فنون وثقافة

سمية صالح المجدوبي: قلب للبيع

ليبيا المستقبل | 2022/12/09 على الساعة 03:24

نحول جسم، وذبول استجابة، ودموع شقت لها مجر على الخدود، وكأنها شبح  خرج من رحم حلم مرعب،  انطفاءات معتمة، ورايات روح منكسة، أوجاع توسدت روايات حزينة، ودموع جفت على ضفاف قصائد نضجت حروفها على انكسارات روح معذبة، أمنيات مقتولة بسكين كلمات حارقة وضعتها قواميس اللغة في خانة الألفاظ الأكثر قساوة عبر التاريخ، هذه بعض ملامح أنسام صاحبة الثلاثين  زهرة كما كانت تحب أن تطلق على سنوات عمرها قبل تلك التحولات التي عجلت بمشيب روحها.

تحولات رهيبة تجمعت في قالب مكسور أبعد ما يطلق عليه أنها إنسانة، فخيانة ذلك الفريد المحصن ولجت بروحها لعوالم سوداء أوقفتها على حافة الجنون، لتتبخر بهذا الولوج  حقائق الأشياء في ذهنها التائه، فالمعاني النبيلة  باتت ترتدي أقنعة مشوهة، والخيانة ديدن  كل الأقارب، والمارين في الشارع المجاور لبيتها أعينهم تسكنها نيران نهايتها ذيل تنين، والوليد ساحر يمتهن  السحر الأسود، والموت أصبح له صوت يناديها قائلا: أتطمعين في البقاء بعد، حتى ذلك الهواء الذي تتنفسه  وعطر الزهر، وزقزقة العصافير باتت لهم أنياب تفترس كل بهجة في مخيلتها، كبهجة العيد وبهجة النجاح  وبهجة الحلم السعيد وغيرها من البهج.

وبعد ليالٍ  طويلة كادت تختنق فيها روحها على مشانق الوجع اعتلت الصدمة مقام التكيف، ليعود شطر من عقل أنسام إلى جادة الصواب، فأصدر ذلك الشطر فرمان يقضي بالآتي: سوف تعرضين قلبك للبيع أو حتى الاستبدال فلا حل سواهما ليعود نبضك وليحط الربيع رحاله في وجنتيك.

وبعد رحلة ممانعة طويلة سلمت أنسام بهذه الفكرة  فهي الملاذ لنجاتها من غصات ممزوجة بكسرة خاطر، ولبتر تمني العودة لذلك الكاسر.

وفي بواكير صباح اليوم التالي توجهت أنسام إلى السوق حاملة قلبها في كيس لونه أسود  سواده بسواد القلب الذي لم يصن حبها لعلها تتمكن من بيعه أو حتى استبداله. 

لم يكن سوقاً عادياً كباقي الأسواق كان سوقاً توافد عليه الباعة والراغبون في الشراء من كل العصور القديمة والحديثة، بل أن بعض بضائعه سكنت في خانتي التوقع المستقبلي والأسطوري، فهنا يباع كل ما يخطر على البال وما لا يخطر أيضا.

تنقلت أنسام في زاويا السوق لتتمعن في بعض تفاصيله ولتبحث لنفسها عن مكان مناسب للترويج لقلبها، وفي أثناء بحثها رأت تاجر من الفراعنة يبيع مجسمات لكل من مينا موحد القطرين ولحورس ولإوزيس وأوزريس أيضا، رجل من حواري بوذا في الهند يبيع أغصان يبسة من شجرة بوذا وبصوت عالٍ يقول: إنها تجلب الحظ وتطرد النحس، كونفشيوس يبيع ألواحا عليها وصاياه، تاجر من قريش يبيع أواني فضية قادمة من بلاد الشام بختم القوافل التي كانت لها رحلتي الصيف والشتاء، عبيد تم آسرهم في حروب العصور الجاهلية واقفين في استعراض جبري بأعين تتخللها أماني الحرية الغائبة، إمرأة من كريت تبيع كتب تحكي عن الالياذة وطروادة، الإسكندر المقدوني وجنوده يتجولون في السوق للتجهيز لرحلتهم لإرض وادي النيل، أكوام سهام ونبال وسيوف فضية مذهبة ومذيلة بختم القياصرة، بقايا أشلاء النصارى التي حرقها نيرون وختم عليها بضحكاته وهو يستنشق الرماد المتصاعد منها، قساوسة يبيعون صكوك الغفران، رجل من الدولة الأيوبية يبيع خرائط إلكترونية لبطولات صلاح الدين الأيوبي وبرديات لرحلة الداخل للاندلس، كريستوف كولمبوس يبع أثاث تم صنعه من ألواح البينو التي  أحضرها معه من  رحلته التي اكتشف فيها أمريكا، جارية من الحرملك العثماني تبيع قبعات وألبسة عليها ختم أرطغرل، رجل يرتدي الصليب يبيع تسجيلات تأمر هرتزل والخاحامات على العبث بعقيدة العودة، هتلر يبيع الآيس كريم بنكهات متعددة فلديه نكهة يهود الأفران ونكهة التكبر ونكهة السيطرة، إمرأة من القدس تبيع دموع الأقصى مملؤة في زجاجات كبيرة مقفولة بقطع فلين عليها صور لمذبحة صبرا وشاتيلا، رجل من الهند يبع جرار فيها رماد أجساد عائلته، توماس أديسون يبيع مصابيح كهربائية ألصق عليها صورة من الرسالة التي أرسلتها المدرسة إلى والدته جاء في فحواها: سيدتي المعذرة أبنك غبي ولا يصلح للبقاء في مدرستنا، نيلسون مانديلا يبيع مذكراته التي كتبها في المنفى، غاندي يبيع وصفات محبة وتعايش سلمي، شاب من المحروسة يبع دمى متحركة لعملية اغتيال السادات ومجسمات لطائرات الحادي عشر من سبتمبر، طفلة صغيرة من سوريا تبيع سلل كبيرة ملئت بنبات صبار كتب عليه: أنا العربي، عجوز سبعينية تبيع خلطات شعبية لعلاج وباء كورونا ولعلاج العقم وتمائم لفك عقد تأخر الزواج، أطباء مزيفون يبعون الأدوات اللازمة لعملية حقن طفل الأنابيب، تاجر انجليزي يبيع خيوط مغمسة بالمهانة لترقيع خيام اللاجئين، ضفائر شعر إمرأة مات على ضفاف قصيدة عشق، ميسي يبيع كأس كوبا أميركا وجوائزه الفردية، أكوام خردة لسيارات  تلطخ بعضها بدم ضحايا حوادث السير، مسامير بأحجام مختلفة كبيرة ومتوسطة وصغيرة، أجهزة نقال قديمة وأخرى حديثة، مارك زوكر بيرغ يبيع تحديثات جديدة لموقع الفيس بوك ويشرح طريقتها على جهاز داتا شو، سيارات فضائية عالية التقنية، بيوت معلقة في الهواء، أطعمة معجونة بذرات تراب مجنحة ومنكهة بظل طفل تعس، مياه ومشروبات غازية بنكهة اليورانيوم، أزياء تقليدية مطرزة بيد فلة يروج لبيعها أحد الأقزام السبعة، أكوام قلوب قتلها الوجع، أكوام أعين  إنطفأت فيها البهجة، أكوام أقدام أناس أتعبها الجري وراء الحلم، أكوام أيدي مقطوعة أعياها تسول الحرية، ألعاب أطفال مكسورة، أطراف أجساد صناعية، أحلام على وشك الانتحار.

وبعد مضى ما يقارب من ساعتين على تجول  أنسام في السوق  ذهبت ناحية  باعة  القلوب علها تجد من يشتري قلبها الحزين أو أن تستبدله بقلب وليد أو بقلب دمية حتي، حجزت لها مكان بجوار فتيات كثيرات جئن لبيع قلوبهن ثم فتحت الكيس الأسود  وأخرجت قلبها المتفحم ثم صاحت بصوت عالٍ: لدى قلب للبيع له عيوب ومزايا، أما المزايا فإن الحنان فيه ملك يتربع على عرش كل  السجايا، وفي الوفاء تحكي عنه الحكايا، أما العيوب فإنه يعشق من غير تدقيق. يحكي سره للعدو والرفيق، لا يحسن مواجهة الصدمات ولا يتعلم من الاخفاقات، في قصيدة عشق تافهة تجده غريق، ونبضه اليوم عبارة عن رماد أغتاله مائة حريق.

مرت ساعات وساعات وأنسام تارة تتغنى بمواصفات قلبها وتارة تلتزم الصمت حتى  قاربت الشمس على المغيب، وكل الفتيات التي كن بجوارهن عدن من حيث جئن بعد أن بعن  قلوبهن ولم يبقى إلا قلب أنسام، فلم يأتي عليه أي عرض فسهام الغادر مكسورة في زواياه  ولونه الأسود المتفحم قلل فرص جذب الأنظار بل إن العديد من المارة تهكموا عليها وقالوا: إكرام الميت دفنه.

دب اليأس لقلب أنسام حتى  همت بالمغادرة والعودة في صباح اليوم التالي لمحاولة بيع قلبها مجددا، وقبل أن تضع القلب في الكيس الأسود سمعت صوت يقول: أريد استبدال قلبي الفارغ بقلب ذاق الخيانة سهر الليالي وشعر بالإهانة، جرب العشق وأحب بأمانة. 

التفت أنسام اتجاه مصدر الصوت لتجده رجلا في نهائيات الثلاثينات من عمره، ناداته سؤْلك عندي أيها السيد، وعندما اقترب منها قالت: أجبني على هذا السؤال. قال لها: تفضلي سيدتي. قالت: ما الذي يدفعك لتستبدل قلبك بقلب وصل مرحلة الهذيان واحترقت فيه كل الأركان وانهد في الفرح فيه كل بنيان.

قال: أسمع بالعشق ولم أعش فيها أي حال من الأحوال، فوددت الإطلاع على أحوال قلب معذب حتى أتعلم قبل أن أجرب. قالت أنسام: ولكنك ستسهر الليالي ومن الوجع ستعاني. قال الرجل: لا عليك هي تجربة فقط.

استبدلا قلبيهما وافترقا ونوايا بدايات جديدة فتحت في مخيلة كل منهما. وبعد يومين قررت أنسام العودة إلى ذات السوق وشراء بعض الحكم والمواعظ لقلبها الجديد حتى تخلق له ضمانات حماية وتدعمه ببرامج جودة الاختيار وقوانين منح الثقة.

استيقظت مع بزوغ أشعة الشمس وتوجهت إلى السوق والفرح يسكنها فلا وجع ولا سهر ولا ذبول روح إنها حالة ميلاد جديدة. وما إن وضعت قدميها في السوق حتى رأت ذلك الرجل الذي أبدل قلبه بقلبها شاحب الوجه وكأنه جثة أخرجت من القبر لتوا وهو يعرض قلبها للبيع ويقول: من يتحمل نيران الفراق فليشتري هذا القلب فإني لراحتي الأولى مشتاق.

تسمرت أنسام في مكانها للحظات ثم أسرعت متجهة نحو بوابة السوق وغادرتها قبل أن يرأها ذلك الرجل ويجبرها على استرداد قلبه منها وهي تردد قائلة: لا أستطيع العودة لزمن الخيبات.

وفجأة استيقظت أنسام من نومها ونيران الوجع فتحت أبواب وجعها اليومي.. فالراحة كانت مجرد حلم.

سمية صالح المجدوبي

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل