مقالات

د. أحمد إبراهيم الفقيه

الابحار الى لامبيدوزا

أرشيف الكاتب
2016/12/08 على الساعة 08:11


(مرثية الليبيين المهاجرين من بلادهم في قوارب الموت)


انتظر منصور حتى التقى كل اعضاء الاسرة حول طاولة الغداء، وبصوت هاديء، لا تخالطه اية تلوينات عاطفية او انفعالية، وكأنه ينقل لهم عملية حسابية مدرسية، قائلا يخاطب والده وامه واخوين واخت اصغر منه: "عندي خبر ارجو ان تتقبلوه بهدوء، وفهم واستيعاب، لانه يتصل بحياتي، ومستقبلي، وهو انني ساسافر غدا في رحلة مع ثلاثة شباب من اصدقائي، خارج البلاد، فلا تنشغلوا وتقلقوا، إذا ما طالت الرحلة قليلا"... علقوا جميعا انظارهم به، لمزيد من الشرح عن سبب السفر ووجهته، فواصل الحديث: "هيأت نفسي، ودبرت مصاريف سفري، فلا موجب للقلق من هذه الناحية، ولا احتاج منكم الا للدعاء بالتوفيق".

وجدت في مدخراتي ما يكفي  لتأجير مكان في قارب للمهاجرين الى ايطاليا، وهو ما فعله اصدقائي الثلاثة الذين حجزوا اماكن مثلي لنترافق في رحلة تأمين المستقبل.

تعالي الصياح من كل افراد العائلة، الصغار قبل الكبار، يتكلمون في صوت واحد، تعبيرا عن اندهاشهم واستنكارهم، وارتفع صوت والده فوق بقية الاصوات يتكلم بصوت مشحون بالغضب والثورة، ينكر على ابنه ارتكاب هذه الحماقة، واصفا ما يقوله بالجنون، كأنه لا يسمع الاخبار ولا يرى جثامين الضحايا ملقاة على الشاطيء.

ظل ابنه منصور صامتا ينتظر ان تهدأ الضجة، ويفرغ والده من صرخات الاحتجاج واللوم، وطلب ان ينصتوا لسماع رده على اسئلة والده واستنكاره لما صمم على فعله، قائلا بان هذا هو العام السادس، بعد تخرجه من الجامعة، يقضيه عاطلا  لا يجد عملا ولا دخلا، عالة على ابيه، الذي لم يعد يملك الا معاشا تقاعديا، عرض نفسه على ادارات تعطي مرتبا هزيلا، لا يساوي اجر يوم واحد يتقاضاه زميلا له سافر منذ عام  الى ايطاليا.

انه يعرف، قال ردا على والده، ما يقوله الوالد عن مخاطر الغرق، ولذلك فهو لن يجازف بركوب القوارب المطاطية، القابلة للعطب والغرق، وانما سيستعمل هو وزملاؤه الثلاثة قاربا لاحد صيادي السمك، معروف لدي اصدقائه، قام بعدة رحلات آمنة الى اقرب شاطيء ايطالي، هو شاطيء لامبيدوزا، وسيكون القارب مخصصا فقط لنقلهم، في رحلة لن تستغرق غير يومين اثنين، وتبدا غدا في الساعة الثامنة ليلا من شاطيء تاجوراء، وتنتهي الثامنة هذين اليومين. وستكون رحلة اشبه بالنزهة، فللقارب محرك جديد ممتاز، والبحر سيكون خاليا من العواصف حسب النشرة الجوية.

الا ان العاصفة التي صنعها كلامه، داخل البيت، هي التي عليه ان يتعامل معها الآن، عاصفة تفجرت قبل ان ينتهي من كلامه، عاصفة شارك في صنعها، بكاء الام وصراخ الاخوين والاخت، وكلمات الغضب التي يطلقها والده، وجميعهم يشوحون بايديهم واذرعهم كانهم يصارعون الاشباح، رافضين تصديق كل كلمة قالها عن السفر الآمن، لا يرون ما يقوله الا انتحارا،  وجريمة ليس في حق نفسه ولكن في حق اسرته، وامضوا ما تبقى من النهار والى مجيء الليل وهم يحاولون اقناعه بالعدول عن هذا السفر، وطالما ان شكواه الاساسية من البطالة، فقد تقدموا باكثر من اقتراح لحل المشكلة، احداها ان يتنازل الاب عن سيارته له، ليقوم باستخدامها في نقل الركاب، تضمن له دخلا يوميا وعملا يشغل به فراغ أيامه، والاقتراح الثاني كان احالة غرفة الضيوف في البيت الى حانوت، بفتح باب للغرفة على الشارع، يحيلها الى دكان لبيع المواد الاستهلاكية او الفاكهة والخضار.

لكن منصور لم يكن قابلا لاي اقتراح، عاجزا على الانصات لاي كلام،  غير ما يقوله له رأسه، فقد حدد لنفسه هدفا في الحياة، وقرر ركوب البحر بما يتيحه من حياة افضل، وكان قبل ذلك قد تقدم باحثا عن تأشيرة دخل لاية دولة اوروبية، لكن الدول صارت تقفل هذا الباب امام الليبيين، خوفا من الارهاب. لقد تعاهد مع ثلاثة من اصدقائه، ولا يريد ان يتخلى عن اتفاقه معهم، في رحلة ضمنوا فيها كل شروط السلامة والأمان، فلماذا الخوف والتردد، ستغضب العائلة منه اليوم، لكنها سوف تفرح عندما يصل الى هدفه، ويصير قادرا على مساعدة الاسرة بما يحيل سخطهم الى رضا وقبول.

كان الاب قد خرج بضعة دقائق وعاد، حيث استطاع ان يتدبر بعض الحبوب المنومة، اعطاها للام التي تسللت بها الى ابنها في كوب من عصير البرتقال، اعطته له تحت ذريعة تهدئة اعصابه، واستبدال ساعة بساعة ليتدبر امره بروية وحكمة، وبعد ان استسلم للنوم، تعاون افراد الاسرة على سحبه الى غرفة الضيوف، لان بها حماما داخليا، واقفلوا عليه الباب، الا من كوة صغيرة يوصلون من خلالها الاكل والشراب اليه، ووضعوا عددا من المتاريس خارج الباب لكي يصبح مستحيلا ان يؤثر في الباب بركلاته وضربات يديه. وابلغوه عندما استيقظ ان العائلة اصدرت عليه حكما بالسجن الذي لن ينتهي الا بانتهاء الحظر الاوروبي على منح التاشيرات الى الليبيين، لكي يحصل له والده على تأشيرة سفر، ويستطيع الرحيل رحيلا شرعيا للبلاد الاوروبية التي يشاء.

في الصباح جاء زملاؤه في رحلة البحر، يتفقدونه، لانه تاخر على موعد له معهم لاكمال الترتيبات، وما ان وصلوا باب البيت، حتى سمعوا الضجة والصراخ، لان منصور كان في حالة غضب  وهياج، يصرخ ويركل الباب مطالبا اسرته باطلاق سراحه،  فعرفوا ما حصل له، ورأوا ولده يخرج اليهم غاضبا، فتجنبوا الاصطدام به، وولوا الادبار مسرعين، وقد فقدوا الامل في التحاق صاحبهم بهم، ذهبوا الى صاحب القارب يهيئونه للرحلة، ويشترون ما يحتاجونه من تموين وينقلون الى القارب بعض الاغطية، لاتقاء البرد، وما ان اختفى آخر ضوء للنهار حتى تسللوا بقاربهم، يشق بهم الموج، باتجاه جزيرة لامبيدوزا.

بعد ثلاثة ايام نقلت وسائل الاعلام المرئية، والمسموعة والمقروءة، خبر غرق قارب صيد السمك، الذي استخدمه صاحبه للهجرة غير الشرعية،  لاصطدامه عند هروبه من دورية حرس الشواطيء الايطالية، بمنطقة صخرية قريبا من شاطيء لامبيدوزا،  تحطم على اثرها القارب، وغرق ركابه الاربعة، الذين تم انتشارهم، واتضح انهم مواطنين ليبيين، نشر الاعلام صورهم واسماءهم.

بعد ان حصل الاب علي نسخ من صيغة الخبر وصور الضحايا، فتح غرفة ابنه منصور، واخبره بان السجن انتهى لان النتيجة التي حذرته منها اسرته، ولم يصدقها، قد حصلت، والفاجعة التي رفض امكانية ان يلاقيها قارب الصيد، هاهي اليوم حديث العالم، شرقه وغربه. ويستطيع ان يخرج، ويعيش حريته كما يشاء، الا ان منصور لم يغادر سجنه، بقى رغم الباب المفتوح، يواصل نحيبه ليلا ونهارا،  يوما وراء الاخر، وشهرا وراء شهر. رافضا ان يرى العالم خارج هذه الجدران الاربعة.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

* تنشر بالتزامن مع موقع الصدى.

احمد ابراهيم الفقيه | 10/12/2016 على الساعة 19:33
to our friend Ghoma
I would like to congratulate our friend Ghoma for his valuable contribution , and the way he states his opinions in a frank and blunt ,straightforward style and manner, but I do not know whether the issue he raises this time is relative to the subject matter of my short story. He is correct when he says the Libyans have only themselves to blame for the current crisis, but it is not the limited resources and wealth that Libya suffers from , nor the lack of birth control, but the bad management and the blunder and the mindless way they wasted their wealth and resources,also the way the county is ruled , like nowadays where the scum of the scum are running the affairs of the country from the headquarters of their Militia camps
Ghoma | 10/12/2016 على الساعة 00:47
Instead of Going Where They Can Make a Living,They're Attracted by the Glimmiring Mirage of Europe
There's no gain from pointing fingers and throwing all kids of curses at the others. If Libya's gotten where it's today it's because of its own people. No one came to Libya before some Libyans had invited them in. If you've to lament the material you've got then you must realize you've stuck with them, thus better make something out of what you've. If Libyans have done anything since 'independence' was to reproduce themselves like rabbits. In the first census (1954) the population was a little more than one million, the last census (2004) the population was more than six million. This huge multiplication with, more or less, the same resources, is the cause of all this jockeying and competition for a shrinking pie. It's time for people realize that modern medicine has reduced child mortality and thus they have to make less of them and have to plan their future and what kind of world they're living them in. Thanks. Ghoma
احمد ابراهيم الفقيه | 08/12/2016 على الساعة 22:48
تحية للدكتور امين بشير الميرغني
شكرا اخي الدكتور امين لانتباهك لهذه القصة القصيرة التي كتبتها بعد ان سمعت في الاعلام محنة عدد من شباب بلادنا احدهم خرج على الشاشة الصغيرة معلنا لنا ان الحال وصل به الى حد انه سينضم لافواج الهجرة غير الشرعية وسمعنا بعد ذلك الخبر المؤسف المحزن الذي ادمى قلوبنا ان هذا الفتي الليبي الذي كان في اوج شبابه وعافيته وجمال روحه ومعنوياته قد قضى في هذه المغامرة المؤلمة الكارثية، فكتبت القصة وانا تحت تأثير هذا الخبر لاجسد المحنة التي يعيشها وطن اوقعه الحمقى واهل الجهالة واهل الغباء في هذه المحنة والا كيف لكوادر ذات افق انساني وعالمي مثل الدكتور امين بشير الميرغني الاداري الكفء الذى ادارمؤسسة مثل الخطوط الليبية في ازهى عهودها ورائد من رواد الفن التشكيلي وصاحب خبرة في النضال ضد الطغيان وصاحب استشارات في مؤسسات عالمية وتمكن من اللغة الانجليزية الى حد ان يحرر بها الصحف والمجلات يكون بعيدا عن المشهد وان يترك لعدد من خريجي السجون واهل الامية والسوابق الجنائية يديرون شئونه انه حالة اكثر من عبثية واكثر من كارثية واكثر من تراجيدية، واكثر من انتمائها لمسرح اللامعقول انها الجنون الجنون الجنون في ابشع حالته
د. أمين بشير المرغني | 08/12/2016 على الساعة 18:45
السعي لحياة أفضل حق لكل إنسان
ويلاه ! قصة هذا الشباب سرد رائع لقصة عشرات الالاف من الشباب الذين لا يرون ضوءا في نهاية النفق. ولا يرون لهم في بلادهم من مستقبل . وفي هذا، صار الهروب من ليبيا حلم الصغار والكبار. وزاد السعي لتحقيقه بعد أن غدت الحياة في الوطن كابوسا زاد قتامة بعد جهالات مارأينا. فقط الشباب أكثر جرأة وأكثر تحررا من قيود الاستكانة عسى أن ينجحوا في ايجاد حياة أفضل ، وهذا حقهم ، في مكان آخر غير الوطن. مكان يعج بالبشر الاسوياء . مكان خلق الله فيه أناس غايتهم العمران في الدنيا بالعمل والاحترام. ولا ملامة ولالوم على جيل خاب كل رجائه وتبخرت آماله وأحلامه بعد أن ظن أن باب النور قد شُرّع. فخير أن يتركوا الوطن هكذا على أن يتركوه وقد عمه كله الهرج والمرج وتضيق سبل المغادرة.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع