مقابلات وحوارات

حنان علي كابو في حوار مع الكاتبة والقاصة الروائية كوثر الجهمي

ليبيا المستقبل | 2021/09/12 على الساعة 23:53

"القصص والروايات العظيمة إما أن تحزنك، أو أن تدفعك للتفكير!"... "الكاتب طفل مشاكس، يرفض الكذب ويستخدمه في آن واحد"... "السوشال ميديا خلّصت الكاتب في عصرنا من عزلته"... "عايدون كلفتني أعصابا متشنجة، وشكوكًا لا تنتهي!"... "فاصلة هي (جيم) أقلامنا، دفعتني للحفاظ على لياقة قلمي الأدبية"... "نصوصنا أطفالنا، وفاصلة هي الأم الروحية لنا ولأقلامنا"...

ليبيا المستقبل (السقيفة الليبية - حوار/ حنان علي كابو): الكتابة عند الكاتبة القاصة والروائية كوثر الجهمي تغسل عن أرواحنا غبار الحياة الأسود، تغسل عنها تراكمات الزمن ومآسيه. بدأت رحلتها مع الكتابة كمتعة، ثم ملجأ وأصبح قدرا لاتملك منه فكاكا، كما ترى أن الرواية هي الملعقة البلاستيكية ذات الألوان الزاهية التي نُطعم بها عقولنا ونغذي بها مشاعرنا. تحصلت كاتبتنا عن جائزة مي غصوب بروايتها "عايدون" التي أشأرت إليها أنها الطريق المختصرة الجانبية التي -لحسن حظها- انتبهت إليها بينما كنت تركض في ماراثون الكتابة والتأليف… في هذا الحوار نقترب من عوالمها في الكتابة والقصة والرواية:

- الفن يغسل الروح، غبار الحياة اليومية ،"بيكاسو "،والكتابة ماذا تفعل؟

> الكتابة هي شق من الفن، ولا أرى تأثيرها يختلف عما سواها؛ فكل فن يغسل عن أرواحنا غبار الحياة الأسود، يغسل عنها تراكمات الزمن ومآسيه في هذه البقعة من العالم الثالث تحديدًا، يمسح عن جباهنا عرق الكفاح اليومي لأجل اللقمة، وينقي ما تتركه عوادم المركبات العسكرية بآلياتها في أجوائنا، الفن ينقذ آذاننا من الصمم الذي تسببه الانفجارات ومنصات الصواريخ. الفن طوق النجاة الوحيد المتبقي كي نحافظ على عقولنا من فقدان الذاكرة، ونحمي قلوبنا من الزيف، حتى وإن بدا جميلا في الظاهر، وليس على الفن أن يكون رومانطيقيا كي يفعل كل هذا، يكفي أن يكون صادقًا.

- لماذا الكتابة؟

> سؤال محير حقًّا؛ فأنا لا أذكر أني في لحظة ما قررت أن أصير كاتبة، يبدأ الأمر كمتعة، ثم ملجأ، ثم تكتشفين فجأة أنه قدر لا تملكين منه فكاكًا.

- كتبتي.. "قليلة هي القصص التي تبكيني".. هل على القصص ان تبكينا؟

> كنت في هذا السياق أعني من بين القصص الحزينة؛ ولكن بمناسبة هذا السياق، أظن أن القصص والروايات العظيمة إما أن تحزنك، أو أن تدفعك للتفكير وإعادة التفكير، أو أن تفعل بك الأمرين معًا.

- عايدون الحائزة على جائزة مي غصوب ،ما اللحظة التي شعرت كوثر أنها على وشك الانفجار والتمرد لاطلاق العنان لخيالها واعادة بلورة هذا العالم من جديد؟

> مهلا، لم أفكر أبدًا في إعادة بلورة العالم، أنا فقط أشارك القراء جنوني، غضبي، شكي وحيرتي اللامتناهيان، أحاول مسح الزجاج المضبب، غير مكترثة –بالضرورة- بالأثر الذي ستتركه أصابعي عليه. أما عن اللحظة التي قررت فيها مشاركة كل هذا الصخب، فقد كانت وليدة سنوات من حمل انتفخ به عقلي، خُصّب فيها بعشرات الكتب والأفكار، عن الحرية والقومية، عن الكفاح والغضب والتمرد، عن التهميش والجوع والرفض.. أنَّى لقلب أن يحتمل كل هذا!؟ كان عليه أن ينفجر بولادة شيء ما، بالنسبة لي كان هذا الشي رواية "عايدون"... سأعود قليلا لسؤالك السابق، أعتقد ان الفن ليس وسيلة لغسل الروح بقدر كونه وليد الفجائع والأحزان، الفن نتيجة حتمية لمحاولاتنا الحثيثة للتأقلم مع بشاعة العالم.

- هل على الكاتب أن يغير، ام يقدم الصورة الواضحة للمشكلة زواياها، حلولها وتعقيداتها؟

> لا أعتقد ان الكاتب "حلّال مشاكل"، ولا أؤمن بقدرته المطلقة على رؤية الأمور بوضوح، ولا بقدرته على تفكيك العقد، هو فقط يناقش، يطرح، يعري الواقع، ينزع عنه ثوب المثالية ويمسح عنه "مكياج" العقلانية. الكاتب طفل مشاكس، يرفض الكذب ويستخدمه في آن واحد، يكذب كذبة جميلة، كي يفضح الكذبات البشعة.

- أضاف العالم الافتراضي الكثير للادب والثقافة، والرواية في نظر الجهمي ماذا اضافت؟

> الرواية هي الملعقة البلاستيكية ذات الألوان الزاهية التي نُطعم بها عقولنا ونغذي بها مشاعرنا، فطبيعتنا -نحن القراء- غالبًا ترفض التلقين، وعلى سبيل المثال: قد نحفظ عن ظهر قلب الأحداث التاريخية الحقيقية التي وردت في سياق رواية ما، رغم أننا لم نستطع حفظ نفس هذه الأحداث حين درسناها في مادة التاريخ! أليس الأمر طفوليًّا!

- هل المكان يفرض لغته برمته وشخوصه؟

> بالتأكيد، لا المكان فقط، حتى الزمان يفعل ذلك، فالكتابة بلسان رجل عاش منذ مائة عام مثلا، لن تكون صادقة إن كتبناها بمنطق وأسلوب رجل هذا الزمان، حتى وإن كان المكان نفسه.

- رئيس تحرير، روائية، قاصة، مدونة، هل الكتابة فعل اقتراف؟ اين تجد كوثر نفسها، ام كل المسميات تؤدي للكتابة؟

> كان الأمر في بدايته ورقة وقلم، فقط، دون ألقاب أو مسميات، ومازال كذلك، إلا أن الكتابة فعل متطور، إن لم يتطور فهذا يعني وجود علّة ما، والتطور يأتي في عدة أشكال، بالنسبة لي بدأ بالتدوين في الظل، باسم مستعار "سيدة عادية"، ثم قررت الإعلان عن نفسي والخروج من القوقعة، بدات النشر في منصة فاصلة، اجتهادي والبيئة المثرية التي وجدتها في المنصة خولتني للعمل بصفتي عضوة في فريق التحرير، ولنفس الأسباب لاحقا صرت رئيسة تحرير بها، أستمتع بعملي في هذا الوسط، وبالمناسبة، يحتاج الكاتب بيئة حاضنة يحيط نفسه بها إن أراد التطور، لن يفيده إحاطة نفسه بالمصفقين والمجاملين من أصدقائه العاديين وأقاربه، عليه أن يربط نفسه بأصدقاء في نفس حقله وشغفه، أعتقد إنه إن لم يفعل ذلك فلن يتطور، ولن ينمو، وسيجف حبره حتى دون أن يعرف. ليس بالضرورة انضمامه لكيان بعينه، يكفي أن يرافقهم حتى إلكترونيا فقط، وقد سهّلت السوشال ميديا هذا الأمر، وخلّصت الكاتب في عصرنا من عزلته.

- ما الكتاب الذي تعاطفت معه، والذي احببته حقا، ما الذي حقدت عليه، والذي ظننتي انه مزعج كثيرا، واي الكتب خفيفة الظل؟

> هذه الكتب هي ما تبادر لذهني لحظة كتابة إجاباتي، أي أنها لا تعني أن الكتب المذكورة وحيدة في التصنيف المطلوب. كتاب تعاطفت معه: "خرائط التيه" لبثينة العيسى، بكيت كثيرًا خلال قراءته، وتسبب لي بالكوابيس لعدة أيام بعدها!.. كتاب أزعجني: "القرد العاري"، لديزموند موريس.. كتاب خفيف الظل: "صاحب الظل الطويل"، لجين ويبستر.

- تطل الحرب من كل الزوايا، من على النوافذ، تخترق جدار الروح، الكتابة عن الحرب محاولة توثيقها، ام التخلص منها؟

> كلاهما، نحن نوثقها، نخلص ذاكرتنا من بعض ثقلها، وفوق هذا، نتركها للأجيال القادمة، علهم يتعلمون!

- هل تكتبين القصة للتخلص من سرد الرواية ومسالكها، ام تفضلين الرواية لجلوس كثيرا مع شخوصها واثارة نوازعهم؟

> الموضوع يفرض مجاله، حدث أن قررت كتابة رواية حيال موضوع معين، وحين بدأتها اكتشفت انها قصة قصيرة من 10 صفحات! او قد يحدث العكس، من يدري؟

- عايدون مزجت مابين الواقعية والفانتازيا، طرحت مشاكل وقضايا عربية وانسانية، بمتانة السرد وقوة البناء والتركيب، كيف امكنك ذلك؟

> بالقراءة، والبحث، والكثير من الخطأ والتصحيح، هذا عمليًّا، اما على الصعيد الذهني، فقد كلفني أعصابا متشنجة، وشكوكًا لا تنتهي (حتى بعد نشرها)، والكثير الكثير من الصبر والمحبة.

- جائزة مي غصوب ماذا تمثل لك؟

> الطريق المختصرة الجانبية التي –لحسن حظي- انتبهت إليها بينما كنت أركض في ماراثون الكتابة والتأليف.

- عايدون كيف تنظرين لها الآن؟

> أنظر لها بالطريقة التي أنظر بها لابنتي البكر، فالكُتب أطفالنا أيضًا. احتفيت بولادتها، دعمتها كي تقف على قدميها وتمشي أولى خطواتها، تقبلت عثراتها، ثم أطلقتها للعالم، تاركة لها حق اكتشافه، وللعالم حق اكتشافها.

- على ماذا تعكفين هذه الايام؟

> كلما غرقت في الكتابة اكتشفت فيها أعماقا جديدة، أعكف حاليا على بضع مقالات وقصص، وعلى رواية جديدة، لا أدري متى سأنتهي منها.

- هل تزمعين جمع قصصك لنشرها؟ وكتابة القصة الى أين تذهب بك؟

> نعم، أفكر في جمع قصصي بجدية، إلا أني مترددة حيال الآلية والتصنيف. لا يهمني إلى أين تذهب بي القصة، المهم أني مستمتعة بالرحلة.

- لماذا فاصلة؟ ماذا منحتك؟

> فاصلة عرابتي، فاصلة هي المنصة التي قدمتني للناس، فعززت ثقتي بنفسي، فاصلة مثل "الجيم"، نحن نقصد الأندية الرياضية للحفاظ على لياقة أبداننا، فاصلة هي "جيم" أقلامنا، دفعتني للحفاظ على لياقة قلمي الأدبية، أغنت جعبتي بالمواضيع والقضايا، وساعدتني على المواظبة. والأهم من كل هذا، أنها وفرتْ لنا مساحة من الحرية في اختيار المواضيع، وفرت لنا الحماية كذلك من خلال ألبوم "من وراء حجاب“. لسنا في حلبة منافسة، لم يكن الأمر يومًا على هذا النحو، بل على العكس تمامًا، نحن نحاول دعم بعضنا في النصوص التي يتم نشرها، نصوصنا أطفالنا، وفاصلة هي الأم الروحية لنا ولأقلامنا. كيف لي أن تتاح فرصة أن أكون فردًا في أسرة كهذه ولا أستثمرها!؟ لو لم تكن فاصلة موجودة، هل كنت سأصل لنفس النتيجة! ربما؛ ولكن بفارق زمني أكبر! ولكني لم أكن -بأي حال- سأجد الكيان الذي يدعمني دعمًا شخصيًّا بهذا الشكل، ويحتفي بكل هذا الحب بعملي الأول!

- مقصلة الذات هل تؤثر في لحظة الكتابة؟

> تؤثر بشكل إيجابي، إن كانت نابعة من الضمير، ودافعة لتحري الصدق دون الانجرار وراء متطلبات سوق النشر، مع احترام عقلية المتلقي.

حوار/ حنان علي كابو، السقيفة الليبية - بوابة ليبيا المستقبل الثقافية، الخميس 20 فبراير 2020

راجع:

- حوار كوثر الجهمي مع «اللواء»

- كوثر الجهمي: مفارقات طريفة

- كوثر الجهمي: تأثرتُ بغادة السمان

- فايز علام: "عايدون"... رواية تحكي عن ليبيا اليوم

- ”عايدون" لليبية كوثر الجهمي تفوز بجائزة مي غصوب للرواية

- يصدر قريباً عن دار الساقي "عايدون" لـ كوثر الجهمي

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل