مقالات

د. جمعة أحمد عتيقة

ظاهرة العنف الرمزي في المجتمع الليبي

أرشيف الكاتب
2016/12/24 على الساعة 18:14

يعتمد سياق هذه المحاضرة في مجمله على إعمال أدوات الرصد والتأمل ولا يعمد الى إستخدام منهجاً (إمبريقياً) أو نهجاً أكاديمياً خالصاً… فنحن أمام موضوع صار يستحق منا وقفة تأملية راصدة بعد أن تنامت حدوده وتفاقمت نتائجه حتى صار يشكل (ظاهرة) بالتوصيف المنهجي لعلم الإجتماع مكتسباً خصائصها وفاتحاً السبيل أمام تناميها… تلك هي ظاهرة (العنف الرمزي في المجتمع الليبي)... وقبل أن نحدد مفهوم هذا المصطلح وإشاراته الدالة نرى لزاماً علينا أن نبدأ بضبطه لغوياً... فمادة (ع.ن.ف)1 قد تفصح عن مدلول يخدم أغراض هذا البحث.. (فالعنف بالضم ضد الرفق والتعنيف هو التعيير واللوم).

بهذا التحديد الغوي قد نستطيع أن نجد للموضوع مدخلاً نقرر به أن الأصل في العنف أن يكون رمزياً متجهاً نحو جرح المشاعر (وتعيير الآخر) وأن هذا المفهوم الذي انحسر شيئاً فشيئاً أمام مفهوم العنف الجسدي حتى اصبح يحتل زاوية صغيرة كثيراً ما يتم تجاهلها أوالقفز عليها.. هو في الحقيقة منبت العنف الجسدي ومصدره وجذره المتجذر... كما أن الإستعانة بمضامين الإتفاقيات التي اقرها المنتظم الدولي لمناهضة ظاهرة العنف يؤكد ذلك، فإتفاقية مناهضة التعذيب الصادرة في 10 ديسمبر 1984 قد أضافت الى ظاهرة التعذيب التي تمثل ذروة العنف المادي (غيره من ضروب "المعاملة" القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية، وفي ذلك تأكيد على أن  "العنف الرمزي يضاهي العنف المادي").. وهو يسبقه أو يلحقه أو يكون مصاحباً له.

العنف الرمزي:

ما نقصده هنا بالعنف الرمزي هو ذلك الشكل من العنف الذي لا يأخذ مظهر الإعتداء المادي الذي يلحق بجسد الممارس عليه وإن كان لا يقلّ أثراً أو ضرراً عن هذا الأخير ونظراً لما يحدثه من (أذى نفسي 2 بليغ جراء العدوان على الكرامة والحرمات الإنسانية والإستعمال الشنيع للأغاليط والمزاعم وما قد يرافق ذلك من قدح ودمغ وسواهما). إن هذا النوع من العنف اللفظي يتجه نحوذات الأخر وكينونته البشرية هادفاً الى تدمير بنيتها وتهديم تماسكها وتمزيق أوصالها. (إنه يقوم على اغتصاب الشخصية وتحطيم مكوناتها النفسية وتدمير تماسكها وضرب توازنها) وإذا خرجنا من دائرة التوصيف والتأطير الى حيز التأمل والرصد فإننا دون كبير عناء سوف نلحظ تنامي هذا العنف الرمزي في مجتمعنا الليبي حتى صار الأمر يقتحم تخوم (الظاهرة) كما أشرنا.


أولاً: التجليات والأسباب الإجتماعية لظاهرة العنف الرمزي

درجنا ردحاً من الزمان على وصف مجتمعنا الليبي على أنه مجتمع بسيط طيب وصرفنا كثيراً من الوقت في استدعاء قيم ماضوية والتغنّي بشيم وخصال صارت من مقتنيات متاحف التاريخ!... نحاول بها تسكين مواجعنا وإسكات هواجسنا نحوما اعترى مجتمعنا من تحوّل وتبدّل دون إعمال أدوات البحث والتحليل للوصول الى تشخيص الواقع ومواجهته بكل شجاعة وموضوعية.

إن ايقاع حياتنا اليومي يقذف بنا أمام مشاهد مؤلمة مفجعة... فمن منا لا يتعرض يومياً الى شكل من أشكال العنف الرمزي.. فوراء مقود سيارتك وربما بصحبة اسرتك وأطفالك ولأسباب لا دخل لإرادتك فيها سوف تصافح مسامعك مفردات السب والبذاءة والإهانة... وإذا قادك سوء الطالع الى إحدى مناطق الإكتظاظ لقضاء بعض من حوائجك فالأمر قد يتعدى العنف الرمزي ليصل الى تخوم الإعتداء الجسدي... وإذا ولجت إدارة من إدارات الدولة فلن يقف الأمر عند حدود التجهم واللامبالاة التي يقابلك بها الموظف المكلف بخدمتك.. فلوحاولت أن تشرح أوتفسر أوتوضح فلا أقل من كلمة أوإيماءة تعبر عن إستياء قد يتطور الى شكل أعنف ان لم تقدك حكمتك الى الإنصراف.

وإذا عمدت الى أفراحنا ومرابع بهجتنا فلن يخلوالأمر من إشتباك لفظي قد يتطور الى عراك جسدي قاتل يتم بمجانية لا مبرر لها أما عن التحرش الجنسي والعنف الرمزي في إطاره فحدث ولا حرج حتى صار (للغزل) في شوارعنا مفردات لوسمعها نزار قباني أوعمر بن ربيعة لحمدوا الله على مغادرة هذه الدنيا!!!... بإختصار وإجمال يمكننا أن نقرر بـأن الإنفعال والتوتر وحالة (العصاب العام) صارت تكتسح بشكل داهم كل مساحات ومناحي حياتنا ولعلي هنا على يقين بأن كل منكم يستدعي الان كثيراً من المظاهر والتجليات لظاهرة العنف الرمزي وإن تداعيات الذاكرة لديكم سوف تكفيني مؤونة إيراد المزيد من الأدلة والشواهد... وهنا يصبح حتماً مقضياً علينا أن نقارب الأسباب الرئيسية وراء هذه الظاهرة في تمظهرها الإجتماعي.

يقول المفكر المصري المعروف جمال حمدان3 في مقدمة كتابه الشهير (شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان) من الواضح الى الحد البديهي أن دراسة الشخصية الإقليمية لا تقتصر على الحاضر وإنما هي تترامى بعيداً عبر الماضي وخلال التاريخ (فالبيئة قد تكون خرساء ولكنها تنطق من خلال الإنسان ولربما كانت الجغرافيا أحياناً صماء ولكن ما أكثر ما كان للتاريخ لسانها)... إن هذا الإقتباس المختزل يسلط الضوء على أهمية معرفة خصائص الشخصية الخاصة باي مجتمع من المجتمعات من خلال وقائع تاريخه وخصائص جغرافيته. هذه الشخصية التي تعطي لكل مجتمع ما يتفرد به ويشكل خريطة ومعالم شخصيته الإجتماعية.

فبلادنا من حيث التاريخ كانت (جغرافياً) مسرحاً لأحداث صنعتها عناصر (بشرية) وافدة مكنتها قوتها وسطوتها من (احتلال) مواقع منتقاة ومختارة تساعدها على تنفيذ أغراضها ((الإحتلالية)) بينما انسحب المكوّن السكاني المحلي الى عمق الصحراء وأطرافها.. وهذه الصحراء مترامية الأطراف التي شكلت حاضنة للأمان والتحصن من عاديات الوافدين غير أنها ولاعتبار يتعلق بالجغرافيا ايضاً شكلت في ذات الوقت محيطاً يدفع الى الحذر واليقظة واحتساب اخطار الأحداث.. ولا شك أن إنسان هذه البيئة سوف يكتسب جملة من خصائصها فإلى جانب الشجاعة واختيار المواجهة مع الطبيعة واحتمالات الخطر.. نجد التوجس واقتفاء الأثر بحثاً عن السلامة مما يتطلب درجة عالية من اليقظة والإنتباه والحذر من الأخر.. والى جانب الذكاء الفطري والصفاء الذهني وفراسة الرصد.. نجد تمترساً بحصون (العصبية الجمعية) التي تشكل أسواراً للحماية حسب المفهوم الخلدوني المعروف... كل ذلك يشكل حسب حمدان 4 ما يعرف بالجغرافيا الحية والتي تعني (جغرافيا الحياة) بالدقة، اي بمعنى الجغرافيا الحيوية اليومية (everyday life Geography).. تلك التي اذا عرفتها عرفت كل شيء من نمط وطبيعة وظروف وقوانين الحياة في هذا المكان اوذاك.

وحتى لا يأخذنا الاستطراد النظري بعيداً عن موضوعنا وهوتأمل ورصد ظاهرة العنف الرمزي في المجتمع الليبي ومعرفة بعض الأسباب الكامنة ورائها فإننا نبادر الى القول بأن هذه الأسباب التي نوردها لا تغفل ما اشرنا اليه من اثر للبيئة والجغرافيا إلا انها تحاول لضرورات البحث أن تؤشر وتحدد وتشخص وتتأمل... بصورة مباشرة أسباب هذه الظاهرة.. ولعل من أهم الأسباب:

الخلل الإجتماعي:

يعرف معجم العلوم الإجتماعية 5 معني الخلل الإجتماعي بأنه  {ما يصيب المجتمع من مظاهر القلق والإضطراب والتناقض في العلاقات الإجتماعية بين أعضائه سواء أكان مجتمعاً صغيراً كالأسرة أو المجتمع الكبير، وتنجم هذه الظاهرة عن تقدم بعض وحدات هذا المجتمع وتخلف بعضها الاخر ثقافياً او اقتصادياً او اجتماعياً فهي تمثل الصراع بين القديم والجديد}.

ولا شك ان وقوفنا امام هذا التعريف العام سوف يجعلنا نقرر ان هذا الخلل الإجتماعي الذي يحدث لاسباب وتراكمات ظاهرية وخفيّة سوف يؤدي الى اقرار قيم وسلوكيات غير متوازنة فلا يمكن ان يخلق الخلل توازناً.. ومن هنا تصاب المجتمعات ومنها المجتمع الليبي بدوار الاختلال وعدم الاتزان امام قيم منسحبة متوارية رغم إدعائنا بوجودها وقيم جديدة لم تفرزها ظروف موضوعية ناضجة وهذا بدوره يخلق حالة تعرف (بتخلف السلوك الإجتماعي 6) وهو سلوك غالباً غير منطقي يتسم بالازدواجية في كل شيء، فالإنسان يفعل غير ما يقول... يؤمن بالعدالة ويمارس ابشع انواع الظلم كما ان تخلف السلوك الإجتماعي يجعل الإنسان يبدو غريباً في أطواره ومسلكه اليومي فهو حضري احيانا وبدوي ريفي احيانا اخرى، تقليدي حتى النخاع ينقلب فجأة الى تقدمي يلهث وراء كل جديد... كل ذلك خلق واقعاً مليئاً بالإنفصامية والأزمات النفسية واضطرابات التكيف والعراك مع الذات الأمر الذي ينعكس اثره في علاقاته بالاخر ليبرز العنف الرمزي كأحد تجليات هذا الواقع المأزوم وكأداة للتعبير عنه.

اختلال مناهج التعليم:

ان المتتبع لمسيرة وبرامج التعليم عندنا... رغم محاولات الفكاك والتطوير يجد أنها لم تخرج عن إطار القاعدة المعرفية التي وضعها المفتش الإنجليزي (دانلوب) في مصر أواخر القرن التاسع عشر والتي تعتمد التلقين والتدجين لهدف تخريج كوادر من الموظفين والكتبة لخدمة اهداف الإحتلال الإنجليزي... فلم تنجب هذه المناهج عقلاً نقدياً فاحصاً يهدف الى الإبداع والإبتكار بدلاً من التقليد والمحاكاة، كما ان اهتمام مناهجنا بامور (التربية الجمالية) 7 يكاد لا يذكر وعن التربية الجمالية يقول الأستاذ عادل ابوزهرة في بحثه القيّم التربية الجمالية حق من حقوق الإنسان - ما نصّه "ان المهمة الأولى للتربية الجمالية هي ايقاظ شعور الإنسان بالقيم الجمالية في الطبيعة وفي الفنون وهذا يساعد الإنسان على ان يكون اقدر على تذوق ما هو رفيع وقيم وجميل في الحياة وفي الفنون كما أن التربية الجمالية تساعد الإنسان على التأمل وعلى تنمية قدرته على التعجب والإندهاش والتعاطف - كما تساعده على ان يكون اكثر حساسية واكثر رقة وارهف شعوراً واكثر تعاطفاً مع قيم الحق والخير والعدل والجمال.." فهل تلقى هذه المادة اهتماماً في مؤسساتنا التعليمية... وهل وجد احدكم في مدارسنا اهتماماً بحصص الموسيقى والرسم والبستنة.. وهل توجد بمدارسنا معارض فنية أومسابقات جمالية كتنسيق الزهور وتربية الحيوانات!.. وهل هناك ارتحال الى الطبيعة بقصد التأمل وتنمية ملكة الإستكشاف لدى الأطفال، وهل سمعتم في مدارسنا بمن يهتم بتدريس مادة "الذوق العام" واخلاقيات التعامل وأصول المعاملات.

إن اقصى ما يمكن ان نجده في مدارسنا لا يعدو اهتماماً مبتوراً بما اصطلحنا على تسمية ب "التربية العقائدية" والتي تتم على ايدي اناس لا يهدفون الى ترسيخ قيم المواطنة الحقة بقدر ما يهدفون الى الشحن العقائدي لتمتلئ عقول الصغر الغضة بشعارات وعناوين كبرى يرددونها وسط اعجاب وحماس معلميهم ليقف الأمر عند تخوم الحناجر دون أن ينفذ الى رحاب العقل. كل ذلك سوف يفضي الى خلق شخصيات لا تتوافر على مساحة من المرونة  وقدرة على التعاطي مع ما سيواجههم في قادم الأيام من قضايا ومعضلات حياتية مركبة.. مما يبرز لديهم الميل (للعنف الرمزي) كمؤشر على الفشل والإحباط وعدم القدرة على فك معادلات الحياة المطلسمة.

الطفرة النفطية:

إن للطفرة النفطية وجهان وأثران متلازمان أحدهما على المستوى الإجتماعي وهوما يهمنا هنا والأخر على المستوى الإقتصادي.. فأثر النفط على المتغيرات الإجتماعية قد تم بصورة اتسمت بوتيرة سريعة وهاجمة. فذلك المجتمع البسيط الفقير والمتكاتف في وجه عاديات الزمان وشظف العيش وجد نفسه أمام واقع جديد أثر على إيقاع حياته ونمط سلوكه.. فالتكاتف والإرتباط والتعاضد الذي كان مصدره حاجة الجميع للجميع... في معاشهم وقوت يومهم وحل معضلاتهم... حل محلّه نزوع نحو فك الإرتباط والتمترس وراء الذات... والإكتفاء بالسعي المحموم نحوالكسب والتربح مما خلق شعوراً  لدى الفرد بأن من يعيش في محيطه هو منافس وليس معاون، خصم احياناً وليس عضد وهو ما انعكس على علاقات الناس واحلّ ظاهرة "العنف الرمزي" محلّ قيم التسامح وقبول الآخر.. وصار شعار الجميع {انا ومن بعدي الطوفان}… وصار اللهث المشروع وغير المشروع وراء المال والثراء هوسيد الموقف وصارت الإنتهازية والوصولية موقفاً ((ذرائعياً مبرراً)).

بعد أن إستعرضنا باختصار وتركيز تجلّيات "ظاهرة  العنف الرمزي" في جانبها الإجتماعي، فإننا نصل الى تجلياتها في الجانب السياسي.

ثانياً: التجليّات والأسباب للعنف الرمزي في المجال السياسي

إحتجاب العقل النقدي... وغياب الحوار:

قد لا نضيف شيئاً اذا قلنا بأن من أبرز سمات المجتمعات المتخلفة انحسار مساحة (العقل النقدي) الخلّاق الذي لا يسلّم ولا يستسلم للسائدة بصورة انقيادية ترد يديه... هذا العقل الذي يؤدي غيابه الى هيمنة الصوت الواحد وزيادة النسخ المستنسخة وشيوع الإنقياد اللاواعي... ونحن في ليبيا نعاني من انسحاب واحتجاب الذهنية النقدية في مواجهة ذهنية التلقين والتحريم والتدجين... مما يدفع الفرد الى ايثار (السلامة) باتباع سبيل التقليد والإتباع والعزوف عن اعمال مكنة العقل وحيوية الفكر.. ولا شك أن ذلك يتجلى في اوضح صورة  اذا ما تعلق الأمر بالمحرم التقليدي في الدين والسياسة فهو في الدين محكوم بما تمليه عليه مؤسسة الفتوى وفي السياسة بما تفرضه مؤسسة الحكم... ولعل منشأ هذه الإستقالة العقلية يرجع الى عامل مركزي  هو غياب الحوار... فالحوار غائب في الأسرة المحكومة بتراتبية (بطرياركية) مغلقة... تطمس الشخصية وتغتصبها لمصلحة التقليد والخضوع وإن حاول أحد التمرد أوالنقد فسيطرد وينبذ من دائرة الإجتماعي السائد مذموماً مدحوراً... وهو غائب على مستوى المدرسة والمؤسسات التربوية وقد أشرنا الى ما يعتري مناهجنا التعليمية من خلل واختلال.. وعلى مستوى الفكر والسياسة نجده محاصراً بدوغمائية حادة وخطوط حمراء صاعقة دونما انتباه الى انه في "عالم الواقع 8  ليست هناك نظرية واحدة اياً كان مصدرها دينياً اووضعياً يمكن ان تطبق بصورة نقية خالية من الشوائب والأخطاء".

ولا شك ان الآثار السلبية لذلك سوف تنعكس على مفردات الواقع حيث ينحسر التسامح وتضيق مساحة الإعتراف بالآخر وتشتد حدّة الإحتقان والتوتر النفسي وتعلووتيرة الإنفعال  وردود الأفعال العنيفة ـ التي تجتاح حياة الناس وعلاقاتهم … فكم منّا لم تكن ردود فعله ومنشأ تصرفاته وطرائق إسهامه في الشأن العام غير مدفوعة  بما يعتمل في داخله من شحنات التوتر والعصبية المحاصرة بدوائر السلب وعدم القدرة على تحقيق الذات بصورة طبيعية تنموفي ظل الحوار البناء والعلاقات التبادلية المتحضرة.

منهجية الحوار:

ولعلي أجدها هنا مناسبة ونحن نتحدث عن طرائق وشرائط الحوار أن أورد إقتباساً مهماً لأحد أبرز علماء الإجتماع السياسي العرب والذي يحدد فيه الأسس الرئيسية التي يقوم عليها الحوار الوطني الشامل والهادف، يقول (السيد يسين) 9 ((أن أي حوار منتج وفعال لابد أن يعتمد على ثلاثة اسس رئيسية:

الأساس الأول: إن الغرض من الحوار أن يتم التوصل الى اتفاق من خلال المناقشة الجماعية النقدية... ومن خلال طرح البدائل المختلفة لحلّ المشكلات المعروضة للوصول الى حلول أقرب ما تكون الى الصحة.

الأساس الثاني: هوالثقة التي ينبغي أن تتوافر بين أطراف الحوار ويمكن القول إن اجتماع الأطراف في حدّ ذاته للمناقشة الجماعية يمكن أن يولد شعوراً متبادلاً بالثقة... لأنه يعني أن كل المشكلات قابلة للنقاش ومهما كان الشعور المتبادل بالثقة ضعيفاً في البداية إلّا انه ينبغي الحفاظ عليه وإلّا تفرق الناس بدداً وتعرضت العلاقات فيما بينهم الى الفوضى... هذه الثقة مطلوبة لانها هي أساس تجدد الحوار واستمراره.

الأساس الثالث: هوضرورة ممارسة التفكير العقلاني باعتبار ان العقل هومحك الحكم على الأشياء وهذه الممارسة العقلية تفترض مجموعة من الشروط المسبقة لعلّ أهمها حق المتحاورين في العلم بالوقائع دون تحفظ وتوافر المعرفة الحقيقية بحقيقة صراع الآراء والمصالح لأنه في ضوء تحديد خريطة الصراع الفكري والتعرف الدقيق  على المصالح المتعارضة يمكن الكشف عن الإتفاق الممكن وراء واجهة الإختلافات التي قد تبدولأول وهلة أنه لا يمكن حلها..)).

هذه الأسس التي يرى سيد يسين أنها تشكل الأسس الرئيسة لقيام الحوار... يشكل غيابها أوانهيار احد أركانها مناخاً مناسباً يطلّ فيه علينا (العنف الرمزي) بوجهه القبيح ليشكل صورة متخلفة بديلة عن تحقيق الذات وتأكيد الدور الحضاري الفاعل.

بنوراما العنف الرمزي السياسي:

يتجلى العنف الرمزي في المجال السياسي في أجلى صوره وأوضح معانيه، فمن المعلوم لدى المتخصصين في العلوم السياسية أن قواعد الضبط والإحكام في العلاقات السياسية في أي مجتمع تقوم على مثلث توافقي يرتكز على عناصر ثلاث "المواطن.. القانون.. والسلطة". وإن أي خلل يعتري أضلاع هذا المثلث سوف يؤدي الى قيام حالة عرجاء في المجتمع تخلّ بالتوازن وقد تفضي الى براثن العنف بكافة أشكاله. فالمواطن هوالعنصر الأساسي واللاعب الرئيسي في هذه الثلاثية لأنه الوسيلة والغاية، إلا أن ادواته الفاعلة في مواجهة السلطة تعتبر ضعيفة وهشة قابلة للإعتداء والتجاوز.. بل وأحياناً يشكل هذا المواطن إغراء للسلطة في أن تقوم بإستعماله كأداة للتحشيد الشعبوي لخدمة أغراضه أوقمعه وإقصائه وإلغائه، وهنا يبرز القانون لا كعقد اجتماعي يرتبط عبره الفرد بالجماعة والجماعة بالفرد لاحترام الآخر بل كأحد ادوات العنف الرمزي والمادي الذي تستطيع من خلاله السلطة ان ترسخ تواجدها  ولوكان ذلك على حساب الفرد ورؤاه وتصوراته ومعتقداته الأيديولوجية... ومن خلال ((القانون))... وبهذا المفهوم المجير لخدمة السلطة تبرز ملامح (العنف الرمزي) في صورة قوانين مخالفة لقواعد الضبط التشريعي ومصادمة لمبادئ "اليقين" القانوني والقضائي... أوفي شكل أدبيات سياسية تجنح الى التخوين والإتهام وتحقير الخصم ورميه بكافة النعوت السلبية.

ولعلّ من يطالع كتابات بعض الرموز العقائدية في ليبيا والذين قد يتواجد بعضهم في هذه القاعة يلاحظ أن قاموساً ((عنيفاً)) يشرع صفحاته يقوم على اساس امتلاك الحقيقة واليقين المعرفي وصحة التوجه ورفض الإختلاف وتضييق الإجتهاد الذي وصل بأحدهم في الفترة الأخيرة على اثر ما دار من حوار وحراك وتفاعل  بسلبه وايجابه الى ان يلوح "باستخدام الكلاش كوف" ولا يخفى أن في هذا التلويح تجسيد لمعنى ((العنف الرمزي))  الذي يشلّ قدرات الآخر ويكبت مشاعره ويسدّ منافذ التعبير في وجهه ويدفعه الى الإحباط والتذمر الذي قد ينتج بدوره عنفاً رمزياً آخر قد يتخذ  مسارب ومنعرجات مدمرة للذات والموضوع.

إن العنف بكافة أشكاله قد يبدو مبرراً في فترات معينة - رغم أنني شخصياً لا أبرره - لإزالة معوقات البناء. غير أن العنف في حدّ ذاته لا يبني... فإذا كان مثلنا الشعبي الذي كثيراً ما استشهد به من يبرر العنف ((ما فيش طهارة من غير دم)) فهو قد يبرر نزول بعض قطرات الدم التي تمتصها حفنة الرمل التي يضعها الطهار تحت قدمي الصبي، أما أن تتحول هذه القطرات الى نزيف قد يودي بحياة الطفل فذلك ما تأباه سنن الفطرة ولا يمكن القبول به.

أيها الإخوة الأعزاء… أعترف أمامكم بأنني ارتقيت مرتقى صعباً وولجت موضوعاً لا يمكن ان تحيط به محاضرة وأنني لم أفلح في الإحاطة بكافة ظواهره ومظاهره وتجلياته فذلك ما يحتاج الى بحث مطوّل ومتخصص وربما أعطتني الأيام حضناً آمناً لأحاول القيام بذلك.. إلا أنني وكدأبي في كل محاضراتي السابقة... أراهن على ما يدور من حوار ونقاش وإضافة من جانبكم... أشكركم مجدداً وأسأل الله أن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق.

د. جمعة أحمد عتيقة

* القيت هذه المحاضرة يوم 14/9/2008بنقابة محامي طرابلس ضمن الموسم الثقافي .. وكانت نداء لتدارك الأمر والذي تحوّل اليوم الى عنف متوحش!!!

(1) انظر مختار الصحاح للإمام الرازي مكتبة لبنان ط19931 ص192
(2) انظر د. عبد الإله بالقزيز العنف والديموقراطية دار الكنوز الأدبية بيروت 2000 ص43.
(3) جمال حمدان شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان ص4.
(4) انظر جمال حمدان مرجع سابق ص17.
(5) انظر معجم العلوم الإجتماعية الهيئة العامة للكتاب 1975
(6) د. علي الحوات دراسات في التنمية الإجتماعية " قضايا وطموحات" مكتبة طرابلس العلمية العالمية 1994 ص156
(7) انظر عادل ابوزهرة "التربية الجمالية حق من حقوق الإنسان" مجلة رواق عربي عدد 8 (1997) صفحة 39
(8) د. السيد يسين الكونية - الأصولية وما بعد الحداثة المكتبة الأكاديمية 1999 - ص274
(9) انظر سيد يسين مصدر سابق ص 29.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
عيسى عبدالرحمن | 24/12/2016 على الساعة 19:52
تعليق حول منهجية الحوار 1
و"العدل" وهو غاية كل البشر والأساس الذي قام عليه الكون حيث إن الانحراف عنه يغرس الأحقاد ويثير أعاصير الكيد والانتقام.. والوفاء بالعهد وهو مبدأ عام فرضه الله على البشرية، و"المودة" وهذه أمر الله بها أن توصل بين البشر حيث إن الإخوة الإنسانية ثابتة يجب وصلها ولا يصح قطعها.
عيسى عبدالرحمن | 24/12/2016 على الساعة 19:50
تعليق حول منهجية الحوار
أحي الدكتور جمعة علي هذه المحاضرة القيمة ، تعليقي هنا عن منهجية الحوار وأود أن أشير لبحث أ.د عبدالرحمن الماحي عن "الحوار في ضوء المبادئ الأساسية للعلاقات البشرية" التي شرح فيها أسس الحوار الناجح وأورد سبعة أسس للحوار هي: موضوع الحوار والهدف منه، معرفة المتحاورين للموضوع وأبعاده وآفاقه، والجو المناسب والهادئ للحوار، والأسلوب العلمي للحوار، والاحترام المتبادل بين الأطراف المتحاورين، والثقة بشخصية المحاور الذي يدير الحوار أو الشخصيات المتحاورة، ونتيجة الحوار وما يترتب عليها من أعمال بشرية في معترك الحياة. وحدد الدكتور عبدالرحمن الماحي عشرة مبادئ "عالميّة" ينطلق منها الحوار.. هي التوحيد ووحدة الأصل البشري وتعاونه وكرامة الإنسان، وربطه بأنه مبدأ مشترك للدعوة والحوار بين المسلمين وغيرهم من البشر، والتسامح بين الأفراد والجماعات في غير استسلام للشر، ودفع العداوة بالتي هي أحسن، والحرية والمساحة الواسعة التي توفر جواً خالياً من الخوف، والفضيلة وهي من القيم العظيمة التي يجب أن تتحلى بها النفس البشرية في الحياة الاجتماعية حيث الفقه والحلم والتواضع والتسامح..
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع