مقالات

إبراهيم عثمونه

ما حدث يوم أمس

أرشيف الكاتب
2016/12/25 على الساعة 16:33

سوف أوجز اليوم، وقد أكتب لاحقاً عما حدث حين رفع الستار الذي يفصل الدرجة الأولى عن الدرجة الثانية (ذلك الشاب الذي يظهر في الصورة) واقترب بوجهه منا وقال لنا إن الطائرة مخطوفة! كنت أجلس على المقعد 5B أي أول مقعد بعد الدرجة الأولى مباشرة، وكان على يميني يجلس استاذ سالم لعجيلي وعلى يساري أستاذ عبد الله بوعذبة. سمعتُ سالم يسأله:

- مخطوفة؟!
- نعم مخطوفة!

صمتنا برهة ثم بادر عبد الله يقول:

- أنت تمزح!!
- أقسم لا أمزح!
- ومَن خطفها؟
- شابين
- وماذا يريدون؟
- لا أعرف
- وكيف عرفت؟!
- كنتُ أجلس في المؤخرة حين سمعتُ حديثُ أحدهما وهو يهدد أحد افراد طقم الطائرة يتفجير هذا المركوب!!
- ومن أين هم؟
- لا أعرف
- ليبيون؟
- أظنهم كذلك.

قال ذلك وهو يشير إلى المؤخرة، وإلى حيثُ هم موجودين، ثم انتهى هذا الحديث العجول والصادم في ظرف ثواني وعاد ذلك الشاب الذي لا أعرفه إلى الوراء، وإلى ما وراء ستار الدرجة الأولى. كان يجلس في مؤخرة الطائرة حين سمع بعضاً مما دار من تهديد ووعيد، وسمع أيضاً أنهما يرغبان النزول في مطار روما، لكن يبدو أن وقود الطائرة لم يكن كافياً. لم يسأله أحد منا لماذا تركت الخلف وجئتُ وجلستُ في الدرجة الأولى، لكن لا أعرف لماذا تبادر إلى ذهني أن هذا الشاب فكر بعمق وفضل أن يموت وهو على مقعد من مقاعد الدرجة الأولى. أعرف أن هذا التفكير غير منطقي وحتى في غير وقته لكنني أرجعته إلى أن هذا النوع من التفكير يداهم أي خائف في اللحظات الأولى للخوف. كنا قبل دقيقتين أو ثلاثة قد سمعنا ميكرفون الطيارة يقول أن قائد الطائرة يقول لنا أنه غيَّر مساره من طرابلس إلى مالطا نظراً لسوء الأحوال الجوية. ضحكنا ولم يرد على بالنا أن العمل هو عمل إرهابي (أو ربما ليس إرهابياً) فأنا لا أنكر أنني بعد حوالي خمس دقائق وجدتُ نفسي متعاطفاً معهم ضد نفسي التي كانت مخطوفة ومهددة بالتفجير والموت!!

حين أشار لنا الشاب بيده إلى مؤخرة الطيارة وهو يؤكد اختطافها التفتتُ إلى الخلف لأرى شخصاً اسمر يقف في العتمة، لم أتبين ملامحه جيداً لكنه طويل نحيف مثل أخي الذي اختطف يوماً طائرة. كان يضع على عينيه نظارة. بعد دقائق عاودتُ النظر إليه من جديد في حين سمعتُ الشخص الذي يجلس خلفي يقول لصاحبه:

- هل صحيح إن من بيننا فريق من أدباء ومبدعين الجنوب؟

- سمعتُ شيئاً كهذا، ولاحظتُ ونحن نقطع تذاكر الصعود في المطار مجموعة تأخذ تذاكرها جملة وفي مرة واحدة كما لو انها فريق

- وهل صحيح إن عددهم يتعدى العشرين؟

- أظنهم كذلك، لأنهم حين صعدوا بدوا لي كما لو أنهم فريق لكرة قدم يصعد إلى طائرة سكت لأقل من دقيقة، كنتُ أنا حينها ما زلتُ أنظر إلى ذلك التباوي في المؤخرة. أظنه تباوي، حتى أنفه وخطوط وجهه تبدو تباوية. وما زلتُ أدقق في ملامحه لحظة سمعتُ الذي خلفي يتندر بوجودنا بينهم ويقول لصاحبه

- أخشى أن يكون فريق هؤلاء الأدباء ندير شؤم علينا

- كيف؟!

- أخشى أن يستدعي وجودهم بيننا واقعة الفريق البرازيلي الذي وقع من الجو وتناثرت أشلاءه قبل شهر أرعبتني صورة الأشلاء البرازيلية، لكن وجه ذلك التباوي الذي يقف في العتمة لم يكن وجهاً قاسياً، كان رغم الإرهاب ورغم النظارات الداكنة على وجهه، إلا أن إنساناً نحيفاً طويلاً مثل أخي "محمد" يقف في داخله. كان عمره كعمر محمد يوم كان شاباً.

بعد ربع ساعة نهضتُ من كرسيَّ وخرجت لأقف في الممر في حين طالبني المضيف بأن أعود إلى مكاني. لم اعد. كان حينها الخبر قد تسرب وانتشر وبدت الوجوه تعكس صورة ما قد يحدث لنا بعد قليل. لا أحد في البداية ظنَّ خيراً لكن امرأة عجوزاً كان وجودها في الطائرة أشبه بالكائن الأسطوري. بدت لي كما لو أن الله بعثها لتشد من عزم النساء وحتى الرجال في الطيارة. وقفت من مقعدها ولفت حولها جسدها رداء "المور" الحني وصارت تمشي على عكازها في الممر وتقترب وتبث في النساء عزماً فاق بعد ذلك عزم الرجال. لم أعرف تلك العجوز مَن هي، وكنتُ أنوي أن أتعرف عليها، لم تتح لي الفرصة، كنتُ أراقبها وأتفرس في وجهها الذي شاهد من الحياة أكثر من ثمانين عام. وساعة زارنا السفير في مكان احتجازنا بـ مالطا أشرتُ له عليها ثم شاهدته يقف ويأخذ صورة معها. صارت النساء في الطيارة هن الشيء اللافت. كانت العجوز، بردائها الموري الملفوف بشكل عشوائي حول صدرها ورأسها وخصرها وبقية جسدها، تتحرك وتقترب من كل امرأة وتقول لها شيئاً ثم تنتقل لامرأة، بدت لي كما لو أنها تخشى مشهد امرأة تخرّ وتقع في الممر ورجل يأخذ ويرش الماء على وجهها. استبقت الحدث حتى لا تقع النساء في الممر وحتى لا يرش الرجال على النساء الماء. كان شيئاً غاية في العظمة وهي تحرضهن على التماسك. بدت لي كما لو انها تقول لهن أنتن مَن أنجب الرجال وليس العكس. ما أعظم هذه العجوز.

تمت (قد أكتب يوماً ما عن هذه الطيارة ما هو أكبر من هذه الحكاية).

إبراهيم عثمونه

 



لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع