فنون وثقافة

المختار الجدال: الثانية بعد منتصف الفعكات… (قصة قصيرة)

ليبيا المستقبل | 2022/05/14 على الساعة 00:25

خروف يرقد في قدر أحمر على لهيب نار يفور الخليط فيه حتى يتحرك الغطاء ويقف أدريس يحمل بقايا مغرف مشلومة عند طرفها العريض، يخرج قطعة لحم يتلمسها يضغط عليها بين أبهامة وسبابته، ثم يعيدها ببطء ويحكم وضع الغطاء

يعود يجلس على كرسي البلاستيك وتنتصب أمامه طاولة بيضاء، عينيه لا تفارقها لصلصات في زوايا مختلفة وهو يتأمل القدر

شخوص آخرين يتحلقون حول طاولة خشبية مستديرة جلست لأكمل الحلقة على كرسي يبدو إنه كان وثيرا ذات يوم وهو بنفس شكل الكراسي المحيطة، عدا ذلك لايوجد شيء مثير قادني إلى منتصف ليلة على ضفاف الفعكات.

ليل الفعكات يبدو صاخبا هذه الليلة، على حدود الصخب ينتصب المسجد الجار الجنب لليل، والليل يستر عورات كثيرة تختفي عند بزوغ الشمس.

النار تأكل القدر، أدريس يعاود نزع الغطاء ويخرج قطعة لحم وهو ينظر إليها، وينفخ فيها من زفيره، ثم يقرصها مثل كل مرة، يعيدها، وينزل بجسده تحت القدر ليحرك بذات الأصابع صمام الغاز ليزداد الوهيج ويرتفع معه صوت أصتطدام الماء واللحم وجدار القدر.

على المستديرة ترتطم الكؤوس المملوءة حتى أعناقها، تتشارك معها قناني بلاستيكية فارغة بعضها واقفا والبعض الآخر يرقد على مساحات مختلفة، تتحرك كلما حرك أحدهم كأسه، وتتوزع صحون تحتوي قطع من التفاح المسودة نتيجة تعرضها لهواء غير نظيف.

جلست اتأمل المشهد أتبادل تحايا مع آخرين بعضهم أعرفهم وآخرين أراهم لأول مرة، ولكنك مجبر أن ترد حتى على من حرك حواجبه بأتجاهك، أحدهم أخرج جهاز كشف أرتفاع الحرارة وأخذ يضعه على الجباه.

وصل يحمل أكورديون وضعه في زاوية وجلس بالقرب من المستديرة، وبدأت رحلة الأطراء من الحاضرين، فتظاهرت بأني أعرفه، فقلت له أنت عازف أكارديون، تبسم وقال نعم، لم يلاحظ أني أسترقت النظر عندما دخل.

أخرج اللحم الشهي مستوي هذه المرة وضع في كل صحن لحمة ووزعها على الطاولة المستديرة وأكل الجميع بنهم وعاود وضع قطع أخرى.

لم تنتهي الوجبة عند هذا الحد، دخل أحدهم يحمل كيسا من الأرز، وضع بعضا منه في القدر وأستمرت المغرف يحركها أدريس وهو يتأمل حبيبات الأرز وهي تتراقص، مثلما رقص اللحم في البطون المستلقية على الكراسي.

فتح الفنان حقيبة الاكورديون وأخرجه ليعرف مقطوعات موسيقية قديمة، يحرك أصابعه بفخر ويتمايل رأسه مغنيا بصمت مع ألحانه.. طلب أحدهم زهرة الياسمين

في الثانية صباحاً قررت المغادرة ولكن الرفاق أعجبهم المقام، أحدهم نظر نحوي وعيونه تتراقص ينعكس عليها شعاع المصباح، الآن فقط ولأول مرة شعرت بأني في المدينة.

رفيقي الآخر رقص حتى الثمالة وأعاد على مسامعي ريائه المصحوب برذاذ لعاب المتصوفة حتى نهرته شعرت بالأساءة من تكرار هراءه.

قبل أن أغادر دخل فنان آخر كائنه يعرفني التقيته ذات يوم، هذه المرة كان السلام أكثر حرارة.

ليل الفعكات يخيم عليه السكون عندما خرجت أدرت سيارتي وغادرت، لمحت مئذنة الجامع تشرف على الباحة.

قصة/ المختار الجدال

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل