فنون وثقافة

لحلافي.. شاعر حكايات الوطن

سالم الكبتي | 2022/05/08 على الساعة 16:35

 

"قولوا لهم لسنا عبيداً نُشترى.. ردّوا النقود فأننا أحرار.. حملة بحملة وطنـّا خير لنا.. لفاعي الوطن ولا عقارب غيره.. العين والعة بالوطن وحكاياته.. على ما جرى من موح ما نسياته“ حسين لحلافي

شهد يوم الخميس الثامن من أغسطس 1974 رحيل شاعر من شعراء ليبيا المهمين الذين آخوا في نظمهم بين فصيح الشعر والعامية.. شاعر أحب وطنه، وتغنى به في ظروف صعبة ومريرة زمن الاحتلال الإيطالي، وذاق مرارة الغربة الحالكة السواد، ولم يتمكن اليأس والقنوط من روحه على الدوام خلال تلك الظروف...

شهر أغسطس، على ما يبدو هو شهر وفاة الشعراء المبدعين، فقد شهد إضافةً إلى وفاة لحلافي رحيل شعراء آخرين ليبيين منهم:

• الشاعر/ أحمد الشارف في 11أغسطس 1959.

• الشاعر/ محمد عبد السلام الشلماني في 28أغسطس 1984.

• الشاعر/ عبد ربه الغناي في 16أغسطس 1985، الذي عرف لحلافي زمن الدراسة في الأزهر خلال ثلاثينيات القرن العشرين.

• الشاعرة/ خديجة الجهمي – بنت الوطن – في 11 أغسطس 1996، شاعرة (الجوبة بعيدة) و(تباعدت عني)، و(بعد ولفتي) ابنة الشاعر المعروف/ محمد عبد الله الجهمي، (1900-1955) صاحب المساجلات الشعرية المعروفة أيضاً مع لحلافي أثناء لقائهما في المهجر بمصر، خلال الحرب العالمية الثانية.

وعلى مستوى آخر شهد أغسطس اللهاب أبداً وفاة شعراء مهمين آخرين ظلت آثار نزفهم المبدع تضيء عبر مسيرة الشعر الإنساني الطويلة…

• لوركا: الشاعر الأندلسي الذي أعدم في 20 أغسطس 1936 إبان الحرب الأهلية الإسبانية.

• وطاغور: شاعر الهند الكبير في 7أغسطس 1941.

• وبشارة الخوري: الأخطل الصغير، شاعر الصبا والجمال في 1أغسطس 1968.

• ومحمد سليمان الأحمد: بدوي الجبل، في 18أغسطس 1981.

• وعبد الوهاب البياتي: شاعر العراق الذي يأتي ولا يأتي في 3أغسطس 1999.

• وعبد الله البردوني: شاعر اليمن الضرير، صاحب قصيدة (أبو تمام وعروبة اليوم) الشهيرة.. في 30 أغسطس 1999.

• وعلى مستوى آخر أيضاً.. فهذا الأغسطس اللهاب جداً شهد أحداثاً جساماً خفق لها قلب العالم، كان لها تأثيرات واضحة في تاريخه الحافل، ليس أقلها اندلاع الحرب العالمية الأولى في سنة 1914 لتنتهي من ثم في سنة 1918، وإلقاء القنبلة الذرية لأول مرة في التاريخ الإنساني فوق هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين في 6 و9 أغسطس 1945، وإحراق المسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969.. وهكذا.

• أحداث ووقائع مريرة اجتازها العالم.. وسيخلدها الأدب الإنساني، ويحفظها للأجيال المتعاقبة، وفي مقدمة ذلك الشعر.. الشعر بناره الأزلية المشتعلة على الدوام.

وقد كان لحلافي.. الشاعر المولود في بدايات القرن العشرين، شاهداً هو الآخر بنفسه وبشعره على أمور كثيرة، فقد عاصر في طفولته أواخر العهد التركي في ليبيا، ثم وصول قوات الغزو الإيطالي إلى الشواطئ الليبية، حيث وطأت أقدامها أول نقطة هي طبرق، وتوغلها من بعده في دواخل الوطن واحتلاله كلية، والمقاومة الشجاعة في كل المناطق، وطوابير الشهداء ومشاهد المجاعة والأوبئة، والنفي والقهر والإبعاد، واندلاع حربين عالميتين شرستين، فيما تخللت تلك الأعوام الموجعة هجرته وغربته وحنينه إلى الوطن بصورة منقطعة النظير، وتشبثه بتحقيق النصر دون إحساس بالإحباط واليأس. إن لحلافي بهذا الشكل مثل حالة منفردة بين بقية الشعراء الليبيين، وصار في الوقت نفسه شاهداً على عصره.. وشاعر قضية.

عندما ولد حسين بن محمد بن حسين بن أحمد لحلافي سنة 1905 في المخيلي، جنوب الجبل الأخضر كان التعليم وقتها مقتصراً على الزوايا والمدارس الدينية، والدروس الفقهية واللغوية التي يقوم بها في الغالب الفقهاء تطوعاً، وعلى أيديهم نال نصيباً من التعليم في منطقته وحفظ الفرآن الكريم في محيط عامر بالعلم والثقافة، فزاوية المخيلي حيث ولد ونشأ تولى مشيختها أهله وأقاربه من آل لحلافي العائدة أصولهم إلى المغرب البعيد.

قبل مولد لحلافي بعشر سنوات تحديداً في سنة 1895 شعرت الحكومة التركية كما يوضح الدكتور وهبي البوري بالحرج: (جراء ازدياد عدد المدارس الأجنبية في المدن والتحاق بعض أبناء ضباطها وموظفيها الأتراك للدراسة بها، فسارعت بتأسيس مدرستين ابتدائيتين وأخرى ثانوية في بنغازي، ومدرسة في درنة، وأنشأت في طرابلس التي كانت أفضل تعليماً مدارس أخرى).

في هذا الإطار وفي هذه البيئة في المخيلي وما حولها وبينما عاش لحلافي طفلاً ثم صبياً (بل في الوطن الليبي كله) ولقلة المثقفين والمتعلمين برز الشعر الشعبي صوتاً للناس واحتل موقع الصدارة وأضحت له مكانة بارزة في نفوس سكان الحضر والبادية على السواء.

كان الشعراء -رجالاً ونساءً- يؤدون بذلك وظيفة اجتماعية وإعلامية بمقياس عصرنا الحالي -إن صح التعبير- وبواسطته يفصحون بكل تلقائية عن ظروفهم ولحظاتهم الهانئة والمرهقة بأبيات سهلة مليئة بالصور الرائعة، وكان الناس يقبلون في أسمارهم ومنتدياتهم المختلفة على سماع هذا الشعر، وأغاني العلم والقصص والحكايات الشعبية، وسيرة الهلالية وتجريدة حبيب.. وغيرها من ملاحم لا يغيب الشعر الشعبي عنها، على أيَّ من الوجوه كان الشعر الشعبي هو لسان الحال.

لحلافي بعدئذ سيصبح من الشعراء الفنانين الذين امتلكوا ناصية الشعر الشعبي، وبجدارة فائقة، لقد كان مثل غيره ابن البيئة المعاشة وليس غريباً عنها.

الشيخ (محمد الحسين لحلافي) المتوفي سنة 1929 والد الشاعر، كان رجلاً فقيهاً وعالماً، إضافةً إلى أنه من رفاق المجاهد (أحمد الشريف) ومن ضمن المؤسسين لدور (الظهر الحمر) جنوب مدينة درنة لمواجهة الغزو الإيطالي، ومن المجاهدين أيضاً في دور (وادي قمره) في برقة البيضاء والأبيار، ثم معسكر خولان جنوب القبة في الجبل الأخضر.

هذا الوالد الشيخ سيضطر فيما بعد للهجرة صحبة أسرته، مثلما اضطرت كثير من العوائل والأسر الليبية للهجرة إلى الأقطار المجاورة، وستقيم تلك الأسرة في مرسى مطروح، سنة 1925 كان الشاعر قد وصل إلى أعتاب العام العشرين من عمره، وهناك يلتحق بالدراسة في الأزهر ليلتقي من خلالها بعديد من زملائه من أبناء الوطن على اختلاف أعمارهم ومناطقهم ومراحلهم التعليمية في (رواق المغاربة) فوحدتهم الغربة، وحب الوطن المأسور في قبضة الفاشست والحنين إليه، ومن أولئك: الزبير أحمد الشريف.. الشاعر أيضاً والذي تساجل مع لحلافي شعراً أيام الرواق، والسنوسي الغزالي، وأحمد الغزالي، وصالح بويصير، وعلي صفي الدين السنوسي، وحسن السوسي، وعلي مصطفى المصراتي، وعبد ربه الغناي، ومحمد الصابري، وعلي فرهود، ورجب عبيدة، ومراد عبد السلام، وعلي زاقوب.. وغيرهم، ثم مع بوادر اندلاع الحرب العالمية الثانية وتشكيل القوة العربية الليبية في 9 أغسطس 1940 ترك الدراسة مع بعض منهم وانضموا إلى تلك القوة، واختير إماماً لإحدى كتائبه المقاتلة.

في شبابه برع لحلافي في نظم (الشعر العاطفي) فأخذ بأسبابه وتعلّق به كثيراً واشتهر (بمجاريده) التي ذاعت في هذا السياق في أفراح الليبيين المهاجرين، و(أولاد علي) القاطنين في مطروح وبالحناش القريبة منها:

مرحبتين أهلاً يا غالي 

وقتاً ما صبيت قبالي

حسيت أنـه يزهـى بالي

نـنـسـى مـوال التـفـكـير

أو..

عدّا مول الدور اسفّا

ناقش كفّا

نجع اجواد الكافر لفّا

أو

تقول في الغطا مكتوب يخطر عزيز ساعات نومها

يخطر زوله

مولى الحداجه لاورا مجدوله

من طول ياسهم تمت تموج ملوله

والعين في زمان الموح، تما حساب يومين يومها

لها يصوّر

نظيف العضا مولى الجبين مدوّر

ناره زرت ع العقل نين تعوّر

والنار يا عزيز عذاب، إن جارت الله لا يدومها

يهفّ عليها

مولى الحداجه لاورا سافيها

لا تذوق قوت ولا نوم يجيها

واللي م الغلا مليوع، العين ع البكا مايلومها

إلى آخر القصيدة، وهي طويلة…

غير أن ظروف بلاده المحتلة وظروف هجرته وهجرة الكثير من الليبيين وتشتتهم في مختلف الأقطار، جعلته يقصر شعره الشعبي فيما بعد على الجانب الوطني وتزامن ذلك مع نظمه الشعر الفصيح، وإن كانت شهرته في الشعر الشعبي -في الواقع- طغت عليه.

ربما في مرحلة لاحقة، سيعود لحلافي.. الشيخ والشاعر إلى بعض موضوعات الغزل، وإنما على استحياء وخجل، ورائده في ذلك شعر بعض الفقهاء والعلماء الذين لهم بعض التجليات مثل (عروة ابن أذينه).. وسواه.

كان شعر لحلافي الوطني يجد صدى واسعاً لدى المهاجرين، ويتردد أيضاً في الداخل، يقتحم الأسوار التي أقامها المحتل الإيطالي ويعيش في صدور أبناء الوطن وتردده شفاههم على الدوام، وفيما أضفت (الهجرة)على تجربته الشعرية أبعاداً غايةً في العمق والجمال، فقد ظل لحلافي (شاعر المهجر) بلا منازع في تلك الفترة، وأجاد إجادة تامة في التعبير بشعره الشعبي عن مختلف القضايا والموضوعات الوطنية، ولم يتوان عن النضال ومقارعة العدو بالكلمة من وراء الحدود، ورغم كل الشعر الذي قيل في تلك الأعوام إلا أن شعر لحلافي تميز بخاصية معينة يلمحها الناقد والدارس لشعره بسهولة ويسر.. خاصية وميزة التشبث المتواصل بأمل العودة إلى الوطن وانكسار العدو الإيطالي في وقت تقطعت فيه السبل وتشابكت الدروب وأصيبت بعض النفوس بالقنوط واليأس خاصةً إثر إعدام الشهيد (عمر المختار) في 16سبتمبر 1931، لكنه لم ييأس، وظل قادراً على القول:

العين والعة بالوطن وحكاياته

على ما جرى من موح ما نسياته

و…

نهيت خاطري لمته على تفكيره

وجبده لـوطنه ما ترك سيره

وهو مطلع لواحدة من قصائده، تضمنت محاورة بين (عقله وعاطفته)، وفيها شد وجذب بينهما، وكانت الرؤية المتعقلة هي الغالبة دوماً أثناء الحوار، وهذه القصيدة وردت بها عبارته المشهورة في أحد مقاطعها التي غدت مثلاً سائراً:

حملة بحملة وطنّا خير لنا

لفاعي الوطن ولا عقارب غيره

وقد نظمها لحلافي سنة 1934، وأزعم في هذا السياق أنه -مع اختلاف الظروف- سبق (بدر شاكر السياب) الشاعر العراقي في بعض معاني قصيدته (غريب على الخليج) التي نظمها في الكويت سنة 1953:

(الشمس أجمل في بلادي من سواها

والظلام

حتى الظلام هناك أجمل

فهو يحتضن العراق !)

خلال هذه الفترة كما سلف القول كان الشعر الشعبي يمثل صورة حية وصادقة للهوية الوطنية وصوتاً للناس، عندما عجزت الكلمة المكتوبة عن هذا الدور المهم، ولذا شكلت قصائد لحلافي مع قصائد غيره من الشعراء المهاجرين أمثال الفضيل المهشهش، عمر بوعوينه المنفي، وعروق بومازق، ومفتاح الحق، وسعيد بوشلبي، والسنوسي بوصفحة، وبلحوق القطعاني، وعلي قليصة، وعلى بن حسن المقصبي.. وغيرهم، شكلت مزيجاً قوياً ونادراً من الإبداع الشعري العامي، الذي ربما عجزت عنه (الكلمة المكتوبة)، لقلة القراء والمثقفين، كما شكلت في الوقت ذاته لحمة متينة مع الشعر المنبعث من داخل الوطن المحتل، من شعراء آخرين لا يقلون عطاءً وإبداعاً مثل: بن رويلة المعداني، وخالد رميلة، والفضيل الشلماني، ورجب بوحويش، ومحمد بن زيدان الشريف، وموسى الراوي، وهيبة بوريم، وسالم البنكة، وجبريل الرعيدي، وأبوبكر جعوده.. وغيرهم أيضاً.

في المهجر كان لحلافي عائشاً بجذوره.. بوعيه.. بعقله في الوطن، في فضية الوطن التي كانت شغله الشاغل، فلم يترك مناسبة أو حدثا وطنيا مهما إلا ونظم عنهما شعراً، تخليد المعارك، حشد الجموع في المعتقلات الشائكة، الإشادة بالوحدة الوطنية في وجه الغاصب الإيطالي، تفكر اللحظات السعيدة، وصف (أوهام الوطن) قطعة.. قطعة، رثاء الشهيد عمر المختار، والمجاهد أحمد الشريف إثر وفاته سنة 1933، والمشاركة بردود شهيرة في المساجلات الطويلة المعروفة مثل (أحوال حايلة) و(عمري عليه الوطن ما تنهاكن) التي نظم مطلعها (أحمد مخلوف) أحد شباب بنغازي من ذوي الوعي الوطني المبكر الذي قتل في حادث غامض -ربما تكون السلطات الإيطالية وراءه بطريقة ما- في حمام مريوط بمصر سنة 1930، وأسهم فيها لحلافي مع الفضيل المهشهش، وأحمد رفيق، وأبوبكر جعودة الذي قُـتل غدراً مع أفراد أسرته في حادثة (آل جعودة) المعروفة بمدينة بنغازي في أبريل 1941، ثم قصيدة (القطار) التي نظمها سنة 1930، وتخيل فيها عودته بواسطته إلى البلاد واصفاً الدروب والمسالك التي يشقها من محطة باب الحديد في القاهرة إلى أن يصل إلى ترهونة وطرابلس وورفلة، عابراً كل مدن ومناطق ليبيا. ومن قصائده الشهيرة أيضاً التي يصف فيها حالة المهاجرين من الليبيين في تلك الأعوام في لحظة مقارنة لا تخلو من الحزن...

اللي يختـشوا قبل كانوا عـصارى..

يقولوا يساره..

اليوم يخدموا في فلوح ونصارى..

اللي يختشوا قبل كانوا املاح..

نهار الدلاح..

نسيوا م الصغا خيلهم والسلاح

وعاد يبكوا وين ما الـفجر لاح..

وضاوي نهاره طراريح..

للـسمينتو والحجارة

اللي يختشوا قبل كانوا قرومه..

يعّدوا اللومه..

وفي وطنهم قبل كانوا حكومه..

اليوم يا خسارة..

طراطيـش ما عاد جابوا دباره

ونموذج آخر:

عندما سقطت مدينة بنغازي للمرة الثانية سنة 1942 في أيدي قوات المحور (الألمان والطليان) وانسحبت منها القوات البريطانية، انطلق أغلب سكانها في هجرة محمومة إلى الخارج، ومنهم الشاعر (محمد عبد الله الجهمي) الذي أقام في مصر فترة من الزمن، وأرسل للحلافي قائلاً:

اليوم ليبيا راحت وراحوا هلها

يدوخـن أفـكاري كي نجـيب عـللها

وين ما نذكـرها

وتذرف عيوني كي نجيب خـبرها

كنيب لحلافي ع البكا يصبرها

بما صار فيها ما يعقب تنها

هنا يرد لحلافي على صديقه (الجهمي) بأبيات شجاعة فيها قوة وإصرار، وفيها حلم بهزيمة الطليان والألمان معاً، بعكس أبيات الجهمي التي نفذ منها الأمل ونالها اليأس في ساعة قهر مريرة:

تعيش ليبيا حرة ويحيوا هلها

ويقطع الله دابر اللي بهدّلها

﴿ليبيا﴾.. ما راحت

حـتى لو عـدونا حازها وانزاحت

كمين مملكة زالت وراية طاحت

وردّ حكمها ثاني اللي زوّلها

ليبيا بعيد الـسو ما ننسوها

لا تقول راحت كلنا نفدوها

على الله في قوة جـديدة نجوها

وحنا عازين وضدنا واكـلها

وحنا عازين وحالنا فنطازي

وتسقط الفاشيستا وحزب النازي

وتقدع بعد غربة على بنغازي

وكل حي داره هو اللي ينزلها

وبحكم النشأة والبيئة، تعليماً وثقافةً، استطاع لحلافي أن يطعم أشعاره العامية بجمل ومفردات فصيحة تأتي في سياق القصيدة على نحو جميل، خلافاً لما عرف  مثلاً عن الشاعر أحمد رفيق الذي كان يطعم بعض شعره الفصيح بعبارات عامية لخدمة غرض يود إيصاله للمتلقي، لحلافي بذلك يعد من الشعراء الليبيين الذين نظموا الشعر الفصيح والعامي وهم قلة، يأتي في مقدمتهم، إضافةً إلى رفيق بالطبع، حسين الغناي، عبد ربه الغناي، إبراهيم الهوني، إبراهيم الأسطى عمر ويوسف الفيلالي، وقديماً: عبد السلام بوهديمة العريبي.

في شهر يوليو سنة 1943، يعود لحلافي إلى وطنه بواسطة القطار الذي كان في تلك الأيام يصل إلى طبرق، محققاً بذلك حلمه القديم من خلال شعره، ليواصل نضالاً من نوع آخر، فقد ألتحق بالتعليم في مدينة درنة سنة 1944، وشرع مع زملاء له في تعليم وتثقيف الجيل الذي عانى أهله ووطنه محنة الاحتلال وذل المستعمر والجوع الكافر الذي ظل يضرب بقوة، وكان من بينهم آنذاك في تلك المدينة الشاعر أحمد فؤاد شنيب، وأنور عمر شنيب، ومحمود الديباني، ومبارك الجيباني، وعبد الكريم جبريل.. وغيرهم.

وينشر في الوقت ذاته قصائده الفصحى والعامية في الصحف الصادرة وقتئذ: (بنغازي، برقة الجديدة، ومجلة عمر المختار، ومجلة الفجر الليبي)، وتذاع له بعضها في هيئة الإذاعة البريطانية (القسم العربي)، كما يكتب بعض المقالات الاجتماعية وينشر بعض القصائد الفصحى في مرحلة متأخرة فيما بعد من خلال مجلة (الهدى الإسلامي).

وينتقل إلى سلك القضاء، فيعين قاضياً سنة 1948 في طبرق ثم اجدابيا، ثم يعمل بالمعهد الديني في البيضاء في سنة 1955 وحتى 1961، حيث يستقيل من الوظيفة ويستقر في مدينة درنة إلى سنة 1965، ومنها ينتقل للإقامة في مدينة البيضاء إلى وفاته، ويواصل نظم قصائده ويحقق ويدوّن لتاريخ الجهاد ويترجم لبعض أعلام ليبيا من الفقهاء والمجاهدين والمعلمين ممن عاصرهم أو سمع عنهم داخل البلاد أو في أيام الهجرة.

إن سيرة (حسين لحلافي) إنساناً وشاعراً، في المهجر أو في الوطن، تعطينا أحسن الأمثلة لمعاني العفة والكبرياء والاعتزاز بكرامة النفس، فكانت ذاته تنعكس على موضوعه في كل الأوقات وتحت جميع الظروف، فلم يهادن أو يتزلف المستعمر كما فعل بعض (الضعاف) الذين تمكنت إيطاليا من نفوسهم، كان بشعره الشعبي يضاهي كبار شعراء الفصحى حباً للوطن وأهله، وتفاؤلاً بالنصر وهزيمة الطليان، رغم الإحباطات والخيبات والانكسارات، وحتى عودته عبر (القطار) الذي رسمه في رؤيته الشعرية ثم صار واقعاً يشق الهضاب البعيدة صوب الوطن حاملاً في جوفه جموع المهاجرين من الليبيين الذين طوّحتهم إيطاليا، وفي صدورهم ثمة حنين قديم، وفي عيونهم بارقة أمل تبشر بها شمس جديدة.

سالم الكبتي

* الصور للشاعر حسين لحلافي (1905-1974). الوثيقة.. رسالة بخط الشيخ حسين لحلافي موجهة منه إلى الأمير إدريس السنوسي بتاريخ 27 سبتمبر 1949. كان الشاعر يقيم وقتها في طبرق بعد عودته من الهجرة في مصر.

- راجع: الشاعر حسين محمد الأحلافي

 

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل