مقابلات وحوارات

...الشاعر والناقد الدكتور نورالدين الورفلي: لا يوجد شعر نسوي وآخر رجالي

ليبيا المستقبل | 2022/09/23 على الساعة 05:38

الشاعر والناقد الدكتور نورالدين الورفلي: لا يوجد شعر 

نسوي وآخر رجالي، هذا تجنيس خاطئ، فالشعر هو الشعر

ليبيا المستقبل (بلد االطيوب - حوار/ سالم البرعوثي): أجد نفسي أمام شاعر يختبئ خلف إرث ثقافي وفلسفي عميق وعندما حشوت فعل الاختباء في هذه المقدمة لم يكن الأمر اعتباطا.. فالشاعر نورالدين سعيد يتجول أحيانا بين أسواق الكوفة وبغداد وحلب بحثا عن أبي الطيب المتنبي وفي اليوم الثاني يمتطي فرسا شهباء متجها نحو قرطبة للقاء ولادة بنت المستكفي ليهفو به كف الصبابة من ذكراها وقبل أن يكتمل البدر يكون مع جريس كيلي في حانة على الشاطئ يقاسمها بعض الكلام المتناثر عن وجهها الطفولي الحزين وكيف فرت الديكة أمام هيبة مجدها في ذات اللحظة التي يستمع كلاهما إلى معزوفة شبح الخريف من عازف القيثارة الإسباني باكو دي لوتسيا ليعود في اليوم الثاني إلى خيمة الشاعر الشعبي ارحومة بن مصطفى في أحد أودية بني وليد لينهل من شعره.

هكذا هو الشاعر نوالدين سعيد. تجربة ثرية يجمع فيها بين كل المتناقضات يفكك المشفر فيها ويعيد تركيب المشهد الشعري الحديث منه والقديم لينزع فتيل ألغامه غير مكترث بالمفاجآت مستعينا بخلفية نقدية يتفرد بها عن غيره من الشعراء.

يقول عنه الكاتب منصور بوشناف في مقدمة ديوانه الملكة الذي صدر مؤخرا للشاعر أنه ذلك الفلاح الذي يحصد من قلبه محصول ما زرع فيه المتنبي ونزار ودرويش وابن زيدون وشعراء أوروبا.

> ماهي الروافد التي صنعت تجربتك الشعرية؟

● تجربتي الشعرية خلقتها مسببات عدة، أولها كثرة التأمل منذ الصبا، وكثرة الصمت، والاستماع حتى إلى دبيب النمل، وهو يحمل بين فكيه طعامه ليخزنه، كنت أحياناً أتكئ لساعات وأنا طفل لفعل ذلك، وكنت أعشق الهسيس كذلك، هسيس الريح للأعشاب، وكذا عواؤها بين أغصان الشجر، وتأمل ساق زهرة وهو يخرج من التراب، وكذا رهافة الكائنات، حتى أنني لا أولي التعب اهتماماً وأنا أتأمل نباتات الفطر وكيف تخرج رؤوسها الصغيرة من طين الأرض، كانت الطبيعة ملهمتي الأعظم، ثم جاءت القراءة بتحريض من والدي وبتشجيع مستمر لي بالمكافآت.

في الشعر بدأت بزهير بن أبي سلمى، ثم انقضضت على ذي الرمة، واتجهت إلى المتنبي، ثم قفزت إلى الوراء، إلى الشاعر الأعظم في قاموسي، امرئ القيس، ثم طرت إلى الأندلس حيث استضافتني ولّادة، وعرفتني على ابن زيدون.. وهكذا حين خرجت موجة الحداثة، بدأت أميل إلى الثلاثة شعراء المؤسسين، بدر شاكر السياب، وأمل دنقل وكذا الشاعرة مي زيادة، وغيرهم.

بعد كل هذا جاءت ملهمتي الأعظم في الشعر، وهي الموسيقا. لا أظن أنني استمعت إلى كل موسيقا العالم، لكنني على الأقل، سمعت أهمها.. بدأت السماع للموسيقا منذ الصغر، وكنت ضمن الفريق المدرسي في الابتدائية أعزف على آلة الأكورديون. ومنها إلى الأورغن، ثم احترفت القيثار في شبابي، وتركته بعد مرحلة الجامعة. واتجهت مباشرة لتخصصي، السينما والفنون المرئية، وتكثفت بحوثي أخيراً في الأدب، فاهتممت بالعلائق التي تربط السينما بالأدب تحديداً، بحثت في اللغة وفي اللسان، وفي الفروقات بينهما، وعن الكيفية التي جعلت من السينما لغة، والموسيقا لغة، واللوحة التشكيلية لغة، والمسرح لغة، والشعر لغة في اتجاهين، لسانية وأيقونية، فالأدب مثلاً، عليه أن يأخذ الجانبين، اللغة واللسان.. تعدد اللغة الشعرية مثلاً، أعتبره الهدف الأسمى لصناعة أو لنقل بالأحرى، خلق النص، أو حياكة النص الخلاق.

حياكة النص الخلاق هي جوهر الإبداع والصنعة الشعرية منذ الأزل، لكنها مع ميلاد قرننا الحالي، الذي شارف على ربعه، كانت بالفعل مرحلة وإن لم تكن خلاقة بما يكفي، هي في رأيي مرحلة مهمة في منعطف تاريخ الشعر برمته.

اليوم نرى أصواتا شعرية عديدة، لولا أنها تحاكي بعضها في الكثير من الأحيان، فقط أن من بينها أصوات مختلفة، سأبدأ بمفتاح العماري كمثال لكلامي: مفتاح العماري، كنموذج بديع لشعر الحداثة في ليبيا وفي الساحة العربية، مثلاً أكتفي بنفسه، بمعنى أنه صنع لنفسه جبلاً من مواد خام، وبدأ في كل مرة ينحت منها شكلاً جمالياً يمثله هو ويؤسس مدرسته العمارية إن جازت الصفة، في كل مرة أجد مفتاح بشكل مغاير، لكن المادة الشعرية تنبئ به، أي أنها غير مختلفة في صميمها، إن صح التعبير عجنتها العمارية، هذا هو المقياس الأول على الأقل للشعر في رأيي: (أن يكون الشاعر هو).

الشاعر محمد المزوغي، شاعر لديه جبته المعطرة، وهو قانص ماهر لموضوعاته أصوات أخرى رائعة، شباب وفتيات وسيدات، رجال ونساء، ولا يوجد عندي شعر نسوي وآخر رجالي، هذه تجنيسات خاطئة، الشعر يجنس وفق قواعده ومدارسه، وأجناسه الشعرية، ولا يجنس في جنس من كتبه، ذكرا أو أنثى، لا أدعي أنني أول من تطرق لهذا، لكنني في ذات الوقت كنت سباقا من خلال مقالاتي المنشورة على صفحتي، أو تلك المنشورة في الصحف والمجلات العربية والمحلية، للإشارة إلى هذه القيمة المهمة بالذات، هناك أسماء أخرى، من الشعراء، ربما تخونني الذاكرة في ذكرهم، لكن سأنوه إلى الدكتور عاشور الطويبي، لديه تياره الخاص به أيضاً، ولغته مختلفة تماماً، هذا من الأجيال الأولى التي مهدت للحداثة.

أسوة بمفتاح العماري، في اتجاهات شعرية أخرى، أحيي محمد المزوغي، شاعر لديه جبته المعطرة، وهو قانص ماهر لموضوعاته، وثمة اسم آخر، لا يجب على الساحة إغفاله، وهو المهدي الحمروني، هو شاعر ممسوس فعلاً، ونبيل جداً، وطيب حد الشعر، وله أسلوبه وخاصيته التي تتمثل فيه، المهدي يكتب بكافة الأنواع ويجيدها كلها، لكن قد تصدم حين يكون النص متجهاً دائماً إلى مسار واحد، وهو صوفيته في اتجاه من يعشق، ربما الإطالة في البحث عن ذلك تشتت ذهن القارئ، لكن المهدي يصدمك حين يغلف نصوصه بألوان لا عهد لك بها، أو يحلي نصه ببعض النصوص المقفاة، ليختار لنفسه (متنبيها) لقد أرسل لي ذات مرة نصاً، وسمه بـ:

حتى كأنك ناظم، أهداه لي يقول فيه:

ومن مثلكم أبهى خيال قراءةٍ

وأدرى بما توحي الندى والملاحم

ولما التقينا في هواهم سبقتنا

ويا حبّذا في ما تحبُّ التقاسم

على أسطر الرؤيا على ضفة المنى

يُتاق لكم لكنه البعد قاصم

(…..) نص طويل، وفيه مدح محبة الخ.. هذا النص، أربكني جداً، وبدأت أقول لو أنني لست مدرساً، لملأت جبة المهدي ذهباً (هذه للطرفة حتى لا يمل القارئ) وحيرني في المهدي، وطرائقه، وإبداعاته، لن أطيل بشأنه.

ثمة أيضاً الشاعر عمر عبد الدائم، عتبي أنه نساج مبهر، لكنه يبخل في الوقوف عند نسيجه، هو يحلو له التجوال في مدارس عدة، وهذا دليل ثقافة مكتنزة، لكنه سيبتلع للأسف الأسلوب، عبد الدائم له أُسلوبه الذي يجب أن لا يهمله أبداً، أنصحه بالابتعاد عن الهياكل القديمة ولا ننسى الشاعر خالد درويش أيضاً.

وكذلك من الأجيال الجديدة، ثمة هود الأماني لو يجد له من ينصحه بالابتعاد عن سجن القافية، بمعنى أن لديه أشعارا رائعة مقفاة، لكنه لو يستمر ربما في القافية سيرتبك شعره، شاعر مبدع هذا الشاب، فقط لو يكثف قراءاته الفلسفية أكثر، لأن جوهر آلياته الشعرية فلسفي بأناقة عالية جدا، فقط إنه تقل حيلته في البريق الفلسفي نظراً لسنه فقط، هو يشع على طول قصائده، لكنه يخفق في فقره في الاتكاء على المعاني الثقيلة، ذلك يعني أنه سيجدها مع الوقت، وسيكون شاعرا له شأنه في الساحة العربية، ليبيا مليئة بالشعراء، لو تنتظم الساحة الشعرية فقط…

أسماء رائعة أخرى من الشعراء لا تحضرني الآن للأسف، وثمة شاعرات بالفعل مجددات.. سميرة البوزيدي وهناء المريض، وكذا حواء القمودي، حنان محفوظ.. وغيرهن الكثيرات.

يا إلهي أرجو أن لا أظلم أحدا بالنسيان في هذا اللقاء المفاجئ أو قول ما ليس فيهم أو فيهن، لأنهم يهمونني جدا وهم وهن أصدقاء لي وصديقات، ثم وللملاحظة، أن كلامي يخصني، بمعنى هو ليس حكما لا على الأفضل شعراً، ولا على الشعر، فقط ما جال في خاطري في لقائكم قلته.

> النقد في ليبيا، بدأ مبكراً تحديدا في القرن التاسع عشر، ما رأيك بالحركة النقدية في بلادنا؟

● في رأيي بدأ النقد مبكراً في ليبيا، منذ صُحفنا الأولى، في القرن التاسع عشر، منذ أبوقشة وطرابلس الغرب والرقيب العتيد، وغيرها… كان نقداً، وإن يكن بريئاً، يحمل همومه في طياته بالفعل، لكنني سأقفز من صحف بلادنا في القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، سأذهب إلى جريدة الحقيقة، المثال المهم للصحافة في منتصف القرن العشرين في ليبيا، وجريدة أو مجلة جيل ورسالة الرائدة.

سأذهب للخمسينيات وسأعرج على خليفة التليسي، التليسي ليس فقط مايسترو ويمتلك في تلك الحقبة المقفرة، آليات نقد، قل نظيرها، من أكبر المجتهدين كان التليسي، ومفردته النقدية لامعة ومبهرة، من الأدب إلى التاريخ، إلى الترجمة عن الإيطالية بحرفية لا مثيل لها، التليسي بالنسبة لي سيظل هو الأبرز في العالم العربي فيما يخص العارفين باللغة وبالثقافة الإيطالية مثلاً، تكفي معاجمه في اللغة الإيطالية، تلك التي تملأ رفوف مكتبات إيطاليا كلها، فما بالك ترجماته، ثم إنه شاعر كبير، وديوانه أثراني جداً في تجربتي في الكتابة الشعرية والنقدية على حدٍ سواء، ثم كتبه: قصيدة البيت الواحد، وروائع الشعر العربي، كانتا بالنسبة لي منبع شعر لا ينضب أبداً..

التليسي بالنسبة لي سيظل هو الأبرز في العالم العربي فيما يخص العارفين باللغة وبالثقافة الإيطالية.

أما ما يخص الحركة النقدية في ليبيا في أيامنا، فهي متباينة تماماً، لازال البعض يظن أن النقد هو السلخ والسب والهجوم وتزيين بعض الكلمات بالمثاقفة، هذا مضحك جداً، وفي المقابل العكس، وهو أن نثني بكل ما أوتينا من قوة على أعمال ونهمل الأخرى، هذا كلام بعيد للأسف عن النقد، النقد عكس كل هذا، وعلى الحراك النقدي أن يهتم بالروح الأساسية للنقد وماهيته، في التركيز على أن النقد هو ليس أكثر من تذوق عالي المستوى لكل حقول الأدب والفن والعلم.

مفتاح كل هذا هو الثقافة والحدس بغرض القراءة السليمة، القراءة الثقيلة المكتنزة بمعرفة سابقة، النقد هو المفتاح الأعظم لتحلية الإبداع، والحقيقة أن وجوده الأكاديمي ضروري ويجب أن نكثف جهدنا من أجل تجديد مناهجه باستمرار، أنا هنا ضد ما صرح به حتى بعض الكبار، بما فيهم سعيد عقل، الشاعر والمؤرخ والكاتب والأكاديمي العظيم، في كون النقد يجب أن ينزع من قواميس الجامعات، ويجب إلغاؤه، أنا ضد هذا الكلام ولا أرى في النقد على أنه يتوقف على وجود علة أو مسبب لوجوده، أبدا لا، بالنسبة لي كل شيء هو نقد، بما في ذلك حقول الفن، النص الشعري هو وإن لم نشعر بأنه نقد، هو نص نقدي قبل أن يكون شعرياً، القصة، الرواية، وكذا الموسيقا والفلسفة، والتاريخ، هذه الحقول تحمل في شيفراتها نقداً، قد يترجم عذابات وآلام، وورع، ومحبة إلخ.

كل هذه المجالات، في تأصيلها، ترسل رسائل نقدية أيضاً، أكثر من أي شيء آخر، وحين نصنع (نصاً مقابل نص) عليه أن يضاهيه في الإبداع، أو يتفوق عليه، وهو تعريفي للنقد، إنما نحن نربي بهذا النص المضاف، ذائقة القارئ، النقد نوع من أنواع التربية، وهو حالة أيقونية إبداعية يجب أن تكون شعرية، مهما كان النص المنقود، النقد من أخطر وأهم الحقول المعرفية، وعلى الجامعة فعلا أن تهتم به، وتؤسس له ما يتطلبه، وفي وجهة أخرى، أرى أن كل أصناف الأدب والفن، أراها يجب أن تكون شعرية كلها، فالموسيقا شعر، والقصة شعر، والتشكيل شعر، والسينما شعر، والعمارة يجب أن تكون شعراً هي الأخرى، أي حقل فني أو أدبي بلا شعر، هو حقل أعرج، وناقص التروية. الصادق النيهوم، أبو النقد الليبي وقد أحدث فارقاً عظيما في الساحة النقدية العربية.

في ليبيا لا أستطيع تذكر الأسماء النقدية كلها، التي قرأت لها، لكن بكل تأكيد هناك أسماء مثابرة، وإن يكن أن نصوص (بعضها) النقدية ضعيفة، لكنها لو تستمر بذات الروح، ستصنع شيئا بكل تأكيد.. وجهة نظري وإن يكن أن تعافي النص النقدي الليبي، سار ببطء، لكن بوادر التعافي صارت بينة وواضحة، وهذا هو الأهم.

بالنظر إلى الأسماء النقدية الليبية الأولى، نجد أن أسماء اليوم غير مهتمة بخطورة النقد، وحساسيته، البعض يملأ الساحة أحياناً بكلام مصفوف ومرتب، لكنه غير مشحون بالمعنى، كلام من أجل الكلام، هذا عيب، وعلى الناقد الذي يشعر بأنه غير قادر، عليه أن يثابر أكثر، أو يتجه لحقل علمي آخر، من العيب أن تعطب عقول الناس بعشرين كتاباً في النقد، وهي كلها مشحونة بالكلام غير المشحون بمغزاه، هذه مضيعة للوقت.. تعال أنظر إلى صادق النيهوم، أبو النقد الليبي أعتبره، الصادق ناقد كبير، عالم اليوم يعرف أن هذا الناقد أثر في النقد العربي نفسه، وتأثر به، ها هو كاتب وفيلسوف ليبي أحدث فارقاً عظيما في الساحة النقدية العربية.

في الستينيات مثلاً، لن تجد للصادق مثيلا، أحكي على المستوى العربي للنقد، من المحيط إلى الخليج، ثم وضع فيما بعد مشروعه التنويري الأخير قبل وفاته، بكتبه الثلاثة المعروفة، محنة ثقافة، وإسلام ضد الإسلام، والإسلام في الأسر.. وغيرها من الكتب المهمة التي جاءت قبلها، تلك التي تخص الشأن المحلي، والشأن العربي، كان يكتب بألم، وكان قد تنبأ بالعديد من الظواهر التي لم يألٌ لها العقل العربي بالاً.

> إذا ليست المسألة هذا ليبيا ً، وهذا لبناني وهذا جزائري، أو مغربي، إلخ، أو هذا ليبي ولأنه ليبي فهو ضعيف، ولأنه لبناني فهو قوي، ما هذا الهراء؟

● الحقيقة أن ليبيا مليئة بالأسماء الإبداعية، ربما لارتباك المشهد في عمومه في أيامنا، صعدت أسماء وغابت أخرى أكثر أهمية من الصاعدة، التاريخ الليبي برمته مظلوم، وهو محتاج لجهابذته وتشجيعهم على إعادة هيكلته بشكله الصحيح أسوة ببقية العالم أو على الأقل أسوة بجيراننا العرب قد تسألني لتقول لي بأنني ذكرت اسمين أراهما مهمين فقط، ولم أذكر البقية، أقول لك بصراحة أن البقية للأسف لا أستطيع الحكم عليهم، لأنني قرأت بعضهم ولم أستطع أن أكمل أعمالهم، مع احترامي الكبير لجهدهم، المثابرة ومعرفة القواعد النقدية، مع زخم المعرفة، ستصنع منهم شيئاً فيما بعد، أنا على ثقة.

> على ماذا تعتمد في كتابة الشعر؟ على المشاعر أم الكلمات أم الموضوع؟ في ديوان الملكة قرأتك تقول: ”أنثى طائر الدوري تغير على مخيلتي.. وتبني عشها بالورد في مقهى بقافيتي“. هذه الروعة الشعرية أراها جديدة على الشعر، ومكتنزة بالعلامات؟

● طيب سأقول لك، بالنسبة لِلُغة الشعر وكتابته، وعلى ماذا تعتمد، أظنني أشرت نوعاً ما في إجابتي في السؤال الأول، لغة الشعر عموماً، ولغتي الشعرية بالخصوص، تعتمد على مخزوني الشاعري، من الرؤية، وعلى زخم ما قرأته من لغة أيقونية، ومن لغة لسانية، أعرف أن كلامي هذا معقد، لكنني سأشرحه للقارئ:

ثمة فرق بين اللغتين، تعال أُعطيك مثالاً من الشعر الكلاسيكي العربي ما قبل الإسلام مثلاً، أقول ما قبل الإسلام، أقصد ما قبل التنوير الثقافي والحضاري لهذا الدين العظيم، الذي جاء بالعلم وعززه، لا أجزم أن الجاهلية تعني الجهل التام، بقدر جزمي بأن مرحلة الإسلام وميلاده الذي جاء على هيئة ثورة عظيمة لتحطيم الأوابد وعبادة الأفراد ووجهاء القبائل والسيد والمسود إلخ، جاء الإسلام واشترط القراءة والكتابة والتحضر، والسلوك الحسن، وترتيب الأشياء، والتحريض على الجمال والطهارة في الملبس والمأكل والمسكن، إلخ، فقط أن الشعر ربما كان أكثر تحرراً وربما أيضاً أكثر جمالاً وفي نفس الوقت أكثر وحشيةً، فانتظم فيما بعد الإسلام، لكن ثمة نقطة جوهرية هنا، أن الكثير من الشعراء كانوا لا يجيدون القراءة والكتابة، لكنهم يجيدون قراءة الأيقونة والصورة، قد تغيب لغة الكتابة والقراءة، لكن لغة الصورة تتعزز بالتأمل، التأمل في الأشياء وخلقتها، التأمل في الورود وأشكال الزهر، وكذا شم العطور من البلاتات الصحراوية، ذات مرة تخيلت أن امرئ القيس، نزل عن دابته ليجلس القرفصاء، أو يتكئ بمحاذاة حقل من الزعتر والخزاما، فقط لكي يملأ رئتيه بالعبير، قلت هذا، لم يذكر التاريخ أن امرئ القيس أو زهير أو الزير سالم أو طرفة ابن العبد سلك هذا السلوك، أنا فقط تخيلت، وقلت إن هؤلاء تجملوا في أشعارهم لكثرة احتكاكهم بالأشياء، فالأشياء هي التي عززت كلماتهم بالجمال، فجاءت بهكذا روعة، تعاطيهم للأيقونات هو المسألة المهمة في كتاباتهم الشعرية، دخلوا المدارس أم لم يدخلوا، هم تعلموا بالفطرة من خلال الأيقونة وليس من خلال الحروف الأبجدية، معلقة قفا نبك، لم تشهد عيني مثيلاً لها في الجمال، حتى أثناء تجوالي في روما أو فلورنسا، أو غرناطة، المشكلة هم يعملون شواهد لعظمائهم القدامى، ويحتفلون بها إلى اليوم، الكوميديا الإلهية إلى اليوم يحتفى بها، وهي مشروطة في التعليم الإيطالي، نحن بدأت مناهج الأدب والنصوص تتقلص، ولا يولى لها اهتمام في التعليم المتوسط، هذه مصيبة كبيرة، أقول مصيبة، لأن الأمر متعلق بالهوية والتراث، والشعوب التي تهمل تراها تُسحق من حلقات التاريخ، وتخرج خاسئة من مجرَّاته، الأمر ليس هين أبداً، وإذا ما وجدنا بأساً، في إعادة التقييم والترتيب، ترتيب بعض النصوص وتنظيفها فلا بأس، بمعنى ثمة أبيات ربما تحتاج إلى إعادة صياغة عن نصها الأصلي، أنا أحار كثيراً، كيف لامرئ القيس وهو القائل: ”وليل كموج البحر أرخى سدوله، عليّ بأنواع الهموم ليبتلي…“ إلخ، أو بيته المتحرك عبر التاريخ، ”مِكَرٍ مِفَرٍ مقبل مدبر معاً.. كجلمود صخر حطه السيل من علٍ“… أن يقول أبياتا أخرى فيها إباحة قد تضر بالموروث، ولكن لا أعرف، أنا أشك أنها مقحمة على المعلقة، والله أعلم، في العموم تراثنا يجب الاهتمام به، وشرحه من جديد، ويجب أن يدرس من جديد أيضاً، وبطريقة عصرية، هي وجهة نظر لا أكثر، أعود لأقول إن هؤلاء الشعراء الكلاسيكيين، أخذوا مادتهم من الأشياء ثم أحالوها إلى مناهج جمالية بالكلمات، دون أن يفكوا الحرف، ربما بعضهم نعم، وربما امرئ القيس يختلف بحكم البيئة ووجاهة العائلة كونه كان أميراً، لكن ثمة غيره استسقى منهجه بخبرة الأيقونة والوقوف على الأشياء، امرى القيس فعلها في الحالتين.

الحقيقة أن تجربتي الشعرية محض خاصة، ولا أستطيع أن أكذب عليك لأقول إنني أكتب لنفسي، أنا أيضاً مع أمبيرتو إيكو الذي صرح بأنه: (إذا قال لك أحد الكُتَّاب إنه يكتب لنفسه، فاعلم أنه كاذب) لأن النص لا يمكن بعد طباعته أن لا يطير لقارئه. إذاً باختصار إن لغتي الشعرية، بما أن السؤال موجه لي، هي تعتمد على هذه الأشياء الثلاثة مجتمعة، فقط أنني سأرتبها كالآتي: المشاعر، ثم الموضوع، ثم تأتي الكلمات.

ولادة بنت المستكفي أميرة عربية تفجرت موهبتها الشعرية في ظروف نكسة رهيبة ألمت بقرطبة وكافة إمارات وممالك الأندلس

كثيرة هي الأفكار التي يهملها الكاتب ثم يندم على اقتناصها بالكتابة، حالته الشعورية في هذه الحالة تم قمعها بالنسيان، حصلت معي هذه الأشياء، وحصلت مع الكثيرين الذين أضاعوا مواقف قصائدهم.

تقول لي كيف تحصل، أقول لك، إما مع النوم وتركها للغد، وإما مع الخوف من الكلمات. ولادة بنت المستكفي شاعرة، ثم أميرة، ثم أيقونة حضارة أندلسية تفجرت موهبتها الشعرية في ظروف نكسة قرطبة.

> من تاريخ الأدب العربي الأندلسي، تأسرك ولادة بنت المستكفي ما السر في ذلك؟

● تسألني عن ولّادة، وهي ملاحظة أعتز بها، لأنها دليل على متابعتك أستاذ سالم، أنا كتبت عن ولّادة كثيراً، لكن ثمة قصة قصيرة من جزأين عنها، نشرتها على صفحتي ولم أطبعها بعد، ستكون منشورة كاملة في هذه الصحيفة إن شاء الله، بناءً على طلبك الذي أشكرك عليه، كتبت عنها لأقتص لها من التاريخ، كونها أميرة عربية تفجرت موهبتها الشعرية في ظروف نكسة رهيبة ألمت بقرطبة وكافة إمارات وممالك الأندلس، وكانت سيدة حرة نبيلة، على عكس (في رأيي طبعاً) ما جاء في كتب التاريخ، أنا شرَّحت حالتها على أنها شاعرة، ثم أميرة، ثم أيقونة حضارة أندلسية، صحيح أن الفترة التي عاشتها ولادة هي من أكثر الفترات كآبة وهوان في تاريخ الحضارة الأندلسية بإسبانيا العربية في تلك الفترة، غير أن ثقل غصتها وكآبتها تفجرت في أشعارها لتظهر الأنفة والعزة، وليس العكس: في القصة مثلاً (وحين لقائي بها، كانت تصلح من حدوة حصانها الذي رأيته يعرج، ورأيت أن هذه السيدة تستخدم كل مواد الطب الإكلينيكي البيطري، سأقتطف لك فقرتين من القصة: (كانت قدم الحصان ملتهبة قليلاً، أخرجت ولادة مفكا حديديا يشبه “الهوف تستر” وبدأت تدق في البداية برفق على حذوة قدم الحصان، ثم وضعت الحذوة بين فكي الكلاَّب وضغطت برفق أيضاً، فحمحم الحصان، أدركت حينها، وإن كنا في منتصف القرن التاسع الميلادي، أنهم لم يتقدموا فقط في الطب البشري لكنهم أبدعوا في البيطرة كذلك، ساعدتها في فك الحذوة، فارتاح الحصان قليلاً“.. أما ما يخص أبياتها في قصيدتها البديعة، فلقد تأكدت (في القصة) من شيء آخر.. (كانت فرصتي في أن أتبين زركشة فستانها بحذر، الحقيقة أنني لم أقرأ شيئا، مما قرأت في سردنا حول البيت الشهير الذي قيل إنها خاطته على فستانها، عدا شطر واحد تبينته فعلاً: (أنا والله أصلح للمعالي.. وأمشي مشيتي وأتيه تيها).. ولم يكن ثمة أثر لبقية البيت الآخر كما جاء في الأثر. كنت أتصبب عرقاً، تمكنت من أن أستجمع باقي قوتي لأسألها عن البيت الآخر:

وهل صحيح أنك كتبت أيضاً “أمكن عاشقي من.. ولم أكمل، لقد اشتعلتُ غيرة، وكادت هي أن تنفجر، صرخت، أكمل.. ماذا قالوا؟ أرهقني الخجل، فحنقت الشاعرة: أكمل!.. أكملت لها باقي البيت مرتبكاً: (أمكن عاشقي من صحن خدي. .وأمنح قبلتي من يشتهيها). ـ هذا كذب صرَخت ولادة محتقنة، كل هذا افتراء، ثم أردفت: نعم ولم لا؟

وها أنا ومدينتي نعيش في ذروة هواننا وتخلخلنا الفكري، التخلخل الذي أصاب كل شيء معنا، قيمنا وأفكارنا فانجر وراءه شعراؤنا التافهون بالهراء والسماجة والقبح، نحن أسياد الجمال في كل العصور، نعم حين نتفكك من داخلنا، يأتي من يهيننا ببساطة، الحق معك فهذا البيت، لا غرو أنه قد أضافه أحد المارقين من العشاق، لينال من كبريائي، ثم اختنقت ولم تبكِ، كانت تتحدث بشمم عربية مجروحة.

لعبتي في النص كانت هنا، في هذا المقطع الأخير الذي اقتطفته من قصتي القصيرة، حكاية ولادة، وهو كفيل بالإجابة على سؤالك.

فقط أن ولادة كانت في شعرها تنسج أملاً، ولم ترد أن تصدق أن عرش أهلها قد آل للسقوط بل وتهدم بالفعل، ولاَّدة بالنسبة لي ليست ولاّدة بنت المستكفي فقط، لكنني أردتها أن تكون أيقونة حضارة عربية لأنها أنثى، والحضارة أنثى، ثم أننا وعلى طيلة ستة قرون ونيف لم نبرأ أبداً من الهوان والتفكك والحروب، والخسارات المتلاحقة، وكأننا نحمل دعاءً سيئاً لما فعلناه اليوم، وفعله أجدادنا الأندلسيون بالأمس، حين أرخوا زمام الحضارة، ذاهبين للنوم ، هذا هو كل شيء بالنسبة لولادة تقريباً.

> ما تأثير تجربة الثقافة الإيطالية على أعمالك الإبداعية النقدية والقصصية والشعرية؟ ديوان الملكة أيضاً كنموذج حدثنا عنه؟

● دعني أوضح لك أمرا مهما، كانت تجربة الثقافة الإيطالية فائقة القيمة الشعرية والأدبية والنقدية كذلك بالنسبة لي، ولقد غيرت حتى من مزاجي الشعري، في العام الأول من دراستي في إيطاليا، والذي استغللت أكثر من نصفه في التجوال بين المدن والحواري الإيطالية وهو تجوال في التاريخ أعتبره، كانت إيطاليا بالنسبة لي مثيرة للتساؤلات والجدل، أول الأسئلة الذي خطر ببالي، هي، كيف، بمعنى، كيف لبلد يكفيك أن تتجول فيه فتقرأ حضارته حتى وإن لم تمسس كتاباً، يكون قد غزا أهلك في مرحلة ما من التاريخ الحديث، ويكون قد وثق همجيته بهذا الشكل؟ ثم تصطدم بسؤال آخر، كيف لشعب أنيق في كل شيء، أكله ولباسه، ومسكنه، أن يتصرف هكذا، مع أهلنا العزل في تلك الفترة، حتى المثقف الإيطالي (الحر) بالذات، خجل جداً من هذه المرحلة ولا يريد استذكارها، هذه الأسئلة المتضاربة جعلتني أبحث، فوجدت الإجابة في مرحلة سياسة عنجهية، وليس في شعب إيطالي ممتلئ بحب الحياة والأمل، والفن والموسيقا، والمعمار، والحضارة التي مازال محافظاً عليها، أما في سنواتي الأخرى من الدراسة، فلقد احتككت بالشعر الإيطالي والسينما الإيطالية، وكذا الأدب الإيطالي الرفيع عالمياً، فجلست بالإضافة إلى محاضراتي ورسائلي العلمية، أقلب صفحات الأدب بصبر منقطع النظير، حتى توصلت إلى أن الأدب الإيطالي والشعر منه بالذات، ليس فقط أدباً، لكنه حقل يبحث في كل العلوم ويستخدمها، بل ويستخدم إجراءاتها البحثية، فالشعر الإيطالي منهج رياضي متكامل، منذ دانتي وحتى بزوغ اللغة الإيطالية وانفكاكها عن اللاتينية والأدب الإيطالي يستخدم منهجاً وطرائق قل نظيرها في باقي أصناف الأدب العالمي، بمعنى أن النص الأدبي يحتال إلى نسيج مضبوط في صنعته، ومتكامل في أبعاده الجمالية، الحقيقة أن تجربتي في الترجمة عن الشعر الإيطالي أفادتني كثيراً في تجاربي الأدبية سواء في القصة، أو في النقد، أو في الشعر، لذا أنت تحار في أغلب الأحيان إذا ما قرأت أولى مجموعاتي الشعرية (الملكة ونصوص أخرى) على وجه الدقة، أن نسيج شعري مختلف، ليس لسبب تأثري بالشعر الإيطالي أو حتى العالمي، لا ولكن لسبب منهجيتي في الكتابة، أسلوبي، الذي أريده أن يحمل أناي، ثم أنني أنا الآخر أحتار أيضاً إذا ما كان ما أكتبه شعراً أو ليس شعرا، أنا أعرف أن الذين قرؤوني بعمق سيلمسون ذلك، ليس في كل النصوص طبعاً، لأنني أستخدم الأنواع الثلاثة من الشعر إذا ما صحت تسمياتها، لدي التفعيلة وكذلك القافية، ولدي النص النثري، والحقيقة أنها تجربة خاصة جداً، أحاول عبرها أن أكتب حين تأتيني أفكار لنسجها بطريقتي، ومجموعتي الملكة، ناتجة عن تجارب حياتية محضة، واقتناص للحضات جمالية كنت فيها أريد أن أعكس حالتي، إنها مجموعة من النصوص المخلوطة، تاريخ بعضها يبتعد عن الآخر عشرين عاماً، أحياناً، لكنني آثرت أن أبقي عليها في الديوان، لأنها أشعار لحظة معينة، لم يكن في وسعي دسها عن الكتابة.

> كيف استطاع نورالدين سعيد أن يوائم بين رؤيته للشعر الحديث، والشعر الشعبي من خلال تجربته النقدية وبين ترجمته للأعمال الإيطالية؟ المسافة تبدو في نظري بعيدة.

● هذا السؤال جاءك من خلال قراءتك لبعض مقالاتي النقدية في الشعر الشعبي الليبي أيضاً، وهو مهم للغاية، وقد سألني بعض الأصدقاء حول ذلك، والحقيقة كانت لتجربتي في القراءة عن اللغة الإيطالية أثر فيه، الشعر الشعبي متعالق مع الموروث، وهو أمر في غاية الأهمية، وقد لاحظت أن الطليان، كبار النقاد والأدباء الطليان مثلاً، نقلوا تراثهم القديم من الأشعار الشعبية، والحكايات، الحدوثات الشعبية، والخراريف المقترنة بالشعر كذلك، وجددوا فيه، ووضعوه في كتب وفرضوه على الجامعات، كمنهج متخصص في كليات الآداب والفلسفة، هذه الرؤية أذهلتني، وجعلتني أفكر في تراثي النائم في عقول حكَّائيه، وفي عقول شعرائه الفحول الأفذاذ، من شعرائنا الشعبيين، سواء الذين غادروا الحياة، أو من هم على قيد الحياة، علينا هنا رفع القبعة احتراماً لمن أرشف الشعر الشعبي ودونه، ولمن كتب فيه، ولمن أبدع فيه، أحمد النويري مايسترو كبير، وقد حمل على عاتقه الشعر الشعبي وكتب فيه، وكتب عنه، ثم نقله إلى الإذاعتين بصوته، وبحضوره، عبر حلقات إذاعية تشهد له بالبراعة، منذ أكثر من نصف قرن، يجب أن أستذكر كذلك هنا الشاعر الكبير والمؤرخ للشعر والتراث الشعبي، الدكتور محمد سعيد القشاط، بذل جهداً غير اعتيادي أيضاً، إضافة إلى شعره الشعبي، الرقيق، والرائع، وكذا كثيرون غيرهما، أنا كتبت عنهما الاثنين، وعن جهودهما، وكتبت كذلك نصوصاً نقدية في الشعر الشعبي، لكبار شعرائنا، في الجنوب والشرق والغرب، وقوبلت بالترحاب، كتبت عن ملحمة عمي ارحومة بن مصطفى، شاعر كبير جداً، وجهبذ في الوصف، واستخدام العلامات الأيقونية ببراعة، كتبت كذلك عن شعراء شرقنا الحبيب، من أجدابيا إلى كافة المناطق، كتبت عن ملاحمهم المبدعة، ورِقّة أحاسيسهم، هنا أقول لك إن الشعر هو الشعر، شعبيا أو مقفىً، كلاسيكيا أو حديثا، فقط أنك حين تتبع الأيقونة، تدرك أن الشعر الشعبي يتفوق بشكل مذهل، نظراً لالتصاق شعرائه بالحكمة، وعشق المكان، ومحبة الأهل، وصفحات الجهاد الليبي التي كان الشعر الشعبي، من أكبر شواهدها في غياب الإعلام والإذاعات، الشعر الشعبي في تلك المرحلة كان أيقونة الإعلام، والأهم من ذلك أيقونة التاريخ الليبي لتلك الحقبة بأسرها.

هنا يجب أن لا نغفل أبداً، يقول بن مصطفى في ملحمته العظيمة مثلاً: النجع اللي فيه لولاليب دوازين ايجيبوا في الراي.. اللي كان مزرب تزريب على منهل عز السقاي اليوم دونه يشوب تشويب سراب ايهيل ناي بناي.. وقارات اتقول مراكيب بعد فاتوا عقبنهم جاي.. إلخ… هذا غناء بديع، هذا تصوير يعجز كبار المخرجين عن اللحاق به، لهذا تحفزت على الكتابة بصددهم، لاحظ التتمة التي جاءت على هيئة تميمة مغلقة للسؤال: “انزاحوا فرسان التّصليب عرب كوت ينغنع بكّاي” وما كِنهم جعلوا ترتيب عسايس داروهن هاناي ولا ركبوا في ازوار سبيب.. ولا ظهروا والرومي جاي هذا تاريخ، فصل كامل من تاريخ ليبيا في أبيات، ثم أن الملحمة طويلة اشترك فيها الشاعر مع أبورويلة المعداني، كيف نهمل كل هذا التراث ، وهو أعظم حتى من الأفلام السينمائية  انزاحوا فرسان التّصليب عرب كوت ينغنع بكّاي، هذا البيت تفوق على امرئ القيس، بين حصان يجري فقط عند امرئ القيس، وبين حصان يسابق الريح ويبكي فراق أهله عند ارحومة بن مصطفى، أنا اكتشفت هذا، وتساءلت، كيف للسينما أن لا تستعين بالشعر الشعبي أبداً، هذه الملاحم أفلام عظيمة، لاحظ هنا مثلاً:

ملاقاية شلاّقْ وذيب تلاقوا هذاك وهذاي

ربخ سوق يدير لهاليب التمّ البايع والشراي

بدنْ فيه عقود سباويب بيهّن نيار وسدّاي

قوة الوصف، حين يرسم الشاعر المشهد في بلاغة تقشعر لها الأبدان، ويرتعد أمامها الدماغ، حين يلتقي الجمعان ويتصادمان، كدخول ذئب أهاجه الجوع في قطيع خراف.. هذه أمثلة سقتها لك يبدو الكثير من الحداثويين خجل منها، هذا الهراء يجب أن ينتهي، وأن يوضع كل شيء في نصابه، وأحقيته، المفارقة التي تقول إنها بعيدة أخي سالم، لأنك تراني أختبر أمبيرتو إيكو وأوجينيو مونتالي، وإيتالو كالفينو، تقول لي ما دخل هذا، أقول لك إن هؤلاء هم من علمني أن لا أتغافل عن أدبنا الشعبي، وأشعارنا الشعبية الرائعة، لأنها تتشاكل في هويتنا، مهما امتد بنا وبها الزمن، سابقاً ولاحقاً.

الشعر الشعبي أقترح أن يؤرشف ويجمع، ويدخل حتى في الدراسات الأكاديمية العالية والدقيقة، أحيي هنا جهود بعض الأساتذة، والذين يحضرني منهم الدكتور قريرة الزقون من كلية آداب جامعة طرابلس، في اهتمامه بالشعر الشعبي بكافة أصنافه التي أخذ عبء تشطير الكثير منها، والأيقونة الشعرية الشعبية بالذات بالذات.

أشكركم على اللقاء متمنياً لكم التوفيق، شكراً لك أخي سالم، شكراً للسيدة رئيس التحرير في جريدة فزان أو فسانيا، شكراً للمحررين ولكل الطاقم العامل، لكم محبتي.

> خاتمة اللقاء..

ليس من السهل الولوج إلى خبايا ووجدان الشاعر نورالدين سعيد وهو الذي يركب الغيمة دون أن تسمع وقع خطواته. إنه نوع آخر من الشعراء إحساسه عالٍ ونصوصه مختلفة ترتكز على فلسفة خاصه به دون غيره. شكرا نورالدين سعيد على هذا اللقاء الذي أتمنى أن ينال رضا قراء فسانيا.

حاوره/ سالم البرعوثي

بلد االطيوب، 21 سبتمبر 2022

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل