فنون وثقافة

راضية تومي: قراءتي لقصة ”البيت" للقاص الليبي فتحي نصيب

ليبيا المستقبل | 2022/10/27 على الساعة 09:15

قصة "البيت" قصة قصيرة ممتعة ومُبهجة ذات نهاية غير مُتوقعة ولكنها جالبة للفرح. سيعتقد القارئ وهو يتتبع أحداثها البسيطة والمعدودة أن بطليها هما شابان: فتى وفتاة في ريعان الشباب مقبلان على الزواج

لكن النهاية تثبت له أي للقارئ أنه وقع في فخ نصبه له الكاتب. تم بناء عالمين متداخلين في هذه القصة القصيرة وهما عالم الأطفال الصغار وعالم البالغين الكبار.

برع الكاتب في خلط أوراقنا في البداية حين جعل الطفل فارس يستخدم لغة الكبار ذاتها في وصف بيت الدمى أو البيت/اللعبة دون أن يخبرنا أن فارسا طفل.

تداخل عالمي الكبار والصغار هو الفخ الذي تتمحور حوله القصة القصيرة "البيت"، إذ سيعتقد القارئ في البداية أن فارس وجمانة هما شخصان بالغان تربط بينهما قصة حب ومشروع زواج وأنهما يستعدان لذلك، فاقتنيا بيتا وأثّثاه في انتظار الزواج. هناك تداخل بين سرد في الحاضر وسرد لذكريات من الماضي وكلّا من الحاضر والماضي يخص بطليْ القصة القصيرة. لكن مفاجأة قفلتها تعيد مؤشر محور الزمن إلى نقطة أخرى غير متوقعة.

هناك كذلك تلاعب بالألفاظ من جهة سياق خفي يعلمه الكاتب فقط، حيث يُقحِم هذا الأخير عالم الطفولة بألعابه وما يميّز أبطاله وهم الأطفال من قِصر قامة وبراءة وشقاوة مُحبّبة، داخل عالم الكبار الكبير بأبعاده الهندسية وبناياته وشوارعه العريضة وتحدياته ومشاكله التي لا تنتهي.

هذا التداخل المقصود من قِبل الكاتب، أو قد يكون استبدالا مؤقتا في ذهن القارئ بين هذين العالمَين، ربما يُفسّر بفكرة أن البالغين مهما بلغوا من العمر هم أطفال ذلك أن كل بالغ يحمل داخله طفلا يحتاج إلى الحب والعناية. وقد يكون قصد الكاتب من وراء هذا التداخل هو القول إن عالم الكبار رغم كل مصاعبه وأهواله ليس سوى عالم لَعِب ولُعَب وأنه ليس بالجدّية والتعقيد اللذان يحلو للكبار أن يسبغونهما على حياتهم وأفعالهم. فرسالة الكاتب إذن هي دعوة للتخلص من الجدية المُبالغ فيها أو هي نقد لها لأن العالَم لم يعد يحتمل مزيدا منها.

ومع كوني أميل إلى هذا التحليل والتأويل، لكن لفظا استخدمه الكاتب يحيّرني وهو لفظ "فتاة" حين قال: "لقد جذبته هذه الفتاة...". هذا اللفظ في رأيي يبدو متضادا مع الفكرة التي ملتُ إليها ذلك أن شرح هذه الكلمة في قاموس المنجد (ط3، 2008) هو: "شابة في ريعان الصّبا. فتاة في سن الزواج". بينما هذه الفتاة كما أعتقد هي طفلة. هنا بدا استخدام هذه المفردة غير مفهوم على لسان طفل، وربما هو محض خدعة أخرى من خدع الكاتب لتضليل القارئ في البداية.

كما يمكن قراءة قصة البيت بإسقاطها على مفهوميْ العالم اللامتناهي في الصغر والعالم اللامتناهي في الكِبر لكن زاوية الرؤية التي تلاعب بها الكاتب جعلتنا نتنقّل بينهما دون أن نلحظ ذلك إلى غاية انكشاف الأمرفي قفلة القصة القصيرة، وتلك الزاوية لا تفرّق بين ما هو أصغر من ذرّة وما هو أكبر من مجرّة وهذا يعني أن الكاتب أراد أن يحيل الأبعاد إلى عدم وأن يساوي بين العوالم المختلفة وربما نفهم من ذلك هو أن قيمة الأشياء وأهمية التجارب الإنسانية لا تصنعها الأبعاد والأرقام الكبيرة.

راضية تومي (كاتبة ومترجمة – الجزئر)

راجع:

 - رؤية نقدية لقصة "البيت" للكاتب الليبي/ فتحي نصيب

 - د. أمينة هدريز تشكيل بنية الفضاء في قصص فتحي نصيب

 - فتحي نصيب: قاومت عزلة السجن بالكتابة

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل