فنون وثقافة

أضغاث أحلام (قصة قصيرة بقلم/ عبد الحفيظ الزياني)

د. الصديق بشير نصر | 2022/06/28 على الساعة 21:25

أضغاث أحلام (قصة قصيرة بقلم/ عبد الحفيظ الزياني)

تقديم/ د. الصديق بشير نصر

قصة (أضغاث أحلام) هي القصة الرابعة التي اخترناها  للنشر في (ليبيا المستقبل) للأديب القاص المرحوم عبد الحفيظ الزياني. وهي نصٌّ مكثّفٌ يختلط فيه الواقع بما وراء الوعي Metaconscious، وهي تقنية فنية ذكية تفتح مساحات واسعة للقاص لكي يتحرّك داخل الزمان والمكان بسهولة. 

ومن أشكال البراعة الذهنية للقاص الذي يوظف هذه التقنية القدرة على المؤآلفة بين الواقع والحلم، وهذا يتطلب بناءً درامياً مُحكماً لا يمكن بلوغه إلا من خلال صناعة حبكة أو حبكات فنية تستثير المتلقي وتجعله في حالة اندهاش مستمر حتى تنقطع وتتلاشى وتنطفئ كما ينطفئ الضوء الباهر بعد أن تسَلّط على حَدَقة العين. وتبدأ الحبكة الفوقية Meta-plot  بمرحلة الترقب، حيث يُدعى البطل إلى المغامرة القادمة، ويتبع ذلك مرحلة الحلم، حيث تبدأ المغامرة، ويحقق البطل بعض النجاح، ويستبدّ به وهم لا يقهر. ومع ذلك، يتبع ذلك مرحلة إحباط، يخوض فيها البطل أول مواجهة له مع العدو الذي قد يكون مشكلة أو معضلة كالتي صادفها بطل قصة (أضغاث أحلام) مذ توقف محرّك سيارته عن الدوران. ويزداد هذا سوءاً في مرحلة الكابوس، وهي ذروة الحبكة، حيث يُفْقَدُ الأملُ في الأخير على ما يبدو، وفي هذه اللحظة يتغلّب الواقعُ على الحلم، فيستيقظ بطل القصة، ويكتشف أنه كان يعيش حالة الحلم الواعي أو الجليّ Lucid dream، ومن يعِش تلك التجربة يسمى بالحالم الواعي Lucid dreamer، وهو نوع من الحلم يدرك فيه الحالم أنه يحلم. وخلال الحلم الجليّ هذا، قد يكتسب الحالم قدراً من التحكم في شخصيات الحُلُم، أو السرد، أو البيئة؛ ومع ذلك، فإنه ليس من الضروري، ولا يكفي، أن يكون الأمر كذلك لكي يوصف الحالم الواعي بأنه يعيش تلك التجربة  في الواقع لوصف الحلم بأنه صافٍ أو رائق، فقد تمت دراسة الحلم الجليّ، والإبلاغ عنه لسنوات عديدة. كانت الشخصيات البارزة من العصور القديمة إلى الحديثة مفتونة بذلك الضرب من الأحلام، وسعت إلى إيجاد طرق لفهم أسبابها وغرضها بشكل أفضل.

وببراعة الفنان المقتدر زاوج القاص عبد الحفيظ الزياني بين الحلم الواعي، وما بعد الوعي من خلال اختيار حبكات ذكية، مثل: حبكة التغلب على الوحش  Overcoming monster، وحبكة البحث The Quest، وفيها يشرع بطل القصة في البحث عن شيء مهم أو للوصول إلى مكان ما، وتواحهه في سبيل ذلك إعراءات وعقبات. وحبكة الرحلة والعودة Voyage and Return، وفيها يذهب البطل إلى أرض غريبة. وبعد التغلب على التهديدات التي يجابهها، أو تعلم دروس مهمة فريدة في ذاك المكان، يقفل راجعاً مع تجربة فريدة. والحبكات الفنية في الأعمال الدراميّة والأدبية تتنوّع بحسب اختيارات الروائي أو المسرحي أو القاص. وقد أسهب الناقد فوستر هاريس في بيان ذلك في مؤلفه (الأنماط الأساسية للحبكة)، وهو من منشورات مطبعة جامعة أوكلاهوما، سنة 1959: Foster-Harris. The Basic Patterns of Plot. Norman: University of Oklahoma Press، 1959.

وقصة (أضغاث أحلام) أشبه بأحلام اليقظة، تلك التي يتحوّل فيها الواقع إلى حلم، والحلم إلى واقع. وهذا الضربُ من القصّ يحتاج من القارئ إلى يقظة وانتباه.

في هذه القصة القصيرة يوظّف القاص عبد الحفيظ الزياني لغتة الراقية الانسيابية، كعادته، بجدارة فائقة في خدمة النص، واللغة هي الشرط الأوّل لقبول أيِّ عملٍ إبداعيٍّ. قد تحتوي القصة على فكرة جميلة، ولكنها تخلو من لغة تتلبّسها، فتكون أشبه بلؤلؤة ملفوفةٍ في قطعة من الخيش، أو على رأي أمثال المهزلة ”ربّ جوهرةٍ في مزبلة“. وتوظيف بعض الألفاظ العامية أو الأجنبية في قصص الزياني، على نُدرتها، ضرورة لكيلا تتفلت القصة من براثن الواقع، فتسقط في هاوية ما يُعرف بمجاوزة الواقع أو الحقيقة beyond reality، وذلك يفضي في كثير من الأحايين إلى الخيال المحض.

والصورة العامة التي يرسمها القاص عبد الحفيظ الزياني للعمل بالحقول النفطية، وما يتولّد عن ذلك من مشاعر قد لا يدركها إلا من عاش في ذلك الوسط.. النهوض مبكراً مع تباشير الفجر الأولى، وتناول الإفطار في مطعم الحقل، ثم الاستعداد للعمل اليومي.. فمهندسو  الإنتاج والعمليات يتجهون إلى مكاتبهم، والفنيون  إلى سياراتهم يجوبون بها أطراف الحقل  لقراءة الضغط عند رأس كلّ بئر، وتبديل السجلات الكهربائية، وإعداد التقارير الفنية اليومية، وملء نماذج العمل اليومي أو الواجبات اليومية.. الصحراء الممتدة الأطراف تسحر القلوب، وتسلب الألباب، لا سيما عند مغيب الشمس وانخفاض درجة الحرارة.. وبعد الغروب فقط يمكن التقاط موجات الراديو، لأنّ في النهار يتعذّر ذلك، فلا يصدر من المذياع، وهو الوسيلة الوحيدة المتوفرة لمعرفة ما يجري في العالم  قبل أن يحدث التطور التكنولوجي، إلا ذلك الضجيج المزعج بفعل المجالات الكهرومغناطيسية  التي يولّدها  وهجُ الحرارة.  وفي الليل يكون السمر بالاستماع إلى إذاعة القاهرة (البرنامج العام) الذي كان يتضمن برامج ثقافية جميلة، مثل : زيارة إلى مكتبة فلان، والصالون الأدبي، وإذاعة مونت كارلو، وإذاعة لندن الصوت العربي (هنا لندن) بأصوات مذيعيها الرخيمة : محمد مصطفى رمضان، وأكرم صالح، وحسن الكرمي، وماجد سرحان، وأيوب صديق، وعبلة خماج، ومديحة المدفعي.

في جوف الصحراء لا يسمع السائر فيها إلا نبضاتِ قلبه  تدقّ، وصوتَ عجلات السيارة تنهب الأرضَ فوق الطرق غير المرصوفة  التي يغطيها الحصى والرمل، وهي الصورة التي رسمها الزياني. في نهار الصحراء يحترق جوفُك من شدة الجفاف وحرّ الهجير، وفي الليل عندما تهبّ النسمات العليلة تظلّ ترعى النجوم والشهب، ولسان حالك يقول مع الشاعر العربي القديم : وكم ليلةٍ قد بِتُّ أرعى نجومها.

هذا هو الجوّ العام لقصة (أضغاث أحلام)، وفجأة تبدأ الحبكة الأولى وهي الانتقال من مكان إلى مكان عبر اللازمن. يصف لنا القاص الزياني بطل قصته سامي بقوله: ”سرقتـه اللحظــة إلى آفـاق أوسـع ممـا يستوعب ذهنـه المزدحم بأفكار متصارعة.. ووجـدانه المفعـم بأحاسيس متبـاينــة“. في هذه اللحظة وهو متكيء على مقود السيارة ينتقل بطل القصة من عالم الواقع إلى عالم الحلم.. وهو ما يعبر عنه عبد الحفيظ الزياني القاص، بقوله: ”استغرق سامي في تجربة لم يكن يدرك أنه سيواجههـا في حياتـــه.. حيـــث.. رتب أوراقه ولملم أدواته واعتدل في جلسته وراء مقـود سيارته وأدار المفتاح فسمع لدهشته.. "كليك فــاغ..." ولم يـَدُر المحرك كما عهــده من قبل“.

كلّ ذلك في ما وراء الوعي الذي يعيشه وكأنه واقع حقيقي ملموس. يدير المحرك من جديد فلا يستجيب، ويفتح غطاء السيارة ليتأكد من الوصلات الكهربائية وخزان الوقود ولكن بدون جدوي. والأنكى من كلّ ذلك حينما يكتشف أن جهاز اللاسلكي بالسيارة معطّلٌ  أيضاً.  أُسقــط في يـده وشعـر بوخـزة مفاجئـة في أمعائه وتنميل غير معهود في ركبتيه. أحسّ سامي بطل القصة الذي انتقل فجاة إلى ما وراء الوعي بأنه وَسَطَ إحساسٍ جديدٍ غريبٍ، صمتٌ مُطبق.. ذلك الصمت الذي كان يحبه ويشتاق إليه هرباً من ضوضاء محطة توليد الكهرباء داخل الحقل.. فاشتاق من فــوره إلى الضجيج الذي كان يمقته ويتجنبه...يترك سيارته باحثاً عن النجاة، والشمس تلفحه بهجيرها المتّقد، ويتحوّل كلّ ذلك إلى حديثٍ نفسيٍّ داخليٍّ، وكأنّ شخصاً ما يُحدّثه من داخل رأسه، ستموت يا سامي.. ستموت يا سامي. إنه نوع من التواصل الذاتي interpersonal communication. وتلك أُولى مراحل الانتقال إلى ما وراء الوعي، وهي القناة التي يستجمع فيها القاصّ كلّ ما يريد قوله على لسان بطل القصة الغائب عن الوعي، أو ذلك المستيقظ الحالم. ”أخـذ منـه التعب والإعيــاء لطول المسافة التي قطعهـا مشيـاً في أتـون حرارة النهـار مأخذه، فعجـز رأسه عن التفكير وجـرَ جسـده نحـو ظل ضئيل لصخرة ناتئـة تراءت أمـامـه ليريـح عليهـا عظامـه.. دقائق ثقيلة مـرت قبل أن يغرق في خدرِ نعـاسٍ جثـم على حـواسـه.. ثـُـم بدأت أشكال عجيبة تظـهر أمام ناظريه وعيونــه مغلقـة. رأى فيمـا رأى طائراً أسـود بشعاً بـوجـه ينـذر بالموت والدمـار يقـود بضعـة طيور أخرى تشبهــه.. حــامتِ الطيــرُ فوق قريتـه الوادعة في سكونها.. ومـا أن حطـّـت مخالبُ كبيرهـا على الأرض حتى بـدأ ينقـر أديمهـا بوحشية.. ولا يتــردد بين الفينة والأخرى في نهـش بعض منافسيه من طيور الشر من رفاقـــه.. فـوراً بدأت التربـة التي لم تكن رطبة في الأصل تزداد جفافــاً وهشاشة.. وبدأت تظهر على السطح شقوق غائــرة متعرجـة ظهـرت منهـا أعـداد هائلة من الديدان الخضـراء التي شرعت تـزحف ببطـء وحـزم نحــو بيــوت أحبتـه وأهلـه وهـم يغطّـون في غفلة نـوم ودعـة واستكانة“. هذه صورة سوريالية محض من صناعة ما وراء الوعي. وهي في الوقت نفسه أشبه ما تكون بالنبوءة، فالطائر الذي هجم على القرية الوادعة رمز للإنقلاب الذي حدث في عام 1969، والطيور الكاسرة وقائدهم ذلك الطير الجارح هم رجال ذلك الانقلاب البشع الذي أعمل مخالبه في أديم القرية الوادعة، وهي رمز الوطن الجريح الذي أنشبت فيه جوارح الطير مخالبها لتمعن في تمزيق أديمه، وهكذا تيبست مفاصل الوطن وتمزّقت وهاجمتها الديدان الخضر، وذلك رمز للجان الثورية وغلالتهم الخضراء، وعصاباتهم الخضر التي ما انفكوا يطوقون بها رؤوسهم.

ولم يدرِ بطل القصة كيف توقف تيار الوعي لديه بالذوبان في لحظــة الزمـان وسيمفونية المكان.. حيث بـدأ رأسه يتلمس بعض الأفكار المشوشة المخيفة.. أفكار أكبر من عقله البسيط غير المعقد. ومع أول نسمات الليل يعود إليه وعيه، ويكتشف أنّ هذا الكابوس المخيف لم يكن إلا حلماً مزعجاً. وجوهر المسألة التي يريد أن يتحدث عنها القاص الزياني تتلخص في الكلمات الأخيرة التي انثالت على لسان بطل قصته سامي: ”عنـدما يسيطـر صهــد الحـــر على مفاصل جسد المـرء قــد يودي به إلى تجفيف منابـع الفكـر والتدبير في ذهنــه.. وقد يودي به إلى  بعثـرة الأهـداف وإلى اضمحلال الطمـوح.. وهـو ما يفسـر في رأيـه عـدم اكثرات قـومـه بما يجري لهم وحولهـم…“.

(أضغاث أحلام) توظيف جيد للغة، وتوظيف أجود لتقنيات كتابة القصة. 

د. الصديق بشير نصر

أضغـاثُ أحـْلام

(عبد الحفيظ الزياني)

أضــاءَ مصباحُ النـّـداء على جهــاز هاتـف سامي بمكتبـه بإدارة التشغيل والمتابعـة بأحـدِ الحقـول النفطيـة بالصحـراءِ الليبيـة.. ولم يصلـه صـوتُ الجـرس فنــزع سماعـةَ السوني ووكمان عـن أذنيـه وتركهـا تتدلـى على صـدره والتقـط سماعـة الهاتـف ليقـول في نَفَسٍ واحدةٍ:

- "تـو وَن فـُــور، إنجنيرنـــغ، يــِــسْ ! ".

فجـاءه الــردُ باستدعائه لغرفــة العمليـات بقسم التشغيل... أرجـع سماعة الهاتف مكانهـا، واعتمــر قبعـةَ السلامة وسـوّى من هنـدامـه، وانطلق ملبيـّـاً نـداء العمل على عجـل.

- "سـامي !... ستذهب غـداً صباحا لتحديث قــراءات أجهـزة الإحمــاء المرحلية (؟) على امتداد خـط أنابيـب الخام بـدايـة من حقـل الإنتــاج (د) إلى مجمـع الضخ المركزي (س) على الطريق الساحلي... إليك تفاصيل العملية وآخـر قِــراءة مسجلة مـع خريطـة الرحلة" 

كذا قـال مـدير العمليات. ومـد لـه ظرفاً أصفــر مرفقاً برسالة التكليف مـع ابتسامة على شفتيه وغمزة سريعة من عينيه وأردف قائلاً:

- "نسـّق تجهيـز رحلتك مع أقسام الخدمات والأمن الصناعي... حظاً سعيداً".

والتفت المدير إلى عمله بعـد أن أخـذ منـه سامي الملف وقال باسمـاً:

- "يــِــسْ سيــر!".

صبـاحَ اليـوم التالي استيقظ مع عتمـة الفجـر ليكون أول رواد المطعم  ليتناول فَطورَه ويأخذ عوينـه  مـن مـاء وزاد... وأنطلـق نحـو بوابـة الحقل مع خيـوط الشمس الأولى.

استوت مركبتـه الشيفروليـه بيك آب، المزودة بعجلتي احتياط وخزان وقود مزدوج وراديو اتصال لاسلكي، على الطـريــق الممهّــد نحــو مقصـده واستقـر محـرك السيارة على نغمـة رتيبـة في دويتـو مـع صـوت العجلات التي كانت تلتهـم الأرض من تحتهــا... تتخلله بين الفينة والأخرى أصوات بعض الزملاء يتحاورون عبر الاسلكي... فتسمـع:

- " ألفـــا ألفـــا... صباح الخير ألفـــا... هل تسمعني ؟"... 

فيقول المحرك:

- "إززززززززززززززز"...... 

وتصهـل عجلات السيارة في أوج  لهيدهـا :

- "فـِـررررررررررر"...... 

ليعود الصوت في الراديو من جديد:

- "سنترال... صباح الخير... مـا الجديد؟"...

- "ألفـــا، التوين أوتــر تصل المهبط بعد نصف ساعة... أكـّــد الاستلام"...

- "سنترال... راجو راجو.. عـُـلـِـم وسيراعى".

لم يسمع سامي ساعتها بالمـُسمى التلوث السمعي... ولم يكن يدرك وقتهـا أبعـاد الأضرار التي قد تلحق بصحة من يعيش ويشتغل في بيئة موبــوءة بالضجيــج من استيقاظــه حتى منـامـه... ظروف عمله بأحد حقول الانتاج بالصحراء الليبية أجبرته ورفاقه على التعايش السلمي مع الضوضـاء والضجيج الذي ينبعث على مدار الساعة من معمل الغــاز والمصفاة ومولّدات الكهرباء العملاقة وعشرات مكيفات الهواء ومحركات السيارات... فكان لزاماً على كل من يشتغل هناك اتخاذ احتياطات السلامة من ارتداء كوفية  كتـم الصوت على آذانهم وأحذية السلامة في أقدامهم مع خوذة غطاء الرأس البلاستيكية... ولكنهم قلـّمـا تكبدوا مشقة الإذعان لهذه التعليمات... إلا أن سـامي استنبط لنفسه حلا لمشكلة الضجيج عندما اقتنى جهاز سوني ووكمان بسماعات الأذن الستيريو الذي مكنـّـه من الاستماع لموسيقاه المفضلة حيثما يحلو له ذلك أثنـاء تجوالـه بين أروقـة المعامـل بل حتى عند قيادته للسيارة من مكان لآخــر.

ليخــرج من أسـر الزمـان ويراوغ ضجيــج المكـان... ثبـّـت سـامي سماعة الأذن على رأسه وضغط زر التشغيل ليصيح جورج هاريسون في أذنيه مرحبـاً بشمس الصباح ومـؤكـداً أن كل شيء على مـا يـُـرام... وكأن الشمس استلمت رسالتها وقد لمـع بريق شعاعهـا من خلفه على مـرآة السيارة فابتسم لها سامي وأخـذ يردد مع هاريسون "صـان صـان صـان... هيــر إت كـامـز"  وقدمه على دواسة البنزين ويـداه تراقصان المقود على إيقـاع العجلات على الطريق... "هيتس أولـرايــــت". 

قبـل أن يشرع هاريسون في أغنيته الأخيرة في الوجه الأول من شريط بيست أوف هير كريشنـا"  تراءت لسامي في الأفق هوائيات محطـة الإحماء المرحلي  الأولى على خارطة مهمتـه... فأوقف الموسيقى ونـادى السنترال بالراديو ليبلغهم عن وصوله للنقطة (د 1) وخفف من سرعة سيارته حتى توقفت أمام كشك التشغيل بالمحطة.

أنجـز عملـه بـدقة وسجل قراءاته وكشف عن سلامة توصيلات الأجهزة بالمحطة التي كانت تتـزود بالطاقة الحراريـة لتسخين النفط الخام في خـط الأنـابيب مـن لـوحـة لاستقطاب الطاقة الشمسية... رمـق ساعة معصمـه وقــرر أن يمنح نفسه راحة لبضع دقائق... قبــل أن يستطرد رحلته في مطاردة الـريـح... نـزع شريط هاريسون من مسجلته الصغيرة وأبـدله بشريط جديد لآخـر أعمـال فريق داير ستريتس ... تنـاول في استراحته قدحاً من القهوة وكعكةً محلاةً بالسكر  (دونات)... واستغـرق في الاستمـاع لنغمـات الموسيقى وسـرح بفكـره إلى مـا وراء اللحظــة الراهنـة رابضــاً خلف مقود سيارة صحراوية في بقعـة نائيــة من هذه الكرة الأرضية.... و…

سرقتـه اللحظــة إلى آفـاق أوسـع ممـا يستوعب ذهنـه المزدحم بأفكار متصارعة.. ووجـدانه المفعـم بأحاسيس متبـاينــة... و…

تواصلت الموسيقى تصدح في أذنيه تغريـه بتمديد راحتـه أكثــر فأغمض عينيـه ليذوب في رحابهــا... و… استغرق سامي في تجربة لم يكن يدرك أنه سيواجههـا في حياتـــه… حيـــث رتب أوراقه ولملم أدواته واعتدل في جلسته وراء مقـود سيارته وأدار المفتاح فسمع لدهشته... "كليك فــاغ..." ولم يـدُر المحرك كما عهــده من قبل... أعاد الكرة مــرة بعـد مـرة والمحـرك لا يكثـرت... وأدرك أن السيارة تعطلت فترجل منها ورفع غطاء المحرك الذي بـدأ يبـرد تدريجيا وكشف عن البطارية وشمعات الاحتراق وخزان الوقود ولا طائل يرجى من ذلك... فابتسم دون داعٍ واتجه من فوره لراديو السيارة اللاسلكي ليطلب المساعدة فوجـد أن صلته الوحيدة المتبقية مع العالم قد أخذت إجازة دون إذن مسبق.

أُسقــط في يـده وشعـر بوخـزة مفاجئـة في أمعائه وتنميل غير معهود في ركبتيه ووقفت أهـداب الزغب في مؤخرة رأسه وسط إحساس جديد غريب بثقل الصمت... فاشتاق من فــوره إلى الضجيج الذي كان يمقته ويتجنبه... اختفى الضجيج وترك المجال لصوت الصمت الذي خيـم على المكان وتلحّف بالزمـان ليسمع، لدهشته ربما للمرة الأولى في حياتــه، صـوتَ مفاصل السيارة وأجــزاء المحرك كأنهـا طرقعـة الأصابع بفعل انكماش معـدنها لفقدان الحرارة التدريجي... وضــع كلتا يديــه على مقـود السيارة وأخذ يهزهـا بعنف... فتحركت بعض أدواته المهملة في صندوق السيارة الخلفي لتصدر ضجيجـاً نافست بـه صفيــر الريــاح في الخــارج... ترجـّـل عن السيارة مرة أخرى فسمع وقــع أقدامــه على الرمــل الهـَـش من تحتهمــا.

في لحظــة تضاعفت فيها شدّة حرارة الشمس، ووجـد سامي نفسـه يمشي على غير هُـدى في مسار ابتعـد به عن سيارته... أخـذ يجـر قدميـه في درب، فتراءت لـه في الأفـق بيـوت بيضـاء مبعثــرة في الجـوار تؤوي أهله وناسه وصحبـه وأحبـابه... تسبـحُ في لُـجّــة ضبابية من ضـوء الشمس وحرارتهـا... وسمع رأسـه يتحدث... "كــم أتمنى أن أريهـم مـا أرى... كـم أتمنى أن أجعلهم يدركون حجــم الخطــر المحدق بنـا جميعـاً“.

تواصلت مسيرة سامي في القفـار وبـدأ يشعر بغصـّـة في حلقـه... ولم يدرك أمِن عطشٍ كانت أم أنه خوفٌ غريزيٌّ اجتـاحـه غيلـة... واستطرد رأسٌـه في الحديث قائلاً لـه: " ستموت يا سامي... أنت حتمـاً ميت يا ولدي... مـا تبقى تحت جلدك من مـاء سيتبخـر قريبــاً... قريبــاً جـداً يا سامــي!“... أخـذ منـه التعب والإعيــاء لطول المسافة التي قطعهـا مشيـاً في أتـون حرارة النهـار، فعجـز رأسه عن التفكير وجـرَ جسـده نحـو ظل ضئيل لصخرة ناتئـة تراءت أمـامـه ليريـح عليهـا عظامـه... دقائق ثقيلة مـرت قبل أن يغرق في خدرِ نعـاسٍ جثـم على حـواسـه... ثـُـم بدأت أشكال عجيبة تظـهر أمام ناظريه وعيونــه مغلقـة.

رأى فيمـا رأى طائراً أسـود بشعاً بـوجـه ينـذر بالموت والدمـار يقـود بضعـة طيور أخرى تشبهــه... حــامتِ الطيــرُ فوق قريتـه الوادعة في سكونها... ومـا أن حطـّـت مخالب كبيرهـا الأرض حتى بـدأ ينقـر أديمهـا بوحشية... ولا يتــردد بين الفينة والأخرى في نهـش بعض منافسيه من طيور الشر من رفاقـــه... فـورا بدأت التربـة التي لم تكن رطبة في الأصل تزداد جفافــاً وهشاشة... وبدأت تظهر على السطح شقوق غائــرة متعرجـة ظهـرت منهـا أعـداد هائلة من الديدان الخضـراء التي شرعت تـزحف ببطـء وحـزم نحــو بيــوت أحبتـه وأهلـه وهـم يغطّـون في غفلة نـوم ودعـة واستكانة.

استثــاره المـوقـف وأفـزعـه مـا رأى... ورأى نفسـه يجري بين الأزقة والحواري يطـرق الأبـواب والنوافــذ محـذراً مـَن وراءَها... ولكن أحـداً لم يسمعــه واتجـه يجـري نحـو بيـت أهلـه لعلـه يتمكن من إنقادهـم... وفجـأة خـارت الأرض من تحت قدميـــه وهـــوى بجســده في حفـرة عميقة لا قاع لهـا وبـدأت الديدان تحـثّ الزحفَ نحـوه من كل جانب... تحيـط بـه بوحشيـة ناعمـة الملمس تشـق طريقهـا المتعرج نحـو وجهــه وتقترب من فيــه وأنفـه وأذنيــه... بعضهـا بـدأ يزحــف تحـت ملابسـه وعلى ساقيه وتنهـش طريقهـا تحت جلده... فانطلقت منـه صيحـة وحش جريح هستيرية، ليستيقـظ على صـدى صياحـه وهو يكاد يصـمّ أذنيـه... ولم يدرك بعــد أنه ضحية  كابوس عـابــر أنتابـه في غفـوة غلبتــه وهـو منكـبّ على مقـود سيارتـه.

عندما استعاد رشده وهدوءه تبين لـه أن الظهيرة تركت المكان لنسائم أول المساء... رفـع رأسـه وبـدأ يستحضـر تفاصيل الكابوس المـزعج ولم يـدرِ أحُلماً كانت رؤيتـه أم أنهـا هواجسـه تجسدت في أحلامـه... رغم أن ذلك لم يعد يهمـه كثيـراً... تـرجل عن سيارته مجدداً ونفـض آثـار الكسل عن جسده وأحـس بلسعة الشمس على جبينه... فتذكر أن الحرارة بـذاتهـا قد تكون مصـدر قهـر وإحبـاط... عنـدما يسيطـر صهــد الحـــر على مفاصل جسد المـرء قــد يودي به إلى تجفيف منابـع الفكـر والتدبير في ذهنــه... وقد يودي به إلى  بعثـرة الأهـداف وإلى اضمحلال الطمـوح... وهـو ما يفسـر في رأيـه عـدم اكثرات قـومـه بما يجري لهم وحولهـم... وإلا فـإنـه مجـرد غـِــرّ معتــوه لأن يكـون وحيـداً في إدراكه وهواجسه ورؤاه.

أدار السيارة فاشتغل المحرك... وأدرك أنه من أهل الدنيا من جديد... أعـاد ترتيب أوراقه... واستعاد سيطرته على الموقف... وأنطلق ليكمـل مشوار مهمتـه الميدانية... فأخـذ يرنـو نحـو الطريق أمـامـه ومـا يحيط بها من مساحات شاسعة من الحصى والرمل والصخور والشمس... واستعاض عن موسيقاه بصـوت المحرك يغنّي وعجلات السيارة تـرد عليـه وهـي تنهبُ الأرض من تحتهـا في بانوراما طبيعية اتحــدت فيهـا الأرض بالسماء، في أفــق ما انفك يتمدد أمام ناظريه... فبـدأ يفقد إحساسه بجسـده الذي صار كأنـه جــزء من كتلة الحديد التي تنهب الطريق وعقله الباطن يتولى القيادة... وفوجئ بأن رأسـه قد صـام عن الكلام... ولم يدرِ كيف توقف تيار الوعي لديه بالذوبان في لحظــة الزمـان وسيمفونية المكان... حيث بـدأ رأسه يتلمس بعض الأفكار المشوشة المخيفة... أفكار أكبر من عقله البسيط غير المعقد... أستغـرق في هذه الأفكـار لدقائق طويلة في غفلة عن كل ما حولــه... يتــذكـر، يقــارن، يقيـّـم... حتـى تـراءت الصورة لرأسه بشيء من الوضــوح... لحظــة الإدراك الفريدة... الكتابـة على الحائــط التي صفعتـه كإعصـار... نبــوءة التمــرد المقدســة... تـاريخ طويل من الانتظار والمعاناة... جيــل كامـل يحمـل جـذور الغبـن والقهــر والحرمـان.

انقشــع مـا تراكـم من غبشٍ في الصورة أمـامـه... واتضحـت لـه معالم الطريق... وصار يرى الفرق بجلاء بين الحقيقة وأضغاث الأحلام.

عبد الحفيظ الزياني

طرابلس 8 ديسمبر 2014

[1] Two One Four Engineering، Yes

[2]  عوينه (عامية)، أيزاده. ويبدو أنّ للكلمة أصلاً فصيحاً، وهو (العون) أو ما يُستعان به.

[3] اللهيد في العامية الليبية : الجري السريع. (الصديق).

[4] طائرات حقلية تجوب الصحراء بين الحقول النفطية  لنقل العاملين والمعدات والمواد الغذائية.

[5] Sun.. Sun.. Sun. here it comes

[6] Hits alright

[7] Hare Krishna

[8] محطات الإحماء والتسخين هي نقاط يتم فيها تسخين النفط أثناء ضخه إلى مواني التصدير حتى لا يتجمد داخلها (الصديق)

[9] Dire Straits

[10] Doughnut

راجع:

- بين الآذان والإقامة (قصة قصيرة بقلم/ عبد الحفيظ الزياني)

- الحافلة الأخيرة (قصة قصيرة بقلم الراحل/ عبد الحفيظ الزياني)

- (السُوريلّلا).. قصة الراحل/ عبد الحفيظ الزياني

- الصديق بشير نصر: القاص المترجم عبد الحفيظ الزياني يرحل عنّا في صمت

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل