مقالات

د. الهادي بوحمره

العدالة الانتقالية عدالة تأسيسية

أرشيف الكاتب
2016/11/18 على الساعة 03:53

العدالة الانتقالية هي مسار متكامل يشمل مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية، التي تعالج تركة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان والفساد، وتكفل كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر واعادة فحص المؤسسات، بما يحقق اعادة الثقة في الدولة ومؤسساتها، وحفظ الذاكرة الوطنية، وإعادة الاعتبار للكرامة الانسانية، وتأكيد مفهوم المواطنة، وبناء السلم الاجتماعي والمصالحة الوطنية، والتأسيس لدولة القانون.(1)

ومن ثم، فهي أداة تقرير لمقدمات أولية للتمكين الحقوقي والديمقراطي، ولتجاوز حالة الانقسام التي يعيشها المجتمع، ولإرساء نظام جامع لكافة أبنائه مبنى على الترابط بين العدالة والسلام والديمقراطية. لهذا يمكن وصف العدالة الانتقالية بأنها عدالة علاجية جماعية  تأسيسية. بمعنى أنها عدالة لعلاج الواقع من أجل التأسيس للبناء الجديد، ووسيلة لتحصين البناء بالوئام والسلام المجتمعي(2). ومن ثم، فهي عدالة لا يمكن تجاوزها، لأن تجاوزها والدخول في تطبيق نظام دستوري دون أن يسبقه أو يقرر هو نفسه المرور على جسرها، هو تجاوز  يهدد المجتمع والدولة بالانهيار من جديد والدخول في صراعات مستقبلية. فعدم معالجة ما حدث من انتهاكات وتجاوزات في حق الأفراد والوطن بطريقة جذرية يمكن أن يؤدي إلى انقسامات حادة في بنيان المجتمع، ويولد مناخاً عاماً من عدم الثقة بين أطيافه ومكوناته، فتضعف سيادة القانون، ويخلق وضعية يصبح فيها اللجوء للعنف أمرا محتملا في كل لحظة.(5)، حيث إن مسار العدالة الانتقالية هو الذي سيقود إمّا إلى التغييرات العميقة المنشودة اللازمة للبناء الجديد ولإنفاذه، وأما إلي العودة إلي نفس الصيغة القديمة للتوتر والنزاع والتسلط.(6). فما ولد عنف الأمس واليوم يمكن أن يولد عنف الغد.

وإذا كان الامر كذلك، فإن الاختلاف بين العدالة الانتقالية والعدالة التقليدية اختلاف بين. فإذا كانت العدالة التقليدية هي عدالة متواترة لفض نزاعات دورية معتادة.(7). غايتها ارجاع الحق لصاحبه وعقاب المذنب للردع العام والخاص في ظل دولة لها بناء قانوني قائم ومستقر، فإن هدف العدالة الانتقالية إعادة رتق النسيج الاجتماعي، وإرضاء الشعور بالعدالة بوسائل متنوعة، والقطع مع اسباب الشقاق، وكشف الحقيقة، وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات، سواء أدى ذلك إلي عقابهم ام لم يؤد الي توقيع أي عقوبة. فالإدانة وبيان الانتهاكات لا يرتبط- دائما- بتطبيق النص العقابي،  ولا يتقيد بالقواعد التقليدية التي وضعت لمجتمع يسير في وضع طبيعي لم يمر بحروب أهلية، أو اضطرابات سياسية اتسعت فيها دائرة الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الانسان، حيث إن هناك تلازما بين الاجراءات الجنائية التقليدية وتطبيق نصوص قانون العقوبات. ولا تعمل هذه الاجراءات لمجرد كشف الحقيقة، بل أنها تعمل من أجل تفعيل نصوص التجريم والعقاب.(8). ومن هنا، فإن العدالة الانتقالية تحتاج لنظام اجرائي هدفه كشف الحقيقة- حتى ولو لم يؤدِ ذلك الي تطبيق قانون العقوبات. لأن كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان لا يهدف فقط إلي توقيع العقوبة الجنائية، بل يهدف- في إطار العدالة الانتقالية-  إلي كتابة تاريخ الانتهاكات والفساد، وحفظ الذاكرة الوطنية، وحماية الحياة السياسية، وتحييد المساهمين في هذه الانتهاكات، واعتراف المجتمع للمجنى عليهم بكونهم ضحايا، ونفي ما يكون قد علق في الاذهان من اتهامات- بالمعنى اللغوي- لمكونات اجتماعية او مدن بكاملها.

ومن ذلك، تحتاج العدالة الانتقالية للوصول لجلسات اعتراف تشكل قاعدة صلبة للتسامح وتجاوز الماضي على بينة، دون أن تخضع هذه الاعترافات- بالضرورة- لنظام الاعترافات القضائية المقرر في قانون الاجراءات، والذي لا يستجيب لأهداف العدالة الانتقالية.

كما أن التكوين المهني  لمباشر الاجراءات وفق القواعد القانونية التقليدية لا يتناسب مع مباشرة الاجراءات في إطار إنفاذ ركائز العدالة الانتقالية، لاختلاف وظيفة كل منهما عن الآخر.  فالمسألة في العدالة الانتقالية لا تقتصر على تأويل النصوص وإنزالها على الوقائع بعد تكييفها قانونا وتقدير العقوبات المناسبة للفعل وشخصية مرتكبه، بل أنها تتجاوز ذلك لتشمل مسائل ذات ابعاد متنوعة، منها الاجتماعية والسياسية.  وهو الأمر الذي تستند عليه المطالبة بتنوع الاختصاصات التي تتشكل منها لجان الحقيقة من جهة،  والمطالبة بتخصص  قاضي العدالة الانتقالية وتميزه عن القاضي التقليدي من جهة أخرى. ويقع في هذا الإطار استحداث دوائر متخصصة بالمحاكم الابتدائية بمقار محاكم الاستئناف في تونس بموجب الامر رقم 2887 المؤرخ في 8 اغسطس 2014م تطبيقا للفصل 17 من القانون الاساسي المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية الصادر في 24/12/2013م، لتختص بنظر الجرائم التي تدخل في إطار العدالة الانتقالية.

فإنفاذ قانون العدالة الانتقالية لا يقوم على توفر التكوين القضائي الصرف، بل هو نظام مصمم لكشف الحقائق، وتتبع الانتهاكات، وإدارة جلسات الاستماع،  يحتاج لتنوع لا يتوفر في النظام الاجرائي التقليدي. فسير الاجراءات الجنائية المعتاد لا يتطابق مع السير الاجرائي في العدالة الانتقالية، لاختلاف الاهداف بينهما. فقد يصل الأمر في مسار العدالة الانتقالية إلي الإحالة للمحكمة، والسير في المسار العادي للدعوى الجنائية، وقد يقف الأمر عند كشف الحقيقة وتدوينها في تاريخ المجتمع والدولة.  فما يمنع من الوصول للحقيقة في نظام العدالة التقليدية، لا يجب أن يمنع من الوصول اليها في مسار العدالة الانتقالية. فوفاة المتهم تؤدي بالضرورة  إلي الأمر بالحفظ أو الأمر بألا وجه أو الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية وفق العدالة التقليدية،  لكنها لا يجب أن  تمنع من المضي في كشف الحقيقة والاعتراف بالضحايا وبمعاناتهم وفق العدالة الانتقالية. وإذا كان الأمر كذلك، فإن التمسك بالنظام التقليدي لنظر الانتهاكات وكشف حقيقتها يحول دون حق الأفراد والمجتمع في معرفة الحقيقة، والذي هو حق يجب ألا يقبل السقوط. هذا الحق في معرفة الحقيقة يطرح- أيضا- مسألة التقادم للانتهاكات الممنهجة لحقوق الانسان ولجرائم الفساد الجسيمة. فسقوط الجرائم بمضي المدة، وإن كان قد ألغى في ليبيا بالقانون رقم (11) لسنة 1997م، إلا أنه من المسائل الموضوعية التي يعتد بشأنها بالقانون النافذ وقت ارتكاب الفعل لا وقت اتخاذ الاجراء. وهو ما يعنى أن الجرائم الداخلة في اطار العدالة الانتقالية، والتي ارتكبت وقت سريان التقادم سقطت بمضي المدة، وامتنع بموجب ذلك كشف الحقيقة بشأنها. هذا الأمر هو الذي دفع ببعض تجارب العدالة الانتقالية إلي ايجاد نص خاص بالعدالة الانتقالية يخرجها من النصوص العامة التي تحكم التقادم في قانوني العقوبات والاجراءات الجنائية، ويتقرر بموجبه عدم الاعتداد بسقوط الجريمة أو العقوبة بمرور الزمن. ومثال ذلك ما قرره الدستور التونسي في الفقرة التاسعة من المادة الثامنة والأربعين بعد المائة، لفتح الطريق أمام إعادة فحص ملفات انتهاكات ممنهجة لحقوق الانسان.

فضرورة إقامة نظام أساسي للعدالة الانتقالية، تأتي-أيضا- من احتمالية لجوء السلطة التشريعية لاعتبارات سياسية صرفة للانحراف عن لوازم التأسيس المتين ومتطلبات حمايته. ومن ثم، فالحاجة ماسة لضبطها دستوريا. ومثال ذلك أن تلجأ إلي إصدار قوانين للعفو العام تتجاوز من خلالها كشف الحقيقة، وحفظ الذاكرة الوطنية، والاعتراف بمعاناة ضحايا الانتهاكات الجسيمة، والتستر على مرتكبي جرائم الفساد. فالعفو العام، الذي يجد اساسه الفلسفي في طي صفحة فترة اضطراب مر بها المجتمع وفتح صفحة جديدة، يؤدي الي تجاوز حق الأفراد والمجتمع في كشف الحقيقة، التي تشكل الركيزة الأساسية للعدالة الانتقالية، وبناء دولة على اساس متين. ومع عدم الاعتراض على ما قد يحققه العفو العام  من نتائج ايجابية وامكانية استعماله لإحداث وئام اجتماعي أو للتجاوز عن الجرائم العادية التي ارتكبت في فترة الاضطراب، ولدعم المصالحة الوطنية، إلا أنه يجب ألا يكون ذلك سبيلا لطمس الحقائق، ومنع استرداد الاموال المختلسة، وألا يكون وسيلة للتغطية على كبار المجرمين والفاسدين، وحرمان الضحايا من معرفة من ساهموا في انتهاك حقوقهم. فالمجتمع قد يتجاوز عن الدعوى الجنائية وما تحويه اجراءاتها من تقييد للحرية وما تنتهى له من إدانة جنائية وتوقيع عقوبة في إطار المعايير الدولية التي تضمنتها صكوك دولية صدقت عليها ليبيا، إلا أنه من أجل حمايته في المستقبل، واقرارا بحق الجميع في معرفة الحقيقة، يجب أن يؤسس لنظام يحقق الانتقال ويضمن عدم طمس الحقائق باللجوء إلي العفو العام. فالعفو العام وامكانية اللجوء إليه في إطار القوانين النافذة والاتفاقات الدولية المصادق عليها، يمكن موازنته بنظام للعدالة الانتقالية يضمن كشف الحقيقة استقلالا عن الدعوى الجنائية عن طريق هيئة تقصى الحقائق، ويقرر بدائل للدعوى الجنائية كالمصالحة بين الفاعل والمجنى عليه أو أولياء دمه، بما يحقق عدالة ناجزة لها فاعلية أكبر في مجال تحقيق السلم الاجتماعي. كما يمكن الاستغناء عنه بتوظيف آلية العفو الخاص، الذي تدرس فيه كل حالة على حده.

من ناحية أخرى، تأسيس نظام متكامل للعدالة الانتقالية يسمح بتجاوز عدة عقبات قانونية تمنع من فتح ملفات احتوت على انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان ولا تستطيع العدالة الانتقالية ولوجها من جديد لعدة اسباب، منها قوة الامر المقضي به. فأي قضية دخلت حوزة القضاء ثم خرجت منه بحكم بات، لا يمكن أن تدخل حوزة القضاء من جديد لسبق الفصل فيها. إلا أن العدالة الانتقالية قد تؤسس لفتح ملفات لبيان الحقيقة بشأنها كاملة بنظام اجرائي مختلف، دون أن يكون الهدف هو إعادة محاكمة من صدرت ضدهم أحكام إدانة أو قضى ببراءتهم،  وإنما الهدف هو إيضاح الحقيقة والأبعاد المختلفة لوقائع لم تكن أجهزة الدولة عند ممارستها لاختصاصها بشأنها قادرة على اتخاذ كافة الاجراءات اللازمة للوصول اليها.

ومن هنا- أيضا- لا ترادف بين العدالة الانتقالية التي تشكل جسرا للعبور من حالة الحرب إلي السلم والوئام الاجتماعي، ومن حالة الفوضى إلي حالة التأسيس الوجوبي لنظام دستوري جديد يقوم على أسس متينة تضمن له التطبيق والاستمرار من جهة، والعدالة التصالحية التي تتضمن في عناصرها افلات كبار المسؤولين من العقاب من جهة أخرى. فلا يمكن اختزال العدالة الانتقالية في مفهوم التصالح، وإن كان الصلح مقصدا من مقاصد العدالة الانتقالية وأساسا لاتخاذ القرارات عند اعمال نظامها.

وفي مقابل العدالة الجنائية التقليدية التي تتقيد بالتكوين القانوني للجريمة، والقائم على اعتبار الباعث - كقاعدة عامة - خارج مكوناته، فإن العدالة الانتقالية تقوم على البحث عن هذه البواعث وتحديدها، لأن الهدف هو كشف الحقائق كاملة. وهو الأمر الذي يستوجب التحري عن ابعاد كافة الافعال الممنهجة الماسة بالحقوق والحريات، وما إذا كان لها ابعاد اجتماعية او سياسية او تاريخية؟. وذلك  من أجل التمكن من تبنى سياسات تمنع تكرارها مستقبلا. ومن ذلك الجرائم التي ارتكبت خلال نزاعات ذات بعد اجتماعي. فتتبع هذه الابعاد،  والتي قد لا توليها العدالة التقليدية اهتماما مناسبا، يعد مسارا أساسيا من مسارات العدالة الانتقالية للوصول لمعالجتها، وتسهيل الانتقال الفعلي لحالة السلم الاجتماعي، حيث إن من أهم اهداف العدالة الانتقالية معالجة اسباب النزاعات بين مكونات المجتمع بشكل جذري لمنع تجددها. ولا يكون ذلك إلا بعد كشف حقيقة النزاعات التي ارتكبت بسببها جرائم،  والتفرقة بين الظاهري منها والسطحي والعميق واسبابه(9)، للتمكن من تصميم سياسات لمعالجتها وتسويتها ومنع وبالها على المجتمع من جديد. فهي عدالة تتعامل مع مصادر النزاع السياسية والاجتماعية بشكل اعمق لبناء السلام الدائم، الذي لا يمكن أن يعتمد على عدالة تقليدية لا تهتم بقدر كاف بالسياقات والتوجهات المسببة للعنف، وتكتفى بوسائل ردع عام وخاص تقليدية وضعت لمجتمع يسير بانتظام.

أما في مجال جبر الضرر، الذي يشكل دعامة من دعامات الانتقال للمجتمع الجديد القائم على التسامح، فإن العدالة الانتقالية تقوم على مفهوم واسع للضحية، وتقدم صورا متعددة للتعويض تتجاوز ما يمكن الوصول اليه عن طريق إتباع سبيل العدالة التقليدية. وذلك في إطار يقيم توازنا يتفق مع أهدافها بين الاجراءات الفردية والجماعية من جهة، والتعويضات المادية والرمزية من جهة أخرى. فالتعويضات في إطار العدالة الانتقالية هي أداة للتأسيس للتآلف الاجتماعي، واعادة التوازن، وتضميد الجراح، وارضاء الشعور الجمعي بالعدالة، وﺗﻬيئة المناخ الملائم للمصالحة، عبر استرجاع ثقة الضحايا في الدولة. ومن ذلك توفير العلاج للمتضررين من الحروب، ووضع برامج لإعادة تأهيل ضحاياها، ومنح فرص عمل أو دراسة لمن فقدوا أولياء أمورهم فيها، و توفير مأوى للذين شرَّدتهم ودمرت بيوتهم الحروب الأهلية، واسترجاع العقارات المغتصبة أو التعويض عنها، ومعالجة التباين في التنمية بين المناطق، واعطاء أولية إعادة الإعمار للمدن التي دمرت بسبب العمليات الحربية.  كما أن التعويض المعنوي ليس أقل شأناً، فهو يساعد الوعي الجمعي أن يتذكر بصورة ايجابية بشكل  يتجاوز أثار الانتهاكات دون نسيانها، مما يساعد على العفو والتسامح ويمنع التكرار. وللتعويض المعنوي عدة أشكال، منها إعادة التأهيل النفسي، والاعتراف بالأخطاء التي ارتكبتها الدولة وأجهزتها المختلفة، وتحديد المسؤولين عن ذلك،  والاعتذار للضحايا، و توثيق الانتهاكات، و إيجاد متاحف تجمع فيها صور وأسماء الضحايا، وبناء النصب التذكارية للجرائم ضد الانسانية بعد كشف حقيقتها وتوثيقها. وهي اجراءات رمزية يمكن أن تصل لفئات واسعة وتشجع على الذاكرة الجماعية والتضامن الاجتماعي.(10).

وبما أن التضامن في علاج الأضرار الفردية والجماعية هو سمة جبر الضرر في العدالة الانتقالية، لأنه تضامن في علاج المجتمع، وتجاوز الماضي والحاضر، والتأسيس لتآلف  وسلم اجتماعي يمكن من إعادة بناء الدولة والمجتمع على قواعد جديدة جامعة، فإن إنفاذ تدابير العدالة الانتقالية يستوجب وضع الآليات الكافية للتمكن من الإيفاء بالتعويضات اللازمة. ومن هذه الآليات التي يمكن تبنيها آلية إنشاء صندوق لتمويل جبر الضرر أو صندوق لديات القتلى ومصابي الحروب من جميع الأطراف دون تمييز.

ومن أجل ضمان البناء على أساس متين وتحقيق الاهداف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وللحؤول دون قوع انهيار للدولة، يجب ان تضمن العدالة الانتقالية-أيضا-  إعادة فحص المؤسسات بإحداث تغيير بنيوي في أجهزة الدولة، واستبعاد من ساهموا في انتهاكات حقوق الانسان والفساد منها، وممن دخلوها دون الحصول على مؤهلات العمل بها، وتنقيتها من صور التمييز العرقي والسياسي والجهوي والقبلي والايديولوجي،  وإعادة مراجعة المناصب العمومية في الدولة وفق معايير موضوعية، لإعادة الثقة في هذه المؤسسات، وتمكنيها من أداء دورها. الأمر الذي يتطلب إعادة تنظيمها وهيكلتها وصياغة رؤية ورسالة جديدة لها ومراجعة ملفات العاملين بها. وبما أن العدالة التقليدية قد تحول دون اجراء فحص فاعل لمؤسسات الدولة بالنظر لما تقوم عليه من قواعد حاكمة كقاعدة الحقوق المكتسبة والحفاظ على المركز القانونية وما تولد عنها من قواعد تتعلق بتحصين القرارات الادارية من السحب والالغاء، فإن المشروع المستقبلي للعدالة الانتقالية، باعتبارها عدالة تأسيسية علاجية تهدف الي إزالة أثار الانتهاكات والفساد، وإعادة تأكيد حق المواطنة والمساواة في حق تولى الوظائف العامة لإعادة ثقة المواطنين وجمعهم في اتجاه البناء الجديد للدولة، يحتاج للتأسيس له على مستوى النص الدستوري، لكي يمكن  أن يتضمن قواعد للفحص تكون أداة فاعلة للانتقال، وتكفي للإقناع بأن البنى المؤسساتية التي سمحت بوقوع انتهاكات حقوق الإنسان أو ممارسات فساد واسعة قد تم تقويمها.(11)

هذه الخصوصيات للعدالة الانتقالية التي تميزها عن العدالة التقليدية هي التي أدت الي دسترتها في عدة تجاب مقارنة إما بالنص على آليات محددة لها على مستوى النص الدستوري، وإما بإلزام السلطة التشريعية بإعمال منظومة العدالة الانتقالية وفق إطار دستوري محدد. ومثال الاتجاه الاول  دستور جنوب افريقيا ونصه في الفقرة 6 من المادة 25 على  حكم يتعلق بتجريد الناس من ممتلكاتهم في الماضي ومعالجة أثار القوانين والممارسات التي تقوم على التمييز العنصري، دون أن تقيد احكام الدستور هذه المعالجة،  ودستور العراق ونصه على دسترة هيئة دعاوى الملكية في المادة 136، ودسترة اختصاص المحكمة الجنائية العراقية العليا بالنظر في جرائم النظام السابق في المادة 134، ودسترة الهيئة الوطنية لاجتثاث البعث في المادة 135. وتجدر الإشارة هنا إلي أن التجربة العراقية- من حيث الموضوع-  ألبست العدالة الانتقائية والانتقامية ثوب العدالة الانتقالية، وهو الأمر الذي اقتربت منه التجربة الليبية كثيرا في القانون رقم 19 لسنة 2013م بشأن العدالة الانتقالية وفي القانون رقم 13 لسنة 2013م بشأن العزل السياسي والاداري.(12). أما الاتجاه الثاني في دسترة العدالة الانتقالية،  فمثاله الدستور التونسي الذي نص في الفقرة 9 من الفصل رقم 148 على أن : ( تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها، ولا يقبل في هذا السياق الدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بحجية اتصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزمن.)، والدستور المصري الذي نص في مادته رقم 241 على أن: (يلتزم مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد نفاذ هذا الدستور بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقا للمعايير الدولية). وهو النهج الذي  سار عليه مشروع الدستور الليبي بنصه على ضوابط تحكم مسار العدالة الانتقالية من خلال دسترة ركائزها المتمثلة في: كشف حقيقة انتهاكات حقوق الانسان وجرائم الفساد وتوثيقها، وتعويض الضحايا، وفحص المؤسسات العامة، والملاحقة الجنائية وفق المعايير الدولية ومتطلبات المصالحة الوطنية وفي إطار الشريعة الإسلامية.(13)

ومن هنا، يجب النظر للعدالة الانتقالية على أنها عدالة تأسيسية لازمة للانتقال لحالة السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي ولتأمين المجتمع بالقضاء على العلاقات المولدة للعنف فيه وتحصين نظامه الدستوري. ومن هنا -أيضا- يمكن النظر لعلاقتها بالعدالة التقليدية من عدة أوجه. فهي قد تكون مقدمة للعدالة الجنائية التقليدية العقابية سواء على المستوى الوطني او الدولي، كما هي الحال في لجان تقصى الحقائق واختصاصها بالإحالة إلي السلطات القضائية، وقد تكون موازية لها ويعملان بشكل متزامن، وهي حالة سيراليون التي عملت فيها لجان تقصى الحقائق بالتزامن مع المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بسيراليون.(14). وقد تكون بديلا لها في حالات معينة، كما في حالة وفاة المشتبه فيهم،  أو مكملة لها بملء ثغرات تعجز عنها العدالة التقليدية(15)، كما في حالة المصالحات بين مكونات المجتمع واللجوء للأعراف الاجتماعية ومبادئ الشريعة الإسلامية بشأنها.(16). وكل ذلك يتحدد وفق منهج العدالة الانتقالية التي تتبناه الدولة وتؤسس له دستوريا، لكي يمكن للقانون الذي يصدر بشأنها مستقبلا أن يستوعب الاستثناءات التي ترد على قواعد العدالة التقليدية كتلك المتعلقة بالتقادم او بتحقيقات لجان تقصى الحقائق أو بوجود بدائل للدعوى الجنائية او بقوة الامر المقضي به أو بمجال العدالة التصالحية التي تشكل عنصرا من عناصر العدالة الانتقالية دون ان يكون لها ترادف معها.

د. الهادي بوحمره

 


(1) انظر على سبيل المثال: تقرير الامين العام السابق إلي مجلس الامن بشأن (سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع وما بعد الصراع) 24 اغسطس 2004 رقم 616/2004/S. الباب الأول من القانون الاساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24/12/2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها. الرائد الرسمي للجمهورية التونسية،ع105، 13/12/2013م. (رابط)

(2) انظر العدالة الانتقالية (حلقة نقاشية)، مجلة المستقبل العربي، تموز (يوليو) 2013،ع 413، س 36، من ص98 الي ص170.

(3) من كلمة المستشار عادل ماجد حول «العدالة الانتقالية في مصر بين الواقع والمأمول»، المؤتمر العلمي حول العدالة بين الواقع والقانون، كلية الحقوق - جامعة الإسكندرية، 19-20 ديسمبر 2012.

(4) فانيسا سزاكال، العدالة الانتقالية في تونس وخطورة الاستثناء، ترجمة غسّان بن خليفة.

(5) عبد الحسين شعبان، العدالة الانتقالية (مقاربات عربية للتجربة الدولية)، مجلة المستقبل العربي، المرجع السابق، ص100.

(6) الهادي بوحمرة، الموجز في قانون الاجراءات الجنائية، مكتبة طرابلس العالمية، س2011-2012، ص3.

(7) انظر: سيمون فيشر وأخرون، التعامل مع النزاع (مهارات واستراتيجيات للتطبيق)، ترجمة د. نضال الجيوسي، RTC، 2000م.

(8) Mécanismes de justice transitionnelle

(9) انظر  على سبيل المثال: المبدأ الرابع من مبادئ  شيكاغو لعدالة ما بعد النزاع.

(10) انظر على سبيل المثال المادة الاولى من القانون رقم 13 لسنة 2013م بشأن العزل السياسي والاداري والتي تنص على سريان القانون على من تقلد المناصب المحددة في القانون اعتبارا من 1/9/1969م الي 23/10/2011م. والمادة 1 من قانون العدالة الانتقالية رقم 29 لسنة 2013م والتي تربط العدالة الانتقالية بأحداث سياسية بشكل يفسد العدالة الانتقالية ويحولها الي عدالة انتقائية. ويحاول هذا القانون فرض مفاهيم معينة كان يفترض الا يتدخل قانون  لفرضها قوانين بل كان يجب أن تترك للواقع ومدى قدرتها على التغيير والاقناع والبرهنة على امكانيتها في تنظيم المجتمع بشكل أفضل. انظر  الفقرة الاولى من المادة الخامسة من نفس القانون. وانظر-ايضا- الفقرة الرابعة من المادة الرابعة من نفس القانون التي تنص على ان هدف القانون كشف وثوتيق معاناة الليبيين في النظام السابق، وكان من اللازم- لكي تكون هناك عدالة انتقالية حقيقة- ان يكون هدف القانون كشف حقيقة كافة الانتهاكات والظلم سواء تعلق الامر بالنظام السابق او بالمرحلة الانتقالية.

(11) انظر المواد 197،198،199 من مشروع الدستور الليبي الصادر في مدينة البيضاء بتاريخ  19/04/2016م.

(12) قاسي فوزية، تجارب العدالة الانتقالية في القارة الإفريقية... (لجنة الحقيقة والمصالحة في سيراليون) نموذجاً، موقع قراءات افريقية.

(13) عرض خاص للسيد (زالاكيب) عضو اللجنة الوطنية التشيلية للحقيقة والمصالحة في المغرب. اشار له أحمد شوقي بنيوب، العدالة الانتقالية (المفهوم والنشأة والتجارب)، مجلة المستقبل العربي، المرجع السابق، ص140.

(14) انظر على سبيل المثال:  المبدأ السادس من مبادئ شيكاغو لعدالة ما بعد النزاعات.

مدينتى | 05/01/2017 على الساعة 13:42
https://www.contact-madinaty.com
احسنت على هذا المقال الذي يفسر ويعالج الواقع المضطرب الذي نعيشه...ولكن لدي تعقيب من ناحية فلسفة العدالة الانتقالية/التقليدية. أن العدالة في وصفها الحقيقي هي عدالة فوضعها في قالب التقليدية أو الإنتقالية كما وصفتهما يخرجها من المعنى الحقيقي للعدالة.
| 21/11/2016 على الساعة 21:17
فلسفة العدالة
احسنت على هذا المقال الذي يفسر ويعالج الواقع المضطرب الذي نعيشه...ولكن لدي تعقيب من ناحية فلسفة العدالة الانتقالية/التقليدية. أن العدالة في وصفها الحقيقي هي عدالة فوضعها في قالب التقليدية أو الإنتقالية كما وصفتهما يخرجها من المعنى الحقيقي للعدالة.
Ghoma | 19/11/2016 على الساعة 00:15
Monkey See, Monkey Do. II
The shenanigans of "transitional justice" and "reconciliation," etc, became buzzwords after South Africa's ANC's smokescreen acrobatics of so-called 'reconciliation' that practically ended where it started, nowhere! Granted that South Africa, Rwanda, and Sierra Leone fissures were deep and dramatic. That was not the case in Arab states' expediences. Changing of regimes, and even civil wars,don't warrant special Justice, since two sides fought each other, reached an impasse, and now they've to live with each other. Who is going to compensate who? There's no Nuremberg trials nor the theatricals of "out of Africa" type to heal the sorry wounds of fratricides that militias, gangs, and hooligans have caused. More akin to fake Herod who cut off their noses to spite their faces than committed fighters for viable causes! Arab states internal squabbles were/are either superficial tribal/clan/sectarian infighting issues or deep core differences on where and how to proceed forward. In both cases
Ghoma | 19/11/2016 على الساعة 00:13
Monkey See, Money Do. I!
The assumption, if not dichotomy! that there's some difference between a "traditional" and "transitional" justice is somehow an artificial one, in the best intentions, and/or a specious one in the worst. The Arab states parroting some other States's with far more different and traumatic experiences were some of the reasons that this awkward practice did not lead anywhere to speak of. The disturbances and chaos created by the political vacuum did cause some lawless behaviors that merit to be collected and recorded. But to creat a whole hubbub about justice and compensation is to stray way beyond what the focus must be on. How to build viable states that will prevent such occurrences to happen again. Who is going to compensate whom? What about those who lost communal properties? And what about those who lost their freedoms, careers, opportunities, and chances? All Libyans suffered under the previous regime but let's move on. Thanks. Ghoma
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع