مقابلات وحوارات

“عبد الحكيم المالكي”: المشهد الثقافي الليبي يُبشّر بتطورات واعدة

ليبيا المستقبل | 2021/09/12 على الساعة 22:28

ليبيا المستقبل (رادار نيوز - حوار/ أية ياسر): هو ناقد أدبي ليبي، يختص في مجال السرديات، عضو مؤسس ورئيس المختبر النقدي بمصراتة، صدر له العديد من الكتب أبرزها: (السرديات والقصة الليبية القصيرة.. نحو مدخل للتقنيات والأنواع)، عن مجلس الثقافة العام، 2006م. (آفاق جديدة في الرواية العربية)، صادر عن دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة 2006م. (استنطاق النص)، عن مجلس الثقافة العام 2008م. (جماليات الرواية الليبية)، عن جامعة مصراتة 2008. (استنطاق النص الروائي)، عن دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة، 2008م. الجزء الأول من سلسلة الدراسات السردية بعنوان: (السرديات والسرد الليبي)، ويتكون من الكتب الثلاثة التالية: (الكتاب النظري للسرديات)، (السرديات والرواية الليبية)، (السرديات والقصة الليبية القصيرة).

إنه الكاتب والناقد الليبي الكبير “عبد الحكيم المالكي”، الحاصل على العديد من الجوائز والمشاركات الأدبية، أهمها: جائزة الشارقة سنة 2006م في مجال النقد بمخطوط كتاب (آفاق جديدة في الرواية العربية)، جائزة ناجي نعمان بلبنان سنة 2007م عن مخطوط كتاب: (استراتيجيات الفعل في الخطاب الروائي)، جائزة الهيئة العامة للثقافة في ليبيا سنة 2010، جائزة الدولة التشجيعية بليبيا 2010.

وحول مستجدات المشهد الثقافي الليبي وواقع الأدباء بالداخل في ظل الحرب والصراعات المسلحة، كان لنا حوار مع الكاتب والناقد الليبي الكبير “عبد الحكيم المالكي”:

> كيف تري المشهد الثقافي الليبي الراهن بعد مرور 10 سنوات على ثورة 17 فبراير؟

● المشهد الثقافي الليبي بشكل عام طيب ويبشر من خلال جيل كتاب جدد بتطورات واعدة، بالإضافة إلى استمرار التراكمات من كتاب سابقين. ما حدث من تحولات بعد ثورة فبراير ساهم بشكل كبير في تنقية المناخ من الكتابة المؤدلجة التي تؤله الفرد، وعلى الرغم من الأحداث الدرامية الهائلة التي حصلت، إلا أن الكُتّاب في عديد المناطق في ليبيا يستطيعون أن يكتبوا ما يريدون وكيف يريدون، وهذا يعد في حد ذاته مكسبا، مالم يستغل بطريقة سلبية، يضاف إلى مسالة القدرة على الكتابة في أي موضوع/ الحرية، نجد أن النشر قد تخلص بشكل طيب من القيود السابقة فصار بإمكان أي شخص أن ينشر ما يشاء لو امتلك مصاريف الطباعة او ينشر ما يشاء الكترونيا.

> برأيك ما أبرز التحولات التي شهدها الأدب الليبي من حيث الأسلوب والموضوعات وكم الانتاج الأدبي المنشور؟

● لا امتلك أرقاما دقيقة حول المشهد الثقافي الليبي لكن بشكل عام هناك كم طيب من الروايات والقصص والدواوين الشعرية والكتابات الأدبية الأخرى نقدية أو ثقافية تصدر الأن، وأعتقد جازما أن الفترة بعد منتصف العشرية الثانية قد شهدت تحولات كبيرة في هذا المجال. وعلى الرغم من كون الإضافة الليبية للأدب العربي قد تكون بشكل ما محدودة، إلا أنها من حيث النوع مميزة وهذا الحكم أصدره بحكم إطلاعي على تجارب عربية مختلفة، يستمر عبدالله الغزال في الكتابة وكذلك محمد الأصفر ونجوى شتوان وعائشة الأصفر وأحمد نصر واحمد ابراهيم الفقيه الذي توفى سنة 2018 وكان يكتب روايات جديدة، كما يستمر عدد كبير من الشعراء وكتاب القصة في إصدار مجاميعهم.

نجد أيضا أنه قد صارت لدى بعض من الكتاب ثقافة المشاركة في المسابقات الأدبية الخارجية والداخلية، وهذا شيء صحي، يمكن أن يعرف بالأدب الليبي بشكل أكبر، وسأفصل في هذا في إجابة سؤال أخر.

> كيف ألقت الحرب والثورة بظلالها على الأعمال الأدبية الليبية؟

● سأتحدث في أمور الحرب والسياسة لأصل للفكرة التي أقصدها وقبلها سأعرج على ظاهرة روائية مهمة ليبيا وعالميا وهي ظاهرة إبراهيم الكوني: كتب إبراهيم الكوني عشرات الروايات والكتب الفكرية كان في كل ذلك مخلصا لمكون الطوارق أحد المكونات الليبية، فكان يمجدهم ويزينهم ويضفي عليهم من الجلال والجمال ما فيهم وما ليس فيهم، هذه التجربة بالإضافة لما سأذكره من أحداث الثورة الليبية ساهما في حصول ظاهرة العودة للمكان والانطلاق منه، حيث حاول النظام السابق في ليبيا أثناء خوضه للحرب ضد ثوار فبراير أن يصنع شرخا اجتماعيا بين الليبيين: حضرهم وباديتهم، شرقهم وغربهم وجنوبهم، وقد كانت حربه الأكبر هي الحرب الإعلامية، وكانت تسعى إلى الفتنة والوقيعة بين الليبيين، وقد فشل في ذلك المخطط إلى حد كبير، وكان أن ظهر من نتائج تلك الحرب الممنهجة اجتماعيا، على قساوتها وألمها، ظاهرة عودة الكتّاب للنهل من مناطقهم أو من المناطق التي يحبونها، خاصة وهم يرون نجاح تجربة الكوني وهو يتجه إلى مكونه الطارقي والصحراء يبرزها إلى العالم، وهي في تصوري ظاهرة صحية إن أجتنب الكتاب الشطط الذي أجده في بعض روايات الكوني بخصوص المكونات الأخرى في الجنوب الليبي أو بخصوص أهل الشمال.

فكان أن اتجه إبراهيم الأمام في كل أعماله للكتابة عن مدينته غدامس، وصار ظاهرة يشار إليها، وكتب شكري الميدي عن مكون التبو في ليبيا، خاصة في روايته الأخيرة (العائلة) وكان مميزا في ذلك، كما كتبت عائشة إبراهيم عن مدينتها بني وليد في روايتها الأولى قصيل، وكتبت عائشة الأصفر عن سبها عاصمة الجنوب وعن مناطق قريبة من سبها في روايتها النص الناقص، وكتب محمد الزروق عن حي السلماني وعن بنغازي في روايته بر الحبش، وحقيقة فإن أغلب تلك الأعمال كانت متوازنة وهي تتعاطى مع باقي التركيبة السكانية الليبية.

> ما هي أبرز الأعمال الأدبية التي تناولت الثورة الليبية؟

● الثورة باعتباره حدثا ضخما كبيرا سواء عند مناصريها، أم عند أعدائها، تحتاج عند الكتابة عليها أن يمتلك الكاتب القدرة على الخروج من سطوة الحدث إلى جمال السرد، وبغض النظر عن المستوى الفني لتلك الأعمال، فقد تناولت عدة روايات أحداث الثورة وما بعدها بشكل متباين وتصورات مختلفة، بعضها نجح أن يوظف الهامش لإبراز المتن، وكان بذلك مميزا والبعض الأخر دخل في الموضوع مباشرة، وهو ما أوقعه في المباشرة وجعل نصه ضعيفا، بينما البعض الأخر يحترف كتابة الرواية، سأذكر هنا النصوص التالية:

رواية (أم الزين) للأستاذة غالية الذرعاني التي صورت أحداث الثورة في بنغازي باعتبارها هامشا لمتن أكبر هو متن السيدة التي تسعى لاستعادة ابنها، وهي بذلك تدخل إلى ما يمكن وصفه بالرواية النفسية، كما نجد رواية (كيف تُقْتَل امرأة) لعبدالله الغزال التي كانت أحداث الثورة هامشا فيها بينما المتن هو ما تعيشه تلك الأسرة من ألم وظروف قاسية وهي نموذج عن ليبيا زمن حرب الثورة وبعدها.

> كيف تناول الأدب الليبي بعد الثورة فترة حكم القذافي وسقوطه؟

● كما قلت سابقا كان التناول مختلفا، وكان كل كاتب يعبر عن توجهاته، مثلا هناك نص عنوانه (خنزير العتعت) للأستاذ ابو القاسم عبدالله، يصور الأحداث في ليبيا منذ سبتمبر 1969م إلى فترة ثورة فبراير ويركز على الحياة الشخصية للقذافي فترة الثورة وعلى إجرامه وتناقض حياته، بينما أتصور أن هناك نصوص أخرى ربما تكون مختلفة في تصوراتها ورؤيتها، فهناك من يركز على وضع الليبيين بعد الثورة وما يتعرضون له من أزمات، وهناك من يصور الأزمة من وعي شاب في مدينة سرت عند دعم حلف الناتو لثوار فبراير ضد القذافي زمن الثورة، كما في رواية الأستاذة عائشة الأصفر (علاقات حرجة)، بينما هناك رواية قمر أسود لمحمد المقطوف التي تركز على تجربة الهجرة غير الشرعية وأثر انهيار نظام القذافي على أهل مالي والنيجر وذلك من وعي شاب من مالي مهاجر.

> ما هي أبرز الأعمال التي صدرت بعد الثورة وحققت نجاحاً كبيراً وحصدت جوائز ثقافية؟

● كما قلت سابقا، كان الفترة بعد منتصف الألفية وتحديدا بعد 2015 فترة خصوبة للأدب الليبي الذي طالما عانى كتابه من عدم معرفتهم عربيا، لكن نجد منذ سنة 2016 منجز طيب له حضور جيد عربيا، حيث دخلت رواية نجوى شتوان (زرايب العبيد) لقائمة البوكر القصيرة سنة 2016، يذكر هنا أن نجوى شتوان سبق أن فازت بجوائز عربية منها جائزة الشارقة للإبداع العربي فرع المسرح سنة 2003، وجائزة الطيب صالح للرواية في نسختها السابقة سنة 2005، كما دخلت رواية عائشة ابراهيم إلى القائمة الطويلة لنفس الجائزة البوكر عن روايتها حرب الغزالة سنة 2019، أيضا حققت غالية الذرعاني الترتيب الثاني في جائزة الطيب صالح عن روايتها قوارير خاوية سنة 2020م، كما دخل كل من عبدالله الغزال عن روايته أضحية الماء والطين وعزة رجب عن روايتها ذاكرة بلا صور سنة (2020) للقائمة القصيرة لجائزة راشد بن حمد الشرفي، ثم فاز بالترتيب الأول لهذه الجائزة عبدالله الغزال عن روايته المذكورة، عبدالله الغزال سبق أن فازت روايته التابوت بالترتيب الأول في مجال الرواية سنة 2004، كما فازت مجموعته القصصية السوأة بالترتيب الأول العام التالي من نفس جائزة الشارقة للإبداع العربي.

كما سبق أن فازت كوثر الجهمي بجائزة دار الساقي عن روايتها عائدون سنة 2017، ودخلت رواية (بن عمر) لمحمد عادل حمودة للقائمة القصيرة في مسابقة عربية للنشر 2020 وفازت بالترتيب الثاني، بينما كان أن دخل لقائمة جائزة أحمد الفقيه للرواية في دورتها الأولى سنة 2020 عدد (12) رواية ليبية، وهي جائزة ينظمها موقع بلد الطيوب الثقافي بإشراف الاديب أ. رامز النويصري، وقد فاز بجائزتها يوسف إبراهيم حسين عن روايته (الغارقون في الساقية)، كما تمّ تكريم غالية الذرعاني عن روايتها (أم الزين) وتكريم محمد مفتاح الزروق عن روايته (بر الحبش)، من جهة أخرى فقد فازت رواية (توقف نمو) لشكري الميدي آجي بجائزة محلية أخرى في مجال الرواية سنة 2019.

> ماذا عن النشر الورقي والفعاليات الثقافية من ندوات ومؤتمرات وجوائز في ليبيا الآن؟

● يعاني الكاتب الليبي مثله مثل الكتاب العرب من أزمة النشر وتظل بعض الأعمال الأدبية حبيسة الأدراج أو الأجهزة لسنوات، حيث لا يوجد دعم حقيقي للنشر كما تعاني دور النشر من مشاكل مختلفة، الأمر الذي دفع البعض لاستخدام عملية النشر المحدود بأعداد محدودة. كما أن د توقف معرض ليبيا الدولي للكتاب بعد أخر دورة له سنة 2013 يساهم في القطيعة مع المحيط، وقد حاولت هيئات الثقافة التعويض بمعارض محلية، لكنها لا تمتلك الزخم نفسه. كما صارت مشاركات الكتاب الليبيون في المؤتمرات الدولية محدودة بسبب توقف الحروب وتوقف الطيران فترات طويلة، وسأضيف هنا شيئا قد يبدو غريبا أو مضحكا لكنه حقيقي وموجع، يتمثل في كون بعض الدول العربية الداعمة للحروب في ليبيا لا تريد أن يحضر لمؤتمراتها إلا من ينتمي للمنطقة التي تدعمها، وهنا أتذكر سؤال من أخ عربي (أعلم أنه يقوم بتنفيذ أمر مطلوب منه) سألني عن مدينتي التي أنتمي لها لكي يفكر في دعوتي من عدمها إلى البلد الخليجي الذي يعمل به والحقيقة أنني قمت بإراحته من الإجابة. أعلم أيضا أن احد أصحاب دور النشر المهمة في ليبيا رفضت مشاركته خارجيا في اجتماع عمل بعد هذا السؤال من مسئول في دولة عربية عن مدينته. وعلى المستوى الداخلي تقام بعض المناشط الثقافية خاصة بعد أن صار من الممكن لأحدنا أن يؤسس أي مجموعة ادبية في أي وقت لو رغب، فظهرت مجموعات القراءة كما ظهرت عديد المؤسسات الثقافية الشابة التي تحاول أن تنجز شيئا في ظل غياب دعم مؤسسات الدولة لها.

> صف لنا واقع الأدباء الليبيين ومعاناتهم الإنسانية والإبداعية، في ظل الحرب والصراعات الممتدة طوال 10 سنوات؟

● عاني الأديب الحقيقي الوطني من التشرد والفتنة الناتجة عن الحروب والقتل التي يصاحبها، وأصبح في تلك الأزمنة من الصعب تحديد موقف محدد بين اخلاصك لوطنك ومعرفتك بأن مدينتك أو مكونك مستهدف بالقتل أو الدمار.

أسقطت الحرب ورقة التوت عن بعض المثقفين الذين تحولوا إلى مرتزقة يعملون عند بعض القنوات العربية التي تتخذ موقفا غير محايد من ليبيا وحروبها، أتذكر أن بعضهم كان ينطق بشكل علني بالشماتة على مدينة ليبية هاجمها تنظيم داعش الإرهابي معتقدا أنه سيسيطر عليها، كما كان البعض بوقا للقنوات الليبية المحرضة على الحرب والقتل وعبادة الفرد، لكن في وسط ذلك كان هناك مجموعة من الأدباء الذين استطاعوا أن يبتعدوا بأنفسهم عن هذه الفتن، وأن يشكلوا موقفهم الخاص المتعالي على الراهن، وقد بدأت تجاربهم تظهر خاصة بعد لعنة الحرب الأخيرة سنة 2019 وسنة 2020 التي نشرت ويلاتها على مدينة طرابلس وما جاورها ومصراتة لاحتلالهما، وانتهت بخسران من قادها.

> كيف ترى واقع النقد الأدبي الليبي الراهن؟

● النقد الليبي في تصوري يعاني مثله مثل كل مجالات الإبداع في ليبيا من غياب التواصل وعدم معرفة بعضنا ببعض، لكنه بشكل عام بحالة طيبة مقارنة بالماضي خاصة ذلك النقد الأكاديمي، فقد دخلت منذ بداية الألفية الدراسات السردية الحديثة لبعض الجامعات كما حيث تقوم بعض أقسام اللغة العربية عن طريق أساتذة مجتهدين بتوجيه طلابها في رسائلهم إلى النقد الحديث والكتابة عن الأدب الليبي، كما تحاول بعض المخابر النقدية أن تترك بصمة في مجال النقد ومنها المختبر النقدي مصراتة الذي أعمل فيه مع أصدقاء جمعنا هاجس حب الإبداع ونحاول ان نقدم شيئا للأدب في بلادنا.

حاورته/ أية ياسر

* نشرت بموقع (رادار نيوز)، 22 مارس 2021
 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل