مقالات

سالم الكبتي

والنيهوم مرة اْخرى: تهم كثيرة وانصاف اْقل (5)

أرشيف الكاتب
2016/12/09 على الساعة 11:15

النيهوم يتحدث فى ندوة الفكر الثورى. طرابلس 6 مايو 1970.

(يدندن والشمس تصغى. يقول
باْن المطر
سيهطل قبل انطواء الجناح
وقبل انتهاء السفر..
)

بدر شاكر السياب

فى ليبيا..بعد سبتمبر 1969 باْشهر. هدوء الى حد كبير. استقرت الامور (للثورة) التى صفق لها الشعب. التخفيف من حظر التجول ثم الغاؤه. الاعلان عن حركة موسى وادم التى فشلت. الاعلان عن شكل العلم الجديد.. احمر وابيض واسود. صدرت جريدة الثورة وكلف محمد عبدالرازق مناع بتحريرها. الكشف عن اْسماء اْعضاء القيادة من اثنى عشر عضوا فى يناير 1970. القذافى يشكل الحكومة الثانية برئاسته ضمت بعض زملائه ومجموعة من النخب المدنية. وهنا كانت قد تواصلت اْحاديث ومناقشات لم تتوقف فى كل الامكنة عن تحالف قوى الشعب العاملة المنتظر.. عن ايجاد تنظيم شعبى فى البلاد. تاْثير مصر كالعادة من بعيد. شرعت مجموعة من رفاق القذافى فى تنظيمه المدنى واخرين فى البحث عن طريق. صار لهم مقرا فى بنغازى يلتقون به : حجرة فى الاذاعة ثم فى الكنيسة سابقا. ونشرت عدة مقالات للعديد من الكتاب حول الموضوع فى مختلف الصحف. كان القذافى قد اْلقى خطابه الثالث فى 16. 10 بطرابلس واعلن فيه (لاحزبية بعد اليوم ومن تحزب خان) وفهم الكثيرون الاشارة التى انطلقت من ميدان السراى الحمراء التى ستصبح بعد اْعوام ساحة خضراء !

كان القذافى يريد ملء الفراغ الواضح الذى نشاْ بتعطيل الدستور والبرلمان والحياة النيابية وصدر قرار باْنشاء محكمة الشعب ومثول رجال العهد الملكى امامها بدء من افساد الحياة النيابية وتزوير الانتخابات وانتهاء بملاحقة تنظيم الضباط الاحرار. كان تلك الايام يبحث عن نظرية لثورته.. عن منظرين يجيدون التنظير لها ويفيدونه فى هذا السياق. لم يبداْ بعد مرحلة التنظير بنفسه. وكان عقله وفكره تماما فى مصر بناء على صوت العرب وجريدة الاهرام والاناشيد الثورية وتجربة الاتحاد الاشتراكى العربى. لبس عباءة عبدالناصر الذى اشار باْن القذافى ذكره بشبابه ! وخلال ذلك كله كان قريبا منه ومن رفاقه رجل المخابرات المصرى فتحى الديب وغيره من المستشارين من مصر فيما اْعد بعضهم له الاعلان الدستورى المؤقت فى ديسمبر 1969 من (37) مادة.. وظل مؤقتا مثل دساتير كثيرة. قام بذلك جمال العطيفى. وتم اْيضا اعداد خطط التاْمين والحماية.. وكل مايلزم.

وكان النيهوم الكاتب يوالى نشر دراساته ومقالاته. ينقد الفلسفة السياسية وتنظيراتها. ومايتعلق بالوحدة الاندماجية الفورية والغاء تدريس اللغتين الانجليزية والفرنسية فى المرحلتين الابتدائية والاعدادية (كانتا قد ادخلت فى المناهج اعتبارا من عام 1968) عن الصحافة المستقلة ووضعها وحريتها فقد بداْت تعانى من الرقابة. وعن اتاحة الفرصة واسعة اْمام الجميع للنقد الذاتى والمصارحة وعدم تعليق كل الاشياء على مشجب (العهد البائد). ثم بداْ فى نشر روايته (من مكة الى هنا) على حلقات فى العدد الاسبوعى للحقيقة. وسبق ذلك دراسة فى ثمان حلقات بعنوان (قليل من المنطق) ناقش فيها موضوع الفكر المستورد وقدم لذلك بكلمته المشهورة : (الطريق المسدود لايوقف سيرك فحسب بل يرغمك اْيضا على العودة الى الوراء) اكد فى نهايتها باْننا نحتاج الى التفسير بروح العلم والمنطق الذى ياْتى من مصدر عارف وليس من مصدر محترف للجاهل فذلك هو طريقنا الى الخارج وهو اْيضا الضوء الحقيقى على طريق الانسان.

ندوة الفكر الثورى

وهنا اْيضا اْعلن عن اقامة ندوة الفكر الثورى. وجهت الدعوات من قبل لجنة الاعداد الى الكثير من المثقفين واْصحاب الراْى والكتاب واْساتذة الجامعات فى ليبيا للمشاركة. بالطبع لم يحضر جميع هؤلاء. بعضهم تغيب واْحجم عن ذلك. اْدرك اْنها قد تكون وسيلة مبكرة لاْكتشاف العناصر (المضادة للزحف الثورى). وعن هذا لمح القذافى الى ان الندوة ستكون فرصة اخيرة للمترددين.
فى تلك الفترة اْيضا كان النيهوم فى هلسنكى. ومثل غيره وصلته الدعوة للمشاركة. اْقنعه بالمجىْ جلال الدغيلى السفير الليبى فى بون. وكانت بينهما صداقة قديمة. و الذى اْبرق اليه مصطفى الخروبى بتوجيه من القذافى شخصيا بضرورة حضور النيهوم للندوة المذكورة.

وصل النيهوم الى طرابلس. بداْت الندوة اْعمالها فى مسرح الكشاف اعتبارا من يوم الاربعاء 6. 5. 1970. استمرت مدة عشرة اْيام. تابعها الناس فى كل ليبيا عبر الاذاعة والتلفزيون والصحف وعلقوا على المتحدثين والمتحاورين وعن سير الندوة عموما منذ البداية وكان هناك فى الواقع حماس اْو حلم كبير لديهم باْن هذه الندوة الفكرية الثورية بداية لطريق تنضج فيه الافكار وتفيد قادة الثورة وتحقق للشعب مايطمح اليه فى الحياة المستقرة الكريمة. وكانت اقامة اغلب المشاركين الذين قدموا من خارج طرابلس فى فندق البحر الابيض المتوسط القريب من مكان الانعقاد.

ناقشت الندوة البنود المقترحة وهى:

1. تحديد قوى الشعب العاملة صاحبة المصلحة الحقيقية فى الثورة.
2. التنظيم الشعبى ووعاؤه.
3. الوحدة العربية.
4. مشكلة الديمقراطية فى مرحلة التحول الثورى
5. مسؤولية الحكم فى مرحلة الثورة الاجتماعية.

غصت قاعة المسرح تلك الاماسى منذ الافتتاح بالكثير من المثقفين وبعض الضباط الذين تمت دعوتهم للمشاركة. خصصت لها لجنة تديرها وتتابع مايتصل بشؤونها تولاها محمد مصطفى المازق المسؤول عن الاعلام وكان اْحد مدرسى القذافى فى سبها. وكان الصادق النيهوم اول المتحدثين فى اْولى الجلسات ذلك الاربعاء. وكان اْيضا عبر حوارات الندوة اْول من اْصطدم بالسلطة الحاضرة ممثلة فى عضو منها.. النقيب عمر المحيشى.

ندوة للجميع

واضافة الى النيهوم واْعضاء القيادة شارك فى هذه الندوة : الشيخ الطيب المصراتى. د. عمر التومى الشيبانى. حموده بوظهير. عبدالقادر طه الطويل. رشيد على نصير. د. خيرى الصغير بولقمة. نورى الكيخيا. محمد حمى. طالب الرويعى. محمد عبدالرازق مناع. نورى بريون. فوزية بريون. خدوجة الشللى. خديجة الجهمى. سعاد بشير القرطبى. حسن الصديق. مصطفى الشيبانى. ابراهيم الخراز. بوزيد دورده. عبدالقادر غوقه. محمد بشير المغيربى. على عبدالله وريث. ابراهيم الغويل. سعد مجبر. بشير بن كوره. ابراهيم الكونى. جمعة الفرجانى. عبدالله بانون. الشيخ ابراهيم ارفيده. عبدالرحمن الجنزورى. على احمد عتيقة. على مصطفى المصراتى. جمعة الفزانى. عبدالوهاب الزنتانى. ابراهيم الصارى. ومن الضباط الاحرار.. صالح الدروقى. مفتاح على القذافى. يوسف بوحجر. وكل المشاركين تحدثوا فى الموضوعات المطروحة. وفى فترة لاحقة بعد الندوة سيصدر ابراهيم الكونى كتابا عن مكتبة الفكر فى طرابلس عنوانه (نقد ندوة الفكر الثورى).

وبهذا لم يكن النيهوم المتحدث الوحيد اْو المشارك الوحيد فى الندوة وانما شارك اْيضا العديد من الشرائح المثقفة واْدلوا باْرائهم المختلفة وحاولوا اْن يصنعوا فى الجدار ثغره. كانت هناك اراء قيمة من بعضهم تناولت القضايا والموضوعات بالنقاش والفهم والراْى الناضج. وثمة اْراء اْخرى من جانب اْخر كانت ضعيفة مثل اصحابها على حين عانت الندوة فى كثير من الجلسات من سوء التنظيم والتنسيق والفوضى.

وعن الندوة فى مرحلة تالية صار خلط وسوء فهم كالعادة واستمر الالتباس اْو ظل يتجدد موجها للنيهوم وحده فالكثيرون ممن لم يعايش تلك الايام اعتقدوا ودون اْن يتبينوا الامر باْن النيهوم كان يمالىْ السلطة وينافقها فى الندوة اْو مدح الثوار الجدد الذين التقاهم لاْول مرة اْو سعى للتقرب منهم وهذا لم يحدث. كان هذا هو الحضور الاول للنيهوم فى مناسبة فكرية تمت داخل ليبيا على المستوى المحلى بعد التغيير الذى صفق له الشعب !! وراْى البعض فى جانب مقابل اْن النيهوم فى طرحه لفكرته بعض المثالية اْو التصوف اْو الاغراق فى الاسطره والحكايات القديمة والتاريخ الماضى وانه اختلطت فيه شخصية الكاتب مع المثقف الذى حاول مع غيره خلق (ثغرة فى الجدار الصلد).

وفى اْيام الندوة التى ظلت تنعقد مساء. اكتشف النظام محاولة ضده سميت بحركة فزان. قبض على الكثير من انحاء متفرقة فى ليبيا.. ضباط واعيان ومقاولون وجنود وسيقوا الى التحقيق فى طرابلس واْتهموا بالتنسيق مع رموز اْخرى من العهد الملكى تقيم فى الخارج ودول اْجنبية. كان ذلك فى اليوم الثامن من مايو... فماذا قال النيهوم؟

يتبع…

سالم الكبتى

* راجع الأجزاء السابقة بـ (ارشيف الكاتب)

 

غلاف كتاب نقد ندوة الفكر الثورى. ابراهيم الكونى. مكتبة الفكر طرابلس. 1970

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما رأيك في “مبادرة السراج” وخطة الطريق التي اعلن عنها؟
عملية وممكنة التحقيق
تستحق التفكير والمتابعة
غير واقعية وغامضة
لن يكون حولها توافق
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع