فنون وثقافة

"محظية" بين الواقع والفنتازيا

إنتصار بوراوى | 2022/07/27 على الساعة 05:31

ربما أول ما يجذب القارئ لرواية "اغتصاب محظية" للروائية الليبية عائشة الأصفر هو عنوانها الملفت الذي يثير في الذهن عدة أسئلة عن فحواها. فاسم محظية المقترن بعنوان الرواية، يحمل معنى الامرأةٌ التي تُفضَّل على غيرها في المحبَّة وبالأخصّ عند أمير أو مَلِك أو رَجُلٍ ذي سلطان، ولطالما كانت المرأة المحظية فى التاريخ العربي هي العشيقة، ولكنها في الرواية هنا هي أبنة أمير وزوجة حاكم البلاد.

اقتران اسم محظية بفعل الاغتصاب في عنوان الرواية يجعل ذهن القارئ يتخيل بأن محتوى وفحوى الرواية يدور حول جريمة جنسبة يحدث فيها فعل اغتصاب لبطلة الرواية "محظية" ولكن ما أن نتوغل بقراءة الرواية سنكتشف بأن العنوان رمزي وبه إسقاط قصدته الروائية باختيارها له بهذا الشكل الصادم للقارئ لأول وهلة.

تبدأ الرواية بحديث لصوت الراوى الذى يتحدث عن نفسه وعن ولادته وعلاقته بالآخرين، ونمضى قليلا فى القراءة لنكتشف أن صوت الراوى المتحدث هو أصبع وليس شخصية من لحم ودم.

وبأسلوب فانتازى تحملنا الروائية إلى عالم، وحياة الأصبع الذى تطلق عليه اسم زايد وهو الأصبع السادس فى يد شخصية "ابوستة"، الذى تفرد الروائية مساحة لسرد حكايته مع الأصبع ومحظية والأمير، حيث يختلط الواقع بالخيال فى سرد القسم الأول من الرواية التى تتحدث بصوت الراوى "الأصبع زايد"، الذى هو فى الحقيقة ليس إلا الأخ التوأم "لبوستة" الذى لم يسمح له بالتحقق والخروج للحياة من رحم أمهما ،وتحول إلى أصبع سادس فى يده، حيث بدا كجاسوس على أخوه حيث يشاهد كل تفاصيل حياته اليومية حتى الحميمية، بفراش زوجته وحين يضيق بوستة من اصبعه ويشعر بالحرج من وجوده بيده  أ،مام زوجته" محظية" يقوم ببتره لينمو الأصبع فى حوض مائى ثم يتحول إلى شجرة أصابع، وتتقافز الفانتازيا عبر صور متعددة من خلال أصبع زايد وحكاياته وروايته، للأحداث حوله ومحبته لمحظية التى تزوجها شقيقه "بوستة" بعد أن قتل والدها الأمير،وفى تفاصيل بارقة يلوح زمن القص بأنه فى زمن الاستعمار الإيطالي، حيث يبدو الأمير وكأنه اسقاط على شخصية الأمير أدريس السنوسي ومحظية ،التى لم تنجب "لأبو ستة" الأبن وكأنها ترمز لليبيا التى غدت محظية ورهينة "بوستة" الذى يغتصب خيراتها ويستولى على كل الأراضي والكروم وبيت الأمير الذى غدر به وقتله واستولى علي حكم البلاد وعلى ابنته محظية بالزواج فتبدو محظية وكأنها اسقاط على ليبيا التي يتوالى عليها المغتصبون لأرضها وخيراتها وتعذيب شعبها وقهره بالظلم والسجون وكبت الحريات.

تتداخل الصور عبر فضاء الفانتازيا الروائية، فى القسم الأول من الرواية ثم يكشف لنا القسم الثانى بأن كل تلك الحكاية التى رحلت بنا بين بيت ابوستة ومحظية والأصبع زايد ليست إلا هلوسات فى عقل شخصية، بطل الرواية الرئيسي ”زايد“ الذى وقع ضحية تفجير بمقر عمله بالشركة وبقى مصلوبا على نافذة مكتبه إلى حين حضور سيارة الاسعاف التى حملته للمستشفى ليدخل فى عالم فنتازيا الأحلام التى تختلط بها صورة حبيبته الجليلة بمحظية التي تغزو أحلامه وهذياناته.

فى الجزء الثاني من الرواية يدخل السرد فى عالم أكثر اتساق ورسم واضح للشخصيات وللزمن حيث تنتقل الرواية لزمن آخر هو زمن جهاز المحمول والفيلات الفخمة التى تم بناؤها بعد هجر أهل المدينة لشوارع المدينة القديمة التي سكنها المهاجرين غير الشرعيين وانتشرت فيها الجريمة والمخدرات والسطو المسلح.

وتدور أحداث القسم الثانى من الرواية فى شركة الاستثمار التي يعمل بها بطل الرواية زايد الذى ترك عالم الصحافة بعد ان أقفلت الدولة صحيفته وانتقل للعمل فى شركة استثمارية يكتشف من خلالها عالم الوساطة ولعبة المصالح، وفيما تستمر زميلته فى الجامعة والفتاة التى أحبها فى المضى بعالم الصحافة وكتابة مقالاتها النارية عن الفساد والمفسدين يختار هو طريق السلامة والمال وتحدث بينهما حوارات ونقاشات عن الطريق الذى اتخذه كل واحد منهما بأسلوب فلسفي كثيرا ماتحيل إلى مناقشاتهما فى الجامعة حين كانا يشاركان فى المحاضرات التثقيفية بالحامع.

وتمضى الرواية فى سرد قصة حياة زايد بالحى الذى نشأ به وتبدو صورة شخصية جليلة شبيهة بصورة محظية التى تزوره بأحلامه طيلة وجوده بالمستشفى.

تختلط الصور والشخصيات فى عقل وفكر بطل الرواية ولكن تبقى الجليلة هى الحقيقة الراسخة التى يراها أمامه وتتجسد حضوريا فى ايامه بأفكارها ومقالاتها وجرأتها وشجاعتها، وتختم الرواية بنهاية مفتوحة بعد التفجير الكبير الذى دمر الشركة الاستثمارية وحولها إلى حطام فى رمزية لإنفجار الفساد ،بصوت الممرضة وهى تخبر بطل الرواية "زايد" بأن كل ما يتحدث عنه من حكايات وقصص عن بوستة ومحظية وحضور الجليلة، ليس إلا هلوسات وهذيان نتيجة إصابته بالتفجير ووجوده بالمستشفى وهكذا تنتهى الرواية بشكل موازى مع الفانتازيا التي تداخلت مع الصور السيريالية طيلة تفاصيل السرد بالرواية، التى نكتشف من خلالها أن للاغتصاب وجوه كثيرة فليس الجسد الأنثوى فقط، من يتم اغتصابه بل أن البلدان أيضا تغتصب حين يستولى عليها حكام ظالمين يسومون أهلها سوء العذاب والظلم ولعل محظية في الرواية هى وجه ليبيا المغدورة التى يتوالى انتهاك روحها قبل جسدها عبر الأزمان والعهود.

إنتصار بوراوي

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل