مقالات

إبراهيم عثمونه

على هامش الاختطاف

أرشيف الكاتب
2017/01/06 على الساعة 03:17

في الباص التي نقلتنا من مكان التفتيش إلى سرداق كبير عال وبارد جداً لفتني شخص جنوبي ساخط على كل شيء حوله. كان في داخله رغبة قوية للهدم وليس للبناء، فشعرتُ من الوهلة الأولى أنه يشبهني في اشياء كثيرة، حتى ردوده ومداخلاته كانت أحياناً سريعة وقاطعة. في حين بدا لي الرجل أنه أكثر إطلاعاً مني وأكثر سفراً وتنقلاً بين عواصم العالم. وحين وصلنا وانتشرنا في المكان الواسع البارد والذي أظنه على طرف المطار، وحين تشكلنا في حلقات تلتف حول بعضها كما لو أنها تلتف حلول منقل نار وجدته في الحلقة التي أنا فيها. ما يميز هذا الشخص أنه لا يفتح مواضيع للنقاش لكنه حين يتدخل تكون مداخلاته ملفتة وطريفة رغم فجاجتها أحياناً.

كان طقم من المالطيين يتحرك بيننا ويوزع علينا أطعمة وأغطية عن البرد أو يدلنا على أشياء لا نعرفها، في حين بدا هذا الشخص الذي احدثكم عنه (والذي للأسف لم أساله عن أسمه) أكثرنا تحضراً في تعامله مع مالطا، وأكثرنا خفة ونشاطاً حين يجمع فضلاتنا التي نلقياها على ارضية المكان. وفي مكان ما من حديث تلك الليلة الساقعة سألتُ المجموعة عن حالنا نحن العرب، أما من أمل أن يُصبح معه البشر في جنوب المتوسط كشماله؟!

كان الظرف الذي نمر به في حينها يستوجب سؤال كهذا. إذ ماذا لو كان ركاب الطيارة المختطفين من النمسا أو اليابان أو سنغافورا أو من كندا؟ فهل كان تصرف السلطات المالطية معهم سيكون بذات الشكل الذي تعاملوا به مع طيارتنا؟! أنا شخصياً كنتُ على يقين أن مالطا كانت ستتعامل مع أي طيارة أخرى على نحو آخر، وحتى على يقين أن ركاب تلك الطيارة الأخرى سيكون بشكل آخر.

سألتُ هذا السؤال ونحن نحك كفوفنا مرة بعد مرة لنصنع دفئاً من الكف البارد أو نصنع دفئاً في الكف البارد، وأعدت السؤال عليهم بشكل آخر وهو هل سيأتي اليوم الذي نغدو فيه نحن العرب المسلمين شعباً يحترم نفسه ويحترمنا الآخرون؟ّ! لم يتأخر جوابه حين قاطعني ليقول لي وهو يضع يده على ركبتي القريبة منه أنه لا أمل في العرب المسلمين يا صاحبي لا أمل!! لم أفاجأ برده السريع والقاطع، فهو منذ أول كلمة سمعتها منه في الباص كان ينطق بهذا النوع من الردود الساخطة والمتشائمة. وأيضاً لم أسكت أنا حين وضعتُ يدي على ركبته وسألته لماذا يا رجل لماذا هذا التشاؤم ؟! نظر لي نظرة بدت لي كما لو أنه يتعقب أملاً بعيداً جداً ليقول بعدها أنه ثمة أمل وحيد فيهم. لا أنكر لحظتها أنني امتلأتُ شغفاً وفضولاً لمعرفة حدود هذا الأمل وشكله ونوعه وحتى حجمه وإمكانية تحقيقه، لأعرف منه أن هذا الأمل هو المستحيل بعينه.

أنكرَ الجميع عليه هذا اليأس وهذا السخط وهذا التشاؤم على أمة جعلها الله "خير أمة". ولم أتدخل انا بشيء رغم تحفظي على عبارة (خير أمة) إن كان الله يعني "الخير" في هؤلاء الموجودين الآن من المحيط إلى الخليج أم أن الله عنى بكلامه قيمة أخلاقية كانت يوماً موجودة بين المحيط والخليج واليوم ذهبت إلى مكان آخر. فالله في تصوري لا يُكرم الأقوام والسلالات، ولا يرفع اقواماً على أقوام أخرى (حتى لو كانت سلالة رسول الله) لكنه يرفع منظومة قيمية على منظومة أخرى، ومتى ما ذهبت هذه القيم ذهب معها التكريم والرفعة إلى أمة تكون هي "خير أمة".

كنتُ أنوي أن اقول هذا الكلام للجالسين معي لكنني آثرت الصمت والاستماع لهذا المتشائم والساخط على العرب. فرغم تشاؤم صاحبنا إلا أنه يُعبر عن بقايا أخلاق ذهبت. عرفنا منه أن الأمل الوحيد الذي كان يتعقبه فينا هو أن يخلق الله كرة أرضية أخرى تسبح هناك في أقصى الكون، ويخلق على هذه الكرة أمماً وبشراً آخرين، ومن بين هؤلاء البشر يخلق عرباً مسلمين آخرين، أما هؤلاء الموجودين اليوم بين المحيط والخليج لا أمل فيهم.

نهض بعضاً ممن كانوا بيننا وذهبوا عنا... واحتج البقية حين أخبروه أن الله لن يخلق كرة ارضية أخرى كما تتصور يا رجل، ثم حتى لو خلق كرة ارضية أخرى فقد لا يخلق عليها نفس الأمم التي سبق وخلقها فوق هذه الكرة التي نعيش عليها اليوم. وحين علا صوت حديثنا جاءنا اثنين من المجموعة القريبة منا وسألونا لما كل هذا الضج ؟! فأخبرناهم أن هذا الرجل يرى أنه لا أمل إلا إذا خلق الله كرة ارضية اخرى هناك في أقصى الكون، وخلق فيها عرب آخرين غير هؤلاء الموجودين من موريتانيا إلى الكويت. تراجع الاثنين خطوات للوراء ثم ما لبث أن انفضت كل المجموعة وتفرقت واحد بعد آخر ولم يبق أحد جالس مع هذا الساخط على العرب سواي.

إبراهيم عثمونه

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع