فنون وثقافة

"انما الأمم الأخلاق مابقيت…"

علي الشرقاوي | 2022/06/18 على الساعة 22:06

بسم الله والصلاة والسلام على حبيب الله.. كنت قد تريثت كثيرا قبل الانخراط في قراءة باكورة روايات الكاتب المحترم النعاس (خبز على طاولة الخال ميلاد) وذلك حتى قرأتها وقرأتها وقرأتها.. ومن ثم منحت نفسي الوقت الكافي للتخلص من ردود الفعل السريعة والتي كثيرا ماتكون غير صحيحة بنسبة كبيرة وأيضا لامتصاص الصدمة نتيجة الإطلاع على بعض القراءات التي نشرت حول الرواية وحتى أكون في موقع وسط مابين الرواية والمتلقي المحلي وهو الأهم بالنسبة لي وحتى أسمح لمعظم التساؤلات والاستفهامات لتثار حولها فأحاول أن انأى بنفسي عن إعادة الكتابة بصيغ مفبركة... 

وعند محاولتي الأولى لقراءة أخرى مابين السطور وفوقها وتحتها ومن أول كلمات الرواية حتى تقاعس ميلاد عن إيجاد نفسه فكل الطرق كانت ترجعني إلى ذات البداية وهي التقنية أو الصناعة والتي بدت واضحة جدا في البناء القصصي للرواية وأيضا التدريب والتجريب اللذين أخذا من الكاتب كل مأخذ وهو يقارب مابين مجموعة من الحكايات الاثيرة من واقع مجتمعنا والعمل بحرفية عالية على إعادة صياغتها ووضعها في قالب حتى وإن تقسم في أزمنة وأماكن مختلفة إلا أن السيد النعاس استطاع أن يسمها جميعها ويجعلها ذات خصوصية تجسد حال ميلاد المشتت مابين رغباته وواقعه المفروض واستطاع أيضا أن يصنع فقرات متماسكة تربط الحكاية من رأسها إلى اخمص قدميها ولم يبخل على تلك الفقرات بنخاع الأدب المشوق عبر حبك الفقرات والجمل والعبارات وكأنها فعلا تعجن وتسبك وتختمر كما هو حال خبز ميلاد الذي يتضح تماما مجهود السيد النعاس العملي الفعلي في تعلم صناعته بل واتقانها وعليه فكنت وأنا أقرأ الرواية كراكب قارب خشبي بمجداف أعتمد على قوة ساعدي في محاولة الوصول إلى يابسة ما.. وبين علو حتى أجد أن قرص الشمس الذهبي صار ارتعاش في مساحة ضرب المجداف لسطح الماء وبين نزول حتى ألمس بأطراف أصابع قدمي رمال أعماق المحيط كنت ونفسي على طرفي نقيض... 

فبحثت في الجدار أمامي اطرق أركانه بحثا عن منفذ إلى ماوراءه لم أجد بدا من الصعود الذي وضعني في قمة التضاد مابين النعم واللاء ولكأن ضربات ذلك المجداف لاتزال تدفعني صعودا ونزولا بينهما.. فوقفت ونفسي على طرفي نقيض وأنا انتقل من مكان لآخر ومن زمن لزمن وبين بدايات ميلاد ونشؤه اللا اختياري وبين واقع وضعه بين مطرقة العرف وسندان المجتمع.. وبين افتراض وجود المحاور إلى اقتحام المدام للنسج الدرامي للرواية الأمر الذي جعل من كل الأحداث في الرواية تتوازن على كفي حرفية وصناعة عالية للنسج الدرامي المحكم.. واستطاع السيد النعاس بعد اعداده جيدا لميلاد ليقوم بالدور المطلوب وعلى أكمل وجه أن يسخر له الزمان والمكان والأدوات ليشكل من عجينه الخبز الذي شممنا رائحة نضجه الشهية ونحن نتتبع خطوات اعداده له وليرتب أدوات وجوده في شخوص استطاع توظيفها بحيث لم يكن بالإمكان تخيل غياب أحدها عند الوصول إلى نهاية الأحداث وكيف استطاع أن يقرب العبسي من المتلقي حتى لكأنه يجعل منه جليسا وأنيسا وتحويل الأحداث اليومية في بيت ميلاد وفي المخبز إلى مكان ينتقل إليه المتلقي بكل أريحية...

كما أنه كان موفقا تماما في التوليف مابين شخصيتي ميلاد وزوجته وتشاركهما في الأفكار رغم المسافة والزمن الذي ابتعدا فيه عن بعضهما إلا أن بذرة ما تركها الاشتهاء غي نفس كل منهما جعل من تلاقيهما موعدا مؤجلا حتى حين.. وحقيقة أن قدرة النعاس في تصوير المشاهد وتلوينها بالدهشة واللذة والإثارة يرفع لها القبعة فبين بئر الاسطى ميلاد وبين الظهرة وتونس استطاع النعاس أن يجعل من المتلقي فردا آخر لاخيار له في مرافقة ميلاد في كل حالاته وكل الأماكن الني تواجد فيها وفي مختلف الازمنة بل وحتى في أكثر حالات ميلاد خصوصية…

إلا أنني أختلف عن كثير ممن كتبوا قبلي حول الرواية وجعلها غير قابلة للنقد لمجرد فوزها بجائزة البوكر وقد أجد الكثير مما يمكن قوله حول اخفاقات النعاس في بعض مواقع داخل تضاريس روايته ماجعلها تخرج عن ما حاول أن يصوره عبر أحداث الرواية أنها مجموعة قيود وهنا أسجل تحفظي الأول وأرد أيضا حتى على السيد مقدم برنامج البلاد الذي يذاع على قناة ليبيا 218 وهو يعلق على أحد الآراء قائلا أن الإبداع لايخضع للتحكيم الديني والاخلاقي.. فكم كان السيد مقدم البرنامج مخطئا ولكن نلتمس له العذر من حيث جهله بهذا الجانب ولعله من باب الانتصار لفوز رواية محلية بالجائزة ولكنني أرجع إلى بيت القصيد حول اخفاقات السيد النعاس في محاولة منه تضاف إلى صناعته لهذه الرواية وذلك بالخروج المتعمد عن المألوف واستمالة الفريق الذي يفرض وجوده منذ سنوات والذي يرفع شعارات مغلوطة حول الانفتاح والتحرر ولعله السبب الرئيسي في الحصول على الترتيب الأول ولعلني أعتقد جازما أنه لولا هذا الخروج والزج ببعض الجمل والكلمات التي لم تخدم النص في شيء ولم يكن غيابها عن السرد مؤثرا ولعله من الملاحظ الجلي أن هناك عمل منظم ممنهج لفرض هذا النوع من الاسفاف في مختلف نواحي الإبداع والفن وعلى كل المستويات بل وتدفع أموال طائلة للدفع في هذا الإتجاه…

فبالنظر إلى واقع الموسيقى والطرب وكيف تحولت الأغنية إلى وجبة تغذي الغرائز لا أكثر وكيف أصبحت الأفلام السينمائية مادة للخلاعة والانحلال تحت مسمى الإبداع الذي لايخضع لأي حدود وكيف أصبحت القصيدة مرتعا لكل الألفاظ النابية تحت مسمى الحداثة ولم ينجو من ذلك الاسفاف لا مسرح ولاندوة ولا مهرجان إلا النذر اليسير وحتى نصل إلى هوية محلية متينة منهجية تنطلق من ثوابت وقيم وتخدم قضايا مهمة وتعرض المشاكل وتقترح الحلول وتناقش السلبيات وتجاهر بالايجابيات فيجب علينا أن ننطلق من حقيقة تكويننا والذي لايجب أن نعترف نفاقا أنه خطأ وتخلف وإن البديل المعروض والمقترح الآن هو البديل الأفضل... 

ولن يستطيع السيد النعاس ولاغيره من المبدعين الانسلاخ من مجتمعاتهم حتى وان رأوا في ذلك الخلاص المفترض ومالك الدعاوى بمسمى الانفتاح إلا ركلة أخرى نحو سقوط مدو ومؤلم... 

ولن يكون أبدا الجرأة على وصف الجليل سبحانه بالمختلس -تبارك الله عما يصفون- لن يكون أبدا ابداعا ولا في عرف ولن يقبلها اي مجتمع إلا من يرون في زواج الأجناس المتشابهة حق مشروع وهم ونحن على طرفي نقيض وحتى يصدم من حاول الكتابة وفق الثوابت والقيم المجتمعية من أنه لن يستطيع الفوز بتلك القيمة النقدية الكبيرة إلا بانغماسه تماما في في ذلك المستنقع الذي يدعو كل متطلع إلى الشهرة الرخيصة هيت لك.. وعندها سيحاول بعض المتعوسين كمن يبحثون عن قيمة الجائزة من العمل في ذات النسق لإرضاء الفريق الذي يملك الأرض والمال والوقت والأدوات في محاولة لفرض واقع آخر بدأت معالمه تتضح في كثير من بلدان العرب ويبدو أنه لن يتوقف…

وأعتقد جازما أن كل من يحاول التمسك بهذا الطوق الزائف بحثا عن الشهرة والمال كالمتمسك بثقل أثناء حالة سقوط حر.. وإن الصراع مابين القيم في طرفي المعادلة سوف لن يكون صفرا.. وأتمنى على السادة المشتغلين في حقل الإبداع في عالمنا العربي الإنتباه للمسؤولية الملقاة على عاتقهم للنهوض بهذه الأمة ورفض مايتم فرضه من اسفاف تحت مسمى الانفتاح…

واخيرا لن أجد ما أصف به رواية خبز على طاولة الخال ميلاد بين براعة الكاتب في نسج فصولها واحكام بداياتها ونهاياتها وبين تحفظي على بعضها إلا كالقول بلذة الوجبات السريعة وسهولة هضمها ولكن لن ينكر أحد أنها ضارة بالصحة واسجل إحترامي الشديد للسيد النعاس وأتمنى له الفوز في قادم المشاركات ولكل المبدعين الليبيين متمنيا للأدب والابداع الليبي بالرقي والتقدم…

علي الشرقاوي

- رابط تحميل الرواية

- المزيد حول الرواية والكاتب والجائزة

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل