فنون وثقافة

في غات عرفت القمر [الفصل الخامس عشر]

إبراهيم محمد الهنقاري | 2022/06/22 على الساعة 18:37

كانت حكومة السيد عبدالقادر البدري هي ثاني اقصر الحكومات الليبية عمرا فقد تم تشكيل هذه الحكومة يوم ١ يوليو ١٩٦٧ وتم الاعلان عن استقالتها يوم ٢٥ اكتوبر ١٩٦٧. فلم يزد عمر هذه الحكومة عن ١١٧ يوما بما فيها يوم الاستقالة.

وكانت اصغر الحكومات الليبية عمرا هي حكومة السيد محمد الساقزلي وهي الحكومة الثانية في عهد الاستقلال والتي لم يزد عمرها عن اثنين وخمسين يوما بين يوم ١٨ فبراير ويوم ١١ ابريل ١٩٥٤. وهي الحكومة التي قال فيها شاعر الوطن احمد رفيق المهدوي عضو مجلس الشيوخ طيب الله ثراه قصيدته الساخرة؛

حكومة رئيسها شمباشي…

مدتها كدورة المشماش…

سبعة أيام وما تماش…!!!

ويبدو ان شاعر الوطن رحمه الله كان يعلم آن رئيس تلك الحكومة قد عمل في مرحلة ما في حياته في جهاز الشرطة الليبية او الايطالية برتبة نائب عريف أي شمباشي كما قال الشيخ الشاعر.!

واذا كان يجوز لنا ان نقارن بين هاتين الحكومتين من حيث قصر عمرهما الا ان ما انجزته الحكومتان كان مختلفا جدا. إلا ما كان من الموقف المعروف للسيد محمد الساقزلي من الحكم الصادر من المحكمة الاتحادية العليا بتاريخ ٥ ابريل ١٩٥٤ ببطلان المرسوم الملكي بحل المجلس التشريعي لولاية طرابلس الصادر بتاريخ ١٩ يناير ١٩٥٤ وما تبع ذلك من المظاهرات التي كان يقف وراءها السيد الصديق المنتصر والي ولاية طرابلس وطلب السيد محمد الساقزلي رئيس الحكومة الليبية الاتحادية من الملك الصالح تنحية والي طرابلس من منصبه وهو الامر الذي رفضه الملك الصالح وطلب من السيد الساقزلي ان يستقيل هو من منصبه كرئيس للحكومة الاتحادية الليبية.!

ولعل هذه الواقعة التاريخية الليبية تقدم درسا هاما لشباب اليوم في ليبيا حول ما نعنيه حينما نتحدث عن حكم الدستور والقانون الذي كان هو العنوان الرئيسي لنظام الحكم في المملكة الليبية المتحدة ثم المملكة الليبية.

فهاهو رئيس الحكومة القائمة يغضب لتصرفات والي احدى ولايات المملكة ويطلب من رئيس الدولة مولانا الملك الصالح ان يزيحه من منصبه وهاهو رد الملك الصالح برفض ذلك لانه لا يريد ان يعزل الوالي لامر يتعلق به شخصيا ويبدي احترامه والتزامه بحكم المحكمة العليا وهي أعلى سلطة قضائية في البلاد بعدم دستورية مرسوم ملكي أصدره ملك البلاد.!! وقام بدلا من ذلك بعزل رئيس حكومته الذي طلب منه ذلك في محاولة منه للدفاع عن الملك.!!

إن مثل هذه التصرفات السياسية لانعرفها إلا في أعرق وأكبر الدول الديموقراطية في العالم. وها هو الملك الصالح طيب الله ثراه يقدم الدليل على أن المملكة الليبية المتحدة لم تكن تختلف في شيئ عن أعرق وأكبر الدول الديموقراطية في العالم.!!

هكذا كانت تسير الامور في.المملكة الليبية المتحدة دولة الدستور والقانون. وهو ما قد لايعرفه وقد لا يصدقه كما قلنا الجيل الحالي من الشباب الليبي الذين حرمهم إنقلاب ايلول الاسود من معرفة ودراسة تاريخ الوطن العزيز وتاريخ رجالاته الكبار والتعرف على مواقفهم السياسية والوطنية الحقيقية التاريخية والكبيرة.

فحكومة السيد الساقزلي او حكومة الشمباشي على راي الشيخ المحترم احمد رفيق المهدوي لا نجد لها في كتاب التاريخ السياسي الليبي الحديث شيئا يذكر غير تلك الحادثة التي أنهت تلك الحكومة ولما تبلغ الحلم.!

بينما سجل التاريخ لحكومة الرئيس عبدالقادر عبدالقادر البدري رغم قصر مدتها أيضا عددا من الانجازات الهامة قدر الله لي ان اكون شاهدا عليها خلال عملي معه ومع حكومته.

صحيح انه لم يزد عمر حكومة دولة الرئيس عبدالقادر البدري عن تلك المدة القصيرة مائة وسبعة عشر يوما من أيام الله ولكنها كانت من أشد أيام الله على ليبيا وعلى الامة العربية.

لقد قدر الله لهذه الحكومة ان تعيش وأن تشهد اثار اكبر هزيمة عرفها العرب في تاريخهم الحديث. وقدر لها أيضا أن تقوم في الوقت نفسه بواجبها الوطني والقومي لموجهة اثار تلك الهزيمة وأن تكون شاهدا أيضا على اكتشاف العرب لأكبر أكاذيبهم الاعلامية منذ أيام عصرهم الجاهلي حين قال شاعرهم عمرو بن كلثوم التغلبي في سوق عكاظ وهي أكبر كذبة قيلت في تاريخ الادب العربي: 

- "ملأنا البر حتى ضاق عنا.. وظهر البحر نملؤه سفينا!..“ (هم لا يعرفون سوى "سفينة الصحراء" وهو الجمل)!!

- "إذا بلغ الرضيع لنا فطاما.. تخر له الجبابر ساجدينا.!" (لم يشهد التاريخ أن جبارا واحدا من الجبابرة الكثر قد خر ساجدا لطفل عربي لا قبل الفطام ولا بعده)!!

وكان ذلك ما يشبه ما كان يقوله مذيعهم أحمد سعيد في "صوت العرب" سوق عكاظ العصر الحديث عن صواريخ أطلقوا عليها أسماء مثيرة مثل " القاهر "و" الظافر ".!! وقالوا لنا إنها القادرة على تدمير "اسرائيل "!! بينما لم تكن تلك الصواريخ المزعومة قادرة على شييء.!! لم تكن قادرة حتى على الحركة.!! كما ثبت خلال العمليات العسكرية إذ لم ينطلق منها صاروخ واحد لا قبل ولا بعد بداية الحرب.!!

كان الاعلام المصري قبل نكبة الخامس من يونيو حزيران ١٩٦٧ يصنف بلادنا المملكة الليبية ضمن الدول "الرجعية عميلة الاستعمار"!! ولكن احداث الهزيمة الكبرى في الخامس من يونيو حزيران ١٩٦٧ قد فرضت واقعا جديدا لم يكن يتوقعه أحد لا من العرب ولا من العجم بعد أن فضحت الهزيمة كل أكاذيب الاعلام الثوري العربي الرسمي.!

هذا الواقع الجديد هو ان "الدول العربية "الرجعية وعميلة الاستعمار" هي التي أصبح عليها إصلاح ما أفسدته "الأنظمة الثورية العربية " الوطنية التقدمية والمعادية للاستعمار .!! وإنقاذ تلك الدول التي تدعي "الثورية" من الانهيار المحقق.!! وذلك بعد تلك الكارثة التي سميت بالنكبة الثانية بعد نكبة فلسطين عام ١٩٤٨.!!

خلال تلك الفترة العصيبة أثبت السيد ألرئيس عبدالقادر البدري طيب الله ثراه انه فعلا رجل المرحلة كما يقال. فقد أصدر اولا تعليماته الصريحة لوزارة شؤون البترول بالتنفيذ الحرفي لقرارات مؤتمر وزراء النفط ألعرب في بغداد بوقف ضخ النفط الليبي الى كل من الولايات المتحدة وبريطانيا والمانيا الغربية كما كان اسمها في ذلك الوقت وعدم التساهل في ذلك باية صورة كانت. تعليمات صريحة وواضحة ولا تقبل التأويل وقامت وزارة شؤون البترول بتنفيذ تلك التعليمات. فقد تم على الفور منع شحن باخرة في ميناء السدرة يوم ١٧ يونيو ١٩٦٧ كانت تنوي نقل شحنة من النفط الليبي من خام السدرة الى المانيا الغربية.!

والغريب والمؤسف ان نفس الباخرة توجهت بعد ذلك الى ميناء دولة عربية اخرى موقعة على قرارات بغداد حيث تم شحنها بنفط تلك الدولة الى المانيا الغربية بدلا من خام "السدرة" الليبي وذلك بالمخالفة لقرارات مؤتمر بغداد.!!

كما كان الرئيس عبدالقادر البدري أشد أعضاء الحكومة حماسا لتقديم الدعم المالي للدول العربية الثلاثة المتضررة من العدوان الإسرائيلي في الخامس من يونيو ١٩٦٧. وقد لقي في ذلك الدعم الكامل من الملك الصالح الذي كان يرى في ذلك واجبا دينيا ووطنيا وقوميا.

ففي مؤتمر وزراء المالية والاقتصاد ومحافظي البنوك المركزية العربية الذي عقد في بيروت عقب أحداث الخامس من يونيو حزيران عام 1967 كان السيد سالم لطفي القاضي طيب الله ثراه وزير المالية ورئيس الوفد الليبي الذي كنت عضوا فيه الى ذلك المؤتمر كان اشد الوزراء العرب حماسا في تقديم الدعم اللازم للدول العربية الثلاثة المتضررة من العدوان.

وكنت شاهدا على ذلك خلال الجلسات الرسمية وخلال لقاءاته الجانبية مع وزراء المالية العرب والتي كان رحمه الله يطلب مني حضورها معه حيث أتيحت لي فرصة اللقاء والتعرف على العديد من الشخصيات السياسية المالية العربية الكبيرة التي شاركت في ذلك المؤتمر الهام.

لقد كان السيد سالم لطفي القاضي رحمه الله مواطنا ليبيا وعربيا وقوميا تجمعت فيه كل صفات المروءة والشهامة والايثار والوطنية الحقة وهي بعض من أخلاقه ونبله لابد لي من ذكرها والاشادة بها بعد علاقة طويلة جمعتنا خلال سنوات العمل العام في المملكة الليبية. رحمه الله رحمة واسعة وجزاه خير الجزاء لجهاده ولخدماته الجليلة للوطن العزيز.

كانت الاستقالة المفاجئة لحكومة ألرئيس عبدالقادر البدري صدمة للكثيرين الذين عرفوا حرصه الشديد على دعم الدول العربية المتضررة من نكبة الخامس من يونيو حزيران 1967.

ولابد من الاشادة بموقفه وموقف حكومته من التقيد بقرار مؤتمر وزراء النفط العرب في بغداد مساء يوم 5 يونيو 1967 بتوقيت بغداد وبسعيه المتواصل لتقديم واجب الدعم السياسي والمالي للدول العربية الثلاثة المتضررة من العدوان الإسرائيلي. نسأل الله له المغفرة والرضوان.

لقد كان السيد ألرئيس عبدالقادر عبدالقادر البدري واحدا من رجالات الاستقلال الذين كتبوا باعمالهم الوطنية صفحات بيضاء ناصعة البياض في كتاب التاريخ الحديث للمملكة الليبية المتحدة ثم المملكة الليبية نائبا في البرلمان ووزيرا ورئيسا للحكومة الليبية التاسعة في عهد الاستقلال. اللهم اغفر له وارحمه.

ابراهيم محمد الهنقاري

- إضغط (هنا) لمراجعة الحلقات السابقة.

إبراهيم محمد الهنقاري. | 27/06/2022 على الساعة 16:49
تعقيب.
اشكر الاستاذ محمد على مروره وعلى تعليقه. و اضيف الى ذلك ان العرب قالًت إن اعذب الشعر اكذبه.! ولكن ذلك لا يغير شيئا مما ورد في هذا الحديث. مع خالص التحية والتقدير للاستاذ محمد.
ابراهيم محمد الهنقاري. | 26/06/2022 على الساعة 19:02
تعقيب.
شكرا استاذ محمد على التعليق. اعلم ان الشعراء يتبعهم الغاوون و انهم يقولون مالا يفعلون. كما اعلم ان اعذب الشعر اكذبه كما يقولون. تحياتي لك.
محمد حسن البشاري | 23/06/2022 على الساعة 06:40
تعقيب
الشكر والتقدير للكاتب الكبير الأستاذ أبراهيم الهنقاري على هذه المذكرات الشيقة ، ولكن لدي تعقيب بسيط آملا أن يأخذه الكاتب بصدر رحب وهو عن أبيات الشاعر عمرو بن كلثوم فهي جزء من معلقته المشهورة والتي كنا نحفظ أبيات كثيرة منها في الصغر لا أدري لماذا ولكنني أعتقد بأن جزء منها كان ضمن منهج النصوص الذي كان ممتازا وما أفهمه من مثل هذه الابيات هي المبالغة فقط وليس سرد حقائق وقد ينطبق عليها ما يقال : "يجوز للشاعر ما لايجوز لغيره" والله أعلم.
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل