فنون وثقافة

قراءة في الثقافة السائدة (يوم عاشوراء)

يوسف الغزال | 2022/08/09 على الساعة 11:30

قبل شروق الشمس أعمدة الدخان ترتفع في السماء القرية يستيقظ الناس فرحين على التنانير تستعر بالجمر، مع رائحة الدخان تفوح رائحة الكعك بالكمون من التنور في الصباح الباكر، وتزداد معها الصدور بهجة والنفوس غبطة. ينقع القمح في الحليب أو يبلل ويسمى (بليلة) ويحلى بالعسل والقدر على النار بجوار التنور وتفوح رائحة الفول المطبوخ ومع الثوم والكركب وتنتشر في أرجاء المكان مع خيوط الفجر الاولى. 

كانت الناس تخاف من إختفاء الحبوب من السوق وإنتشار المجاعات، أو مايسموه (عام الشر) ولهذا قرروا إستقبال العام الجديد بالأكل، لعل ذلك يجعل العام كله عامر بالخير والأكل الوفير، ولهذا لابد لكل عائلة من وجبة دسمة تسمى (الفتاشة) يدخرون لها شيئا من عظام وقديد العيد حيث يفرضون على الاطفال الأكل قبل النوم ولابد أن ينام شبعان حتى يصبح صباح أول يوم في العام الجديد وهو شبعان، ويصل تخويف الأطفال لدرجة التهديد، تقول الأم: (من ينام بدون أكل تجيه الفتاشة التي تفتش في البطون والبطن التي تجدها الفارغة تملاها رشاد). 

الفول المطبوخ، طقس قديم أن تقديم (الفول فال) وتقديم (البيض بياض) ولهذا نتفاءل بعام جديد مليان بالطعام وكل واحد في القرية شبعان.. العام الجديد يدخل عتبة البيت بالبياض ولهذا يرشون أعتاب البيوت بالجير الأبيض،وأكل البيض.. أمي في عجلة من أمرها، تتمنى أن تكون أحر من الجمر، حتى يكون فولها جاهز قبل ما يطرق أطفال الجيران بابها. 

يستيقظ الاطفال مبكرا يلبسون ملابس جديدة ويحملون في ايديهم أواني لجمع الفول من الجيران، وتكحل عيون البنات، لحظات وتزدحم شوارع القرية بالأطفال الصبيان يشكلون جماعات أولاد وبنات يطرقون الأبواب وبصوت واحد يهتفون: 

(عاطوني عاشورتي
وإلا نفلق زكورتي) 

حالما تسمع صاحبة البيت هذا النداء، تسارع لتقديم مايتوفر عندها من الفول او الحمص المطبوخ مع البيض أو كعك التنور. وعندما تتأخر صاحبة البيت عنهم لا تخرج بسرعة يغادورن بيتها وهم يغنون:

(اللي ماتعطيش الفول
يصبح راجلها مهبول)

أما سوق مصراتة (أماطين) في أيام عاشوراء يمتلئ بالغرباء تجد وجوه غريبة غير معتادة، وملابسهم تختلف، جاءوا من خارج المدينة أو من المناطق المجاورة لطلب (حق ربي) أي الزكاة من التجار والاغنياء. 

(زكاة المال) في مصراتة القديمة كانت تسمى (حق ربي) فهى ليست منة من الغني على الفقير بل هى حق كفله ربي للفقير من مال الغني بهذه الروح كان الاغنياء يخرجون زكاتهم في أيام عاشوراء. طوابير من الفقراء تقف امام بيوت الاغنياء من دافعي الزكاة. 

يومي التاسع والعاشر من شهر محرم من كل عام، يتحول الى مناسبة إجتماعية دينية يتواصل فيها الناس يعطف الغني على الفقير، ويشعر الناس أن كل الناس هم مسؤولين على بعضهم بعض. 

أمام بيت بن لامين من قرية البلابلة بالقرب من جامع بن لامين الحالي، كانت تنصب قدور من الرز تطبخ على النار في شكل مائدة مفتوحة والناس من الفقراء وعابري السبيل والغرباء يقفون طوابير يحمل كل واحد في يده إناء توضع له فيه غرفة رز يجلس يأكلها أو يأخدها معه لعائلته. 

قال شاعر إعتاد زيارة مصراتة أيام عاشوراء يمدح كرم أهلها في قصيدة طويلة يخص عائلة الحاج أحمد بن لامين في عدة أبيات يصفهم بأن صقور وكرماء وكيف الفقراء يأتون إليهم من كل مكان بعيد. حيث يقول: 

أولاد بن لامين إصقورا
وبوهم طيب وفيه الدين
تعال أشبح يوم عاشوراء
الناس تجيهم منبن منين 

أيام عاشوراء يتحول حوش عيت بن لامين وحوش الفورتية وحوش المبروك وحوش البيكلو إلى مقصد الاطفال الفقراء، والناس الغرباء توزع عليهم تفتح هذه البيوت كأنها مؤسسات خيرية أو وكالات غوث أهلية لعدة أيام يأكل الناس دون منة من أحد، ومن المعروف أن مايقدمه الغني للفقير يسمى في مصراتة (حق ربي) وهذا يعني ليس حق الغني في شخصه ولا الفقير في شخصه، إنما هو من (حق ربي). 

هذا لايعني ان كل الناس تدفع في الزكاة، بل البخلاء في كل مكان وزمان. تروى حادثة عن رجل غني معروف بين الناس انه لايدفع الزكاة، وينهر السائل، وأنه يجاهر أن ثروته جمعها بالعرق وسهر الليل ولا ينام مثل نوم الكسالى من الفقراء. 

في منتصف العشرينات إستبشر الناس خيرا من الأمطار الغزيرة، المراعي أصبحت خضراء من اول الخريف وهذا عام خير والزرع صابا. في ليلة من الليالي المطيرة جرف وادي ساسو كل ما يملك هذا الرجل البخيل من أغنام أكثر من مئة شاة ماتت، أصبح الغني فقير في ليلة واحدة، أصبح كل مايملك عبارة عن جيف منتفخة وجبة دسمة للطيور الجارحة والذئاب الجائعة. تجمع الناس لمواساة صاحب المصيبة، الذي مات من شدة الصدمة ولم ينفعه الدعاء له بالصبر على حكم القدر، وهم على قناعة تامة بأن ما أصابه هو عقاب إلهي (الله لا ياخد مالا إلا وحق ربي فيه).

رحمهم الله جميعا ونأمل أن نكون خير خلف لخير سلف.

يوسف الغزال

البقية تأتي….

* اللوحات من رسومات/ يوسف الغزال.

المزيد حول يوم (عاشوراء)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل