مقابلات وحوارات

د. حسن الأشلم: مقاومة الأدب الشعبي وصلت حد النبذ الأكاديمي

ليبيا المستقبل | 2022/11/19 على الساعة 20:55

ليبيا المستقبل (بوابة الوسط): يمثل الأدب الشعبي مركز الالتقاء الأثير الجامع بين النخبوي والشعبي، والمحمل بأنساق ثقافية متباينة الاتجاهات مشكلة لفرادة هذا اللون، وهو يتجه لصياغة تاريخ حياة الأسلاف ووجهات نظرهم سلبا وإيجابا...

وتجسد الحكاية الشعبية إحدى دعائمه وسلطته المكونة لذائقة أجيال عبر مفازات الخيال والخطاب، ومن ذلك يتجه المسار الأكاديمي لاكتشاف مدلولاتها اللغوية والساند الفني والظرفي الداخل في طبيعة خصوصيتها.

ويأتي كتاب «الحكاية الشعبية في ليبيا من الشفاهية إلى الكتابية» الصادر مؤخرا للدكتور حسن الأشلم، أستاذ الأدب والنقد بجامعة مصراتة، خطوة في اتجاه تأثيث المكتبة النقدية والأكاديمية في هذا الجانب...

جريدة «الوسط» سلطت الضوء على الخلفيات التي استدعت ضرورات هذا التأليف في لقاء مع الدكتور حسن الأشلم جاء على النحو التالي.

> ما المصادر التي اعتمدت عليها في تأليف مادة الكتاب؟

المصدر الأول والأساسي بالتأكيد هو النص الحكائي الشعبي نفسه، سواء ما حملته الذاكرة الشخصية أو ما نقلته بشكل شخصي عن بعض الرواة، إضافة إلى ما جمعه البحاث سابقا، يضاف إلى ذلك الاستفادة من المصادر والمراجع سواء تلك التي تناولت الحكاية الشعبية بالتحليل النصي أم الثقافي، إضافة إلى الخبرة الشخصية في مجال السرديات، بحكم التخصص الأكاديمي الأصيل.

> أيضا الدوافع التي قادتك للكتابة حول هذا الموضوع؟

الدوافع كثيرة وذات شجون، بالتأكيد جزء منها شخصي وخاص في مسألة الاهتمام بالمحكيات الشعبية بمختلف أنماطها، وهي جزء من ثقافة كانت مؤثرة، وهنا أزعم أنني من الجيل الأخير الذي تتلمذ عليها، إضافة إلى مسألة الاعتقاد بأهمية هذا المورث الشفاهي وما يواجهه من مخاطر الاندثار، الأمر الذي يتطلب تسخير الوقت والجهد لتوثيق ما تبقى منه.

> كيف تفهم مسألة التعالي الثقافي على الأدب الشعبي الذي ساد المشهد النقدي الأكاديمي لعقود؟

الحقيقة أن التعالي الأكاديمي لم يطل الأدب الشعبي فحسب، بل طال السرديات بصفة عامة، ويكفي أن السرديات لم تدخل مجال الدرس الأكاديمي في ليبيا في النصف الثاني من التسعينيات، ناهيك عن تهميش الأدب الليبي نفسه، أما بالنسبة للأدب الشعبي فللأسف نرصد مقاومة شرسة لدراسته وصلت حد النبذ الأكاديمي، بمعنى ادعاء الكل عدم الاختصاص به، على الرغم من الدراسات المتقدمة في الدول المجاورة خاصة في مصر والجزائر، التي درست الأدب الشعبي في أكثر من اختصاص، كالدراسات الثقافية والاجتماعية، واللسانية... وهذا الموقف المعادي ليس سوى امتداد لثقافة موروثة، قيدت الأدب الشعبي ضمن السياق الشفاهي العام غير المعترف به من المؤسسة الرسمية الشعرية المفصحة تحديدًا.

> هل هناك خصائص فنية تميز الحكاية الشعبية الليبية عن غيرها في مصر وتونس؟

الخصائص الفنية أعتقد أنها متقاربة في النص الحكائي الشعبي بصفة عامة حتى على المستوى الإنساني، سواء على مستوى العناصر السردية أم التقنيات، وهي مشتركة إلى حد كبير إنسانيا حتى في أحداث القصة نفسها، لكن يبقى للثقافة المحلية صبغتها التي تصبغ الحكاية بها، لذلك نجد قواسم مشتركة كثيرة للحكاية في حوض البحر الأبيض المتوسط، ويبقى الاختلاف في مستوى اللغة المحلية أواستبدال بعض المسميات على سبيل المثال الأماكن والملابس، ونوع الأكل، وأسماء الشخصيات، حسب طبيعة المنطقة.

> هذا يقودنا للسؤال عن المقارنة بين الحكاية الشعبية في طابعها العربي عنها لدى الغرب الأوروبي؟

كما سبق وأشرت المشترك في نواة الحكاية موجود ومنتقل إنسانيا، لكن يبقى الاختلاف الثقافي فبحكم طبيعة المنطقة تظهر القيم ولا شك أن طبيعة المنطقة التي نعيش فيها ستفرض قيمها الثقافية والدينية والاجتماعية، فالأمير في نص سندريلا الغربي سيقيم حفلا لاختيار شريكة حياته، لكن في النص العربي ابن السلطان يرسل الخادمة أو الخاطبة لتبحث عن صاحبة الحذاء التي قرر الارتباط بها، هذا ما تفرضه الثقافة والعادات والتقاليد والمعتقد، لكن تبقى البنية والرسالة واحدة وإنسانية.

> انتقال الحكاية الشعبية من الشفاهي إلى الكتابي يبدو سهلا.. لكنه محمل بدلالة التحريف والإضافة وربما التغيير.. كيف تلحظ ذلك في الحقل الثقافي الليبي؟

موضوع الشفاهية والكتابية في الحكاية الشعبية بالذات يرتقي إلى مستوى القضية الإشكالية، فكما أن الكتابية تحمل في طياتها نية حسنة تجاه النص الشفاهي، من جهة التوثيق والحفاظ عليه من الاندثار، فإنها بالمقابل قد تسيء إليه من جانب آخر، وذلك على عدة مستويات أبرزها، أن الكتابية ستوقف تداولية النص، لأنها تثبيت للنص في لحظة رواية معينة، ولحظة الرواية تخضع لاشتراطات ظرفية تتعلق بحالة الراوي نفسه، أثناء رواية النص سواء على مستوى التذكر أو تعمد تغيير أو إخفاء أجزاء من النص، وبالمقابل هناك إساءة قد يحدثها الموثق للرواية إما لانعدام الخبرة أو التخوف من سلطة العُرف أو الدين، فيعمد إلى ترك ثغرات في المنقول كتابياـ وربما يتدخل في متن النص نفسه، كمحاولة تفصيح النص وتجاوز اللهجة.

> عندما نذكر الحكاية الشعبية.. نتذكر معارك وسيرا وأحداثا نشأت عليها مخيلة أجيال.. وهنا نسأل ما تأثير الحكاية الشعبية في الحقيقة التاريخية؟

هنا يمكن أن نفرق بين نمطين للسرد الحكائي الشعبي الأول هو الحكاية الشعبية وهي أقرب إلى الشعبوية التخيلية، وهي ذات بُعد إنساني عام سواء قامت على شخصيات شعبية متخيلة أم على قصص الحيوان، أما النمط الآخر فهو السيرة الشعبية، التي قامت على قصص حقيقية لأبطال لهم وجود تاريخي، وهنا يمكن أن نرصد الفرق بين الرواية التاريخية الرسمية وبين الرواية الشعبية لسير هؤلاء الأبطال التاريخيين، وهي بالتأكيد ستعكس التلاقي النفسي الشعبي لهؤلاء الأبطال، وستضفي عليهم أبعادا أسطورية خارقة، قد تصل حد الغرائبي والعجائبي.

> ما أثر الحكاية الشعبية في السرد الليبي «القصة الرواية».. هل استطاع السارد توظيفها لصالحه.. أم ظل التعامل معها على سبيل الإشارة فقط؟

للأسف لا يزال التفاعل السردي لكتّاب القصة القصيرة والرواية في ليبيا محدودا مع المدونة الحكائية الشعبية، هناك محاولات جادة لتوظيف المحكي بالتأكيد، كما هو الحال عند الكوني وأحمد يوسف عقيلة، وكذلك بعض الكتابات الموجهة للطفل، كيوسف الشريف، وخليفة حسين مصطفى، التي سبقتها في الريادة هنرييت سكسك فراج، وتبقى الحقيقة وهي أن الهوية السردية لا يمكن أن تتحقق إلا بالاستناد على خصوصية الهوية المحلية ممثلة في هذا الإرث الشفاهي العظيم المعرض للاندثار اليوم.

> ننظر إلى الحكاية الشعبية كأثر سابق لثقافة ثبتت في زمن معين.. لماذا توقف الخيال الشعبي عن إنتاجها؟ هل حقا تجاوزنا زمن الحكاية؟

زمن الحكاية لا يتوقف، فالإنسان بطبعه حكاء، لكن الذي وقع تجاوزه هو الموروث الحكائي الشفاهي شأنه في ذلك شأن ما تبقى من المنظومة الشفاهية كالشعر والحكم والأمثال، وإن كانت أكثر حظا من جهة التوثيق ربما للأهمية أو لسهولة التوثيق، نعم مرت الحكاية بمرحلة الثبات مع غياب مجالس المشافهة الحكائية بحكم تغير نمط الحياة وظهور التكنولوجيا، الأمر الذي يتطلب الإسراع في تدارك الموقف بالتوثيق أولا وفقا لمعايير علمية منهجية، وإحياء المشافهة الحكائية من خلال توظيف الوسائط الرقمية التفاعلية في ذلك.

 * نقلا عن العدد الأسبوعي من جريدة "الوسط"

بوابة الوسط السبت 19 نوفمبر 2022

-راجع: "الحكاية الشعبية في ليبيا من الشفاهية إلى الكتابية" إصدار جديد للدكتور حسن الأشلم

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل