فنون وثقافة

الصورة النمطية للكاتب.. فنجان قهوة وسيجارة وفيروز!

ليبيا المستقبل | 2022/05/25 على الساعة 14:55

ليبيا المستقبل (مها حسن – ضفة ثالثة): لطالما شغلت بالي تلك الصورة المرافقة للكاتب في ذهن بعض الكتّاب، والقراء أيضًا، وهي عبارة عن أحد ثلاثة أشياء، أو مجموعها معًا: وردة ـ فنجان قهوة ـ كتاب.. وإذا كانت الصورة تحتمل إضافات صوتية، فيجب أن تكون هناك أغنية لفيروز حصرًا، ترافق المثقف وصورته الجاهزة لدى الآخر.

لماذا ارتبطت هذه التفاصيل الجاهزة والتنميطية لأداء الكاتب الذي هو نفسه، يلتقط لكتبه صورًا يضع بجانبها الورود وفناجين القهوة، أو يجلس خلف مكتبة مليئة بالكتب.

لماذا ارتبطت صورة المثقف بمفردات رومانسية، حتى إن لم تنتمِ كتابته إلى المدرسة الرومانسية، ولماذا يتم سجن مفهوم الرومانسية بهذه المفردات والصور الثابتة: ورد وموسيقى وقهوة!

قبل شهور، أثارت الكاتبة والأستاذة الجامعية المصرية منى البرنس موجة من الجدال في وسائل التواصل، انتقلت آثارها إلى حياتها المهنية، حين نشرت فيديو لها وهي ترقص على سطح بيت، بملابس بسيطة ترتديها السيدات في بيوتهن. كما نشرت الشاعرة التونسية المقيمة في هولندا لمياء المقدم فيديو لها وهي ترقص. لكن هذا الأداء المحطم للصورة المألوفة عن الكتّاب، نادر وغير مألوف من الكتّاب الرجال العرب، الذين يعتقدون بأن الكتابة مرتبطة بمفردات ثابتة، ومظهر خارجي يجب التقيد به.

> ربطات العنق

ارتبطت البدلة الرسمية وربطة العنق في ذهني بأداء رجال السياسة أكثر منها لدى الكتّاب.. إذ منذ طفولتي وصباي المبكر، أرى صورة الكتّاب تميل أكثر صوب الحياة الطبيعية، بينما أرى أن التقيد بالملابس الرسمية هو نوع من البروتوكول الخاضع لتقاليد صارمة.

حتى اليوم، تحرص المهرجانات الفنية ذات السمعة الكبيرة، على فرض نوع من الملابس على الفنانين: فساتين السواريه وأحذية ذات كعوب مرتفعة للسيدات، وبدلات رسمية للرجال.. وهناك انتقادات دائمة لهذه البروتوكولات الأٌقرب إلى الديبلوماسية السياسية منها إلى الفنية والثقافية.

في حياتهم اليومية، خارج وظائفهم، يمكن رؤية السياسيين الفرنسيين بملابس عادية، كأن يظهر ماكرون مثلًا ببنطال من الجينز وتي شيرت قطني، وهو يقود دراجته الهوائية كأي إنسان عادي..

الكاتب العراقي صموئيل شمعون دافع أيضًا عن علاقته بحذائه الرياضي الأبيض الذي يظهر به في أغلب المناسبات مهما كانت جادة ورسمية.. وكذلك نرى هنا، في أوروبا، كاتبات يذهبن إلى حفلات توقيع كتبهن، بملابس بسيطة: بنطال جينز وحذاء مريح دون كعب وقميص خفيف، مع قليل من الماكياج والإكسسوارات..

على العكس، تبدو بعض حفلات توقيع الكاتبات في البلاد العربية، كأنها حفل زفاف. حضرتُ شخصيًا بالصدفة حفل توقيع لشاعرة غير معروفة، حين كنت برفقة أصدقاء كتّاب في بيروت، وشعرت بالخجل من مظهري. كنت أرتدي بنطالًا من الجينز، دون أن أضع أي ماكياج، حين قال لي صديق شاعر: أنت روائية ولست عارضة أزياء!

غضبت منه لاحقًا، حين رأيت ضيفات الشاعرة، والشاعرة ذاتها. بدا الأمر كأننا في عرض للأزياء.. حجم الاستعراض في الملابس والماكياج وطريقة الكلام المفتعلة، جعلوني أشعر بالنفور والرغبة في المغادرة، لأن الجو لا يمت للثقافة بصلة. 

> تعقيد المظهر الثقافي

لست ضد الأناقة بالتأكيد، لكنني أتحدث عن التكلّف في المظهر الذي يرتبط برأيي بالتكلّف في النص. بمعنى، وهذه وجهة نظري الخاصة، أن الكاتب الذي يميل إلى التحديث والتطوير في نصّه، لإنتاج نص مغاير، لا يهتم كثيرًا بأن يظهر في ملابس ذات طبقات مركبة، تجعل الاهتمام منصبًّا حول شكله، لا حول نصّه.

لهذا فإن الجرأة في الملابس والظهور الخارجي، تظهر من كاتب ذي نص جريء وتجربة مخالفة للسائد، كما ذكرت للتو من أسماء..

يحضرني أيضًا في حلب، حين دخل الشاعر لقمان ديركي يرتدي بيجامة رياضة حمراء من ماركة فاخرة، وبشعره الطويل الذي يحافظ حتى الآن عليه، الأمر الذي أثار بعض الانتقادات السرية من أعضاء اتحاد الكتاب الذين اعتبر أغلبهم من الوسط المحافظ والتقليدي سواء في نمط الكتابة أو في نمط ارتداء الملابس..

كان لقمان ديركي في بداية طريقه الشعري، وكان يتصرف على سجيته كشاعر، وكنا قد كبرنا، جيلنا، لقمان وأنا والآخرين، على صورة الكاتب البوهيمي، المعارض للسائد، المتمرد.. ولهذا كان من الطبيعي أن يظهر شاعر مثل لقمان بملابس مخالفة للسائد، وأعتقد أنه من غير الطبيعي أن يظهر شاعر مثله، ببدلة سموكن وحذاء رسمي على طريقة ممثلي السينما الارستقراطيين، من عرب وغربيين.

في فرنسا، مع ظهور الدادائية، ثم السوريالية، ظهرت هذه الظاهرة الغاضبة من النقمة على الملابس الرصينة، والتي تحبس الكاتب بداخلها، وصرنا نرى الكتاب الثائرين بملابس مستفزة أحيانًا، تنسجم مع معتقداتهم الفنية والفكرية.

جرأة عدم ارتداء ملابس مزينة ومزركشة ومبالغ في انتقاء ماركاتها، ترتبط باعتقادي بثقة الكاتب بنصه من جهة، وبأداء مختلف لدى الكاتب. أي أن الشكل يرتبط بالمضمون، النص الحديث يستلزم ظهورًا حديثًا ومتخففًا ومرنًا لدى صاحبه.

> أما نحن النساء، من وجهة نظر القارئ

ضمن السياق ذاته، والصورة المكرّسة عن الكتّاب والكاتبات، ومحاولة من البعض التقرّب منّا نحن الكاتبات، تصلنا رسائل أراها مضحكة، تنتمي إلى العصور السالفة، من حيث تخيل ذائقة المرأة، التي تكتب وإلى جوارها فنجان قهوة، وموسيقى رومانسية ناعمة وكثير من الورود، وعبارات منمّقة.

العبارات المنمقة هي مربط الخيل في هذه الرسائل، إذ يعتقد مرسلوها بأنهم يبتكرون للوصول إلى قلب الكاتبة، عبر عبارات لا تحمل أي معنى، وهي تجميع لمفردات جزلة خارجة عن الحياة اليومية وعن الهمّ الذهني أو الأداء المختلف.

تصل أغلبنا، نحن الكاتبات، الكثير من صور الورود والعصافير وأغاني مرتبطة بالذائقة المكرسة على أنها هذه هي الرومانسية، دون أن يجهد أي مرسل من هؤلاء نفسه في السؤال عن ذائقة هذه المرأة بالذات، أو هذه الكاتبة بالذات، لأن تصور الأغلبية أن المرأة تكتب في شروط واحدة: إلى جانبها فنجان قهوة يعلو منه البخار، كثير من الورود على طاولة الكتابة، تصفف شعرها كالممثلات في سينما الستينيات والسبعينيات.

أما المرأة التي تجلس في المقهى، على طريقة فرانسواز ساغان، أو التي تكتب جالسة في السرير، أو على الأريكة، إلى جانبها طبق من الفاكهة المجففة، تستمع إلى موسيقى لا يعرفها الكثيرون، ولا تنتمي إلى المزاج العام، فهذه صورة غير مألوفة لدى أغلب هؤلاء القراء.

حتى أن صديقة صحافية كتبت على صفحتها في الفيسبوك مداعبة: لماذا لا يلتقط الكتاب لأنفسهم صورًا وهم يأكلون صحنًا من الملوخية مثلًا؟ لماذا القهوة والسيجارة هما المرافقتان لطقس الكتابة!

هكذا يرى أغلب القراء عالم الكُتّاب، وهكذا أيضًا يكرّس بعض الكتاب هذه الصور، عبر الصور التي يظهرونها أمام الجمهور، وكأنه ما من كاتب يمكنه أن يكتب بدون أن يكون محاطًا بجدران مغلقة، خلفه الكثير من الكتب، يستمع إلى موسيقى هادئة، يُفضّل أن تكون لفيروز، وحوله ورود وصور خيول وفراشات وطيور.

ضفة ثالثة، 25/5/2022

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل