فنون وثقافة

حثروبه… (قصة قصيرة لـ فتح الله المجدوب الحاسي)

ليبيا المستقبل | 2022/05/27 على الساعة 16:53

لم يغادر ذاكرتي برغم من مرور أكثر من أربعين عام مازالت الذاكرة تأتي به، تحفظ تفاصيل كثيرة منه، مخزنة في مخيلتي، بشكله الغريب، رأسه الكبير وعينيه الجاحظتين وحجمه الضئيل وطريقة حديثه العجيبة، كلما تحدث يفتح فمه يخرج لسانه فتسقط الحروف من بين شفتيه مضغوطه خشنة مترنحة.

كان قصيرا قريبا من الارض، اُطلقت عليه ألقاباً كثيرة. تعرض للتنمر والاضطهاد بسبب شكلة وتكوينه الخلقي. كنا نناديه (حثروبه).. حثروبه الولد الشقي، يقطن نهاية الشارع في بيت صغير مع (جدته) العجوز التي أرهقها بشغبه وسبب لها الكثير من المشاكل وورطها في قضايا لا حصر لها. كثيراً ما سمعناها تدعو عليه (عطك طوبه ياحثروبه). 

 

لم تك بيني وبين حثروبه رابطة صداقة او معرفة قوية سوى انه (جار) لكنني كنت معجب الى حد كبير بشجاعتة. كان شجاعاً متهوراً، يخوض معارك يومية مع اولاد الاحياء المجاورة، ويشن عليهم في غارات متكررة وفي الغالب يعود منهك مثخن بالجراح.

في أحد الايام وجدت حثروبه يقف عند ناصية بيتنا ما ان رأني حتى نادني بصوته المتلعثم (تعال نبيك). توجست خيفة منه وظننت بأنني بصدد الدخول في معركة مع هذا المتهور. لكنني سيطرت على إرتباكي وخوفي، أقتربت منه (كنك)…

اخرج حثروبه ورقة من جيب (سرواله الخلفي) وقال: ”أقرأها لي“. تصفحت الورقة كانت جملة واحدة مكتوبة بخط ركيك (مازلت غير انت ياحثروبة يارأس لحمار).

كان حثروبة يتابع ويتفرس في ملامح وجهي وأنا أقرأ الرسالة. قال حثروبه وهو مبتسم (هذه من صاحبتي زاهيه. واخيرا ردت علي)، وأخذ يتحدث عن زاهيه بكل رقة وشفافية وشغف. قال أنه يحبها منذ فترة بل يحب كل الأشياء المتعلقة بها. شارعهم بيتهم حقيبتها فستانها جديلة شعرها مشيتها كل شيء. وقال انه في الليالي المعتمة كان يجلس تحت شجرة الدفلة الملاصقة لسور بيتهم، كنت استمتع بذلك اشعر انني قريبا جدا من زاهيه. واخبرني انه ذات مرة تشاجر مع اخوها، قال:كنت قادراً على ضربه لكنني كُرم عين زاهيه انهزمت امامه وتركته يضربني.. كان يتحدث وهو في غاية السرور والسعادة. كنت صغيرا مراهقا مثله تغيب عن فهمي أشياء كثيرة لكنني احسست بكل هذا الفيض من المشاعر التي يكنها حثروبه لمعشوقته…

- (ايش كاتبه) قال حثروبه…

ابتسمت… 

- ”كاتبه نجك لي ياحثروبه“.

مرات أيام كثيرة لم أرى حثروبه، وذات يوم مررت بمنزل زاهية وعند شجرة الدفلة وجدت حثروبه جالساً والدموع تنهمر من عينيه، اقتربت منه، نظر الي ثم أخذ يبكي بصوت مسموع، يقطع القلب وهو يردد ”ياناعلي يابوي ياناعلي يايمي“. كنت هذه هي المرة الاولى التي ذكر أُمه وأبيه فيها. بعد أن هداء قليلا فهمت منه ان زاهية قد انتقلت الى مدينة أخرى..

بعد سنوات التحق حثروبه بالجيش.. يقال أنه مات وهو يحاول انقاذ رفاقة المحاصرين إبان الحرب الليبية التشادية.. وهناك من يقول أنه الان مواطن (امريكي).

السلام لروحك اين ما كنت يا حثروبة….

فتح الله المجدوب الحاسي

الفنار.. الاوراق الاخيرة.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل