكتبي بسرعة، وكنت وقتها مدخنا محترفا، وفي أثناء حدوث الألم كنت قد قاربت على الانتهاء من علبة السجائر الأولى.

المهم كان معنا بالمؤسسة الطبيب الدكتور عبدالسلام الجنزوري، رئيس قسم خدمات المعاقين، فطلبته وشرحت له ما أشعر به، فأجابني بأسباب وأعراض ما حدث لك كثيرة ولكن دعنا نهتم أولاً بالقلب وذهبنا سويا إلى مركز تاجورة لأمراض القلب. وأمر الدكتور محمد دبوبه والدكتور علي عليوه.. بارك الله فيهما، بإدخالي فورا لغرفة العناية المركزة؛ لأن تشخيصهم لما حدث لي ذبحة صدرية، وحسب تقديرهم فإن مثل هذا النوع يرجع مرة أخرى في بعض الأحيان خلال ثلاثة أسابيع. وكان القرار أن ابقي هذه الأسابيع في العناية، وبطبيعة الحال امتثلت للأمر غير أنه من الجدير بالاهتمام أن أقول أني قلت لزوجتي عندما زارتني: كل ما يوجد في بيتنا من مخزون للسجائر والولاعات وغيرها، ارميه وأعدميه، ومنذ 12 سبتمبر من العام 1987 وحتى هذه اللحظة توقفت عن التدخين نهائيا.

وكان لي معارف وأصدقاء كثر من عملي بالرياضة والضمان الاجتماعي وكذلك مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وهذه الأعداد كلها سمعت بوعكتي الصحية، ومعظمهم جاء لزيارتي، ما تسبب في مشكلة للمستشفى وإدارته، فغرفة العناية الفائقة أو المركزة ممنوع فيها الزيارة، والأعداد كثيرة، أمام هذا الموضوع جاءني أحد مسؤلي المستشفى - لا أتذكر اسمه - واقترح عليّ الآتي: هناك غرفة صغيرة كانت حماما ودورة مياه تفتح على العناية المركزة، ولها باب على الممر وقام المركز بإزالة المرحاض والحمام ورصفوا الأرضية استعدادا لتحويلها إلى مخزن خاص بقسم العناية، واقترح بأن يتم نقل سريري مع الجهاز الذي أنا عليه إلى هذه الغرفة، بالتالي يستطيع الزوار أن يزوروني دون الدخول إلى غرفة  العناية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فأنا موجود بغرفة العناية  للحصول على الخدمة الطبية الضرورية لمثل حالتي. وبطبيعة الحال قبلت وشكرتهم، وقد تم ذلك، ((وسأعود لهذه الحادثة فيما بعد)).

وبعد أسبوعين، وفي حوالي الساعة الثانية صباحا، صحوت فجأة، وشعرت براحة وكأني نمت ساعات طويلة، فأخذت كتابا أقرأ فيه، وفجأة شعرت بالألم يعاود من جديد، ولكن في هذه المرة كان قويًّا، ودخلت في غيبوبة أفيق منها أحيانًا بسماع حديث الأطباء فقط، ولكني لا أرى شيئًا.

لم أفق إلا بعد عشر ساعات، وكان بجواري الدكتور دبوبة، الذي قال لي: "حمدًا لله على السلامة.. كانت جلطة قوية شوية في القلب، ولابد أنها أثرت في بعض الشرايين، وإحنا بلغنا بأنك لابد أن يتم إرسالك إلى الخارج لأن جهاز القسطرة لم ننته من تركيبه بعد، وقد تحتاج لعملية جراحية. وتمت الاجراءات ونقلت في سيارة إسعاف إلى الإسعاف الطائر الذي حملني إلى مدينة جنيف بسويسرا.

وصلنا إلى مطار جنيف وكان في استقبالي الأستاذ محمد المحجوب، الذي كان مديرا لصندوق الضمان الاجتماعي قبلي، والذي خلفته في هذا المنصب، وانتقل هو للعمل بمنظمة العمل الدولية في جنيف. أخذتني سيارة الإسعاف السويسرية إلى المستشفى الجامعي بجنيف، وفي الاستقبال كانت مشكلة المكتب الصحي الليبي الذي أرسل رسالة فقط للحجز ولكنه لم يرسل الضمان المالي وفي حالات القلب يقدرون الضمان المالي بـ20 ألف فرنك.

وطبعا كان الأستاذ محمد المحجوب إلى جانبي وأنا على النقالة في ممر المستشفى ومرت ساعة من الاتصالات، وكان الوقت مساء، ولا يوجد حل، وفجأة جاءني الأستاذ محمد ومعه رجل واضح من هيئته أنه سويسري، وقال لي: تم حل المشكلة، هذا الدكتور ويبر إخصائي وأستاذ كبير في جراحة العيون، وقد وجدني عند الاستقبال وأنا أعرفه منذ زمن، فأبلغته بالقصة، وكتب شيكا من حسابه الشخصي بـ20 ألف فرنك للاستقبال، فصافحته وشكرته وأدخلوني غرفة العناية الفائقة، وهنا جاءتني نوبة من الرعشة القوية دامت عشر دقاىق، ولكنهم سيطروا عليها، (طبعا بعد يومين جاء مندوب من المكتب الصحي وأودع الصك في خزينة المستشفى، وأحضروا رسالة شكر للدكتور السويسري وأرجعوا له صكه.

عـودة إلى مستشفى تاجورة وقصة الغرفة التي بجوار العناية المركزة علمت فيما بعد أن أحد الأطباء كتب تقريرًا نكاية في إدارة المستشفى أنه تم منحي جناحا خاصا أعد خصيصا لي بجوار العناية المركزة وكلفت لجنة للتحقيق في هذا الموضوع وحضرت للمستشفى وعند حضورهم كانت الغرفة تم استخدامها كمخزن ورأوا الوضع على الطبيعة، وبالصدفة كانت معهم بعض الصور التي التقطت لي وأنا في هذه الغرفة.. وأقفل المحضر!

وفي المستشفى الجامعي بجنيف بسويسرا قرروا أن أدخل إلى غرفة القسطرة التشخيصية وأبلغوني ان البرفسور ونتر وهو أول من عمل القسطرة في جنيف ويدرسها في كلية الطب بجامعة جنيف هو من سيجري لي القسطرة. وقام هذا الأستاذ الكبير المتخصص بالانتهاء من عملية القسطرة، وكان يوم جمعة، وفي غرفتي مساء قيل لي إن الجلطة أثرت في ثلاثة شرايين بالانسداد، وبالتالي ننتظر رأي البروفسور المعالج يوم الاثنين.

صباح يوم السبت عند وقوفي وجدت أن رجلي اليسرى التي تمت من خلالها عملية القسطرة ليست معي تماماـ فمسكت في الحائط وكان في الغرفة خمسة مرضى آخرين، جاء أحدهم لمساعدتي والعودة للسرير وبدأ ألم فضيع جدًّا، وحضر الطبيب المناوب، طبعا كان يوم سبت وثاني يوم هو الأحدـ والأطباء الكبار غير موجودين، فقيل لي: إنه أثناء القسطرة قام السيد الطبيب البروفسور بضرب عصب الرجل، واستمر الألم مع بعض المهدئات.

وفي يوم الاثنين، جاءني ثلاثة متخصصين في الأعصاب والقسطرة، وكانت وجهة النظر في البداية أن هناك دما متجمدا يضرب في العصب، وهو مسبب الألم، ويمكن إزالة ذلك بعملية جراحية، ولكن في مساء الاثنين جاءوا إليّ على أساس أن هذا الأمر سيأخذ وقتا وعلاجا طبيعيا قد يستغرق ثلاثة أشهر لتعود الرجل لوضعها الطبيعي، وسيكون ذلك على حسابهم وتحت إشرافهم نتيجة خطئهم، كما أنهم سيمنحونني العلاج اللازم للقلب حتى يتم إنهاء مشكلة الرجل.

وفي نهاية العام 1987، وبالتحديد في يوم 14 ديسمبر قابلت رئيس قسم جراحة القلب بجامعة جنيف البرفسور فيدوتـــي، وهو سويسري إيطالي، وقرر لي عملية قلب مفتوح لإصلاح الثلاث شرايين، فقلت له: موافق على أن تجريها لي أنت. فقال: ممكن شهر في مارس 1988. وشرحت له الموقف، وموضوع رجلي، ففكر قليلاً، ثم فاجأني قائلاً: من ملفك عرفت أنك مسئول الضمان الاجتماعي في ليبيا. فقلت نعم.

قال: أتعلم أن زميلك في الجمعية الدولية للضمان الاجتماعي السيد فردريك فرانسواز سأجري له جراحة قلب مفتوح يوم 24 ديسمبر، وهو يوم عيد الميلاد ويوم عطلة، ولكني سأحضر من أجلكما، سأجري لكما العملية في نفس اليوم، وسأبقي معكما يوم 24 ويوم 25 ثم آخذ تعويضا عن عملي في العيد، ولا أراكما إلا في 28 ديسمبر، فشكرته وقدرت له هذا الجميل الذي لن أنساه أبدًا. وأجرى الطبيب السويسري لي العملية، وقد من الله عليّ بالشفاء والحمد لله وعدت إلى أرض الوطن في يناير 1988.

في ختام هذه الرواية أقول: إن الإنسان المريض- بطبيعة الحال- عندما يطول به المرض يهتم بكل مواقف الناس المحيطة به وانشغالهم أو سؤالهم عليه من الذين يعمل معهم أو من الأصدقاء، والحمد لله رب العالمين كان كل الناس البسطاء الذين أعرفهم ويعرفونني على تواصل معي ومع أسرتي؛ ولكن عليّ أن أقول وبوضوح: حز في نفسي كثيرًا أنني كنت وزيرًا للرياضة ومديرًا للضمان الاجتماعي بدرجة وزير ولم تكلف قيادة البلاد نفسها بتكليف أحد حتى من بدالة التليفون للاتصال بي والسؤال عني، إلا باقة ورد أرسلت من مكتب المرحوم مصطفى الخروبي لمعرفة أسرية بزوجته رحمه الله.

ولا أنسى موقف الأستاذ المهندس جادالله عزوز الطلحي، والأستاذ المرحوم إبراهيم بكار، والمهندس المرحوم محمد المنقوش، الذي حضر إلى جنيف في يوم إجراء العملية، وزارني المهندس جادالله في المستشفى، أما الأستاذ إبراهيم بكار فلم يترك أسبوعا طيلة فترة غيابي من الاتصال بالأسرة والاطمئنان عليها. لا أعرف لماذا راودني الشعور، بأن أكتب لكم هذه الرواية في ذكرى مرور ثلاثين عاما عليها، والحمد لله لازلت ممتنعا عن التدخين. أدعو الله ألا يصيب أحدكم مكروها وأن يحفظكم جميعا.

إبراهيم قويدر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
ريم... | 16/01/2017 على الساعة 01:27
طهورا انشالله.
ارجو من الله ان يديم عليك العفو والعافيةويمتعك بالصحة وطول العمر.
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع