فنون وثقافة

النزعة الإنسانية والطبيعة في شعر مصطفى العربي (2)

د. الصديق بشير نصر | 2022/01/22 على الساعة 22:06

”وأوسع من هذا الفضاء حديث الإنسان؛ فإن الإنسان قد أشكل عليه الإنسان“. أبو حيان التوحيدي

يقولون: "الشاعر ابن بيئته". وهذا صحيح إلى حدّ بعيد، ولكنّ الشاعر الإنسان هو ذلك الذي يتجاوز الإطار الزماني والمكاني الذي وجِد فيه مجبوراً عن غير طواعية منه أو اختيارٍ. وتلك أولى سمات الأدب العالمي. والشاعر مصطفى العربي لا يخلو من هذه النزعة، فأنت حينما تقرأ له يتراءى لك شاعراً إنساناً لا يختص به جنسٌ من الأجناس ولا لون من الألوان. وربما يذكرك هذا بمقولة الشاعر الإنجليزي وليام باتلر ييتس وهو يقدم الشاعر الهندي طاغور للعالم بأنه الشاعر الذي خرج من رحم الإنسانية، ولم يخرج من أحشاء الهند. وفي نفس مصطفى العربي تصطرع كلّ الأهواء والنزغات والأحلام والأخيلة حتى أضحت أشبه ما تكون بمرجلٍ تضطرم في قعره كلُّ المشاعر والأحاسيس التي تكتنف جميعَ النفوس البشرية في جميع حالات قوتها وضعفها، والتي تظلّ في كثير من الأحايين مكبوتةً، ولكن لا تلبث أن تنفجر بوخزة  دبّوس. وقد تتمثل لنا  النزعة الإنسانية في قصيدةٍ  لشاعر، أو في خاطرةٍ، أو في روايةٍ لأديب، أو في لمعةٍ خاطفة لصوفي درويش، تحدث أثراً ينطبع في قلب المتلقي. وربما هذا هو السبب في اعتناء الغرب، مع الاختلاف الثقافي، بمثنوي جلال الدين الرومي وأغاني شيراز لحافظ، وروضة الورد (گلستان) لسعدي، أو رباعيات الخيام، أو حتى (المواقف والمخاطبات) لعبد الجبار النّفري مع ما يكتنف هذه الأخيرة من إشراقات  فلسفية، باعتبار أنّ الخطاب الصوفي المتدثر برداء الفلسفة  حديث إنساني يناجي القلوب قبل العقول.

والنزعة الإنسانية في الأدب عامة، وفي الشعر خاصة، جنوح الأديب نحو الآثار الظاهرة والباطنة للإنسان، التي تعبّر عنها مواقفه من ذاته، ومن الآخرين، ومن كلّ ما يحيط به من الموجودات، سواء أكانت عاقلة أم غير عاقلة، وحتى الجمادات التي تشكّل أكبر قدر في الكون. وموقف الشاعر والأديب من كلّ ذلك لا يعدو أن يكون موقفاً ذهنياً أو وجدانياً يعبّر عن تجربةٍ يتفاوت الناس في فهما قبولاً وردّاً.

ولعلّ الجانب النفسي الذي يعتمل في نفس الشاعر هو الأكثر ظهوراً وإن تخفّى أو تستّر تحت مناجاة الطبيعة، فهو بلا ريب ذلك الجبل الجليدي الذي يختفي ثلثاه في قعر المحيط ولا يبدو منه إلا ثلثه الذي قد يبصره ربابنة البحر (وهم هنا رجالات النقد) بعد أن تتهشم عليه مراكبهم.

ولإدراك النزعة الإنسانية في أيّ عملٍ أدبي معايير لا تخفى، منها: ملامسة قلب المتلقي حيث ينتابه شعور بأنه هو نفسُه المادةُ الخام التي يعمل عليها الأديب أو الشاعر أو الفنان وإن لم يصنع هو ذلك العمل. وربما يصحُّ أن يعبر عن ذلك، بأنّ النزوع نحو الإنسانية في الأداب والفنون هو محض الميل نحو كلّ ما جُبِل عليه البشر…

والنزعة الإنسانية  في الآداب يغلب عليها كونها ذاتية، ولا يمنع أن يكون فيها شيءٌ من الموضوعية، غير أنّ هذه الأخيرة هي ذلك الثلث الظاهر من جبل الجليد الذي أشرنا إليه، بينما يقبع الثلثان في قاع المحيط. ومن تلك المعايير، أيضاً،  الكشف عن أسرار العلل التي تربط بين الموجودات جميعها، وهي تلك التي يتلهف المرء إلى اكتناهها ليقينه أنه جزءٌ منها، لا عن طريق التحليل العقلي ولكن عن طريق الحدس والإلهام الشعوري. ولإدراكنا، على حد رأي باسكال في تأملاته وخواطره، أننا"لا نكتفي بالحياة التي نحياها والقائمة في ذاتنا، ولكن نودّ لو نحيا في فكر الآخرين.

والأديب والفنان والشاعر، حتى في لحظات جنونه وهوسه تعبيرٌ عن حالة وجودية إنسانية، ولذلك لا نستغرب عندما تنثال الحكمة على لسان الأحمق المأفون.

والشاعر، غير العالم الفيزيائي والكيميائي، لا يتعامل مع الموجودات إلا من خلال ذاته، وتأثيرها عليه، حتى لكأنه يحسّها جزءاً منه أو أنه جزءٌ منها، فيسقط عليها من أفراحه وعذاباته. بينما لا يتعامل العالم التجريبي مع الموجودات إلا باعتبارها مادة جامدة ميتة يسعى لاكتشاف قوانينها فحسب.

ولمّا كان الأمر كذلك، فإنّ الشاعر هو مرآة الإنسان على مرّ الدهور، يجد فيه المرء بضعاً من أبضاعه المشتّتة. ولم يَعْدُ أبو حيان التوحيدي في (الهوامل والشوامل) الحقيقة عندما قال: "وأوسع من هذا الفضاء حديث الإنسان ؛ فإن الإنسان قد أشكل عليه الإنسان.

ولستُ أبالغ إذا قلتُ إنّ مصطفى العربي قَلْبٌ مُعنّى بكل المتناقضات التي أحاطت به من كلّ جانب، فأحسّ أنها تحدّ من حريته وانطلاقه، وأنّ أغانيه تحوّلت إلى صرخات مزعجة لا يتردد صداها إلا  في كلّ جُرفٍ سحيق، أو قنّة جبل شاهق.

والحوار الداخلي مع النفس عند الشعراء الإنسانيين قاسم مشترك بينهم، وهو الجذوة التي لاتنطفئ من نفوسهم، وهو نمط من التآلف مع الموجودات ولكن بطريقة يستسيغونها، فتراهم يتحدثون إلى الطبيعة في تحوّلاتها المختلفة على مدار الفصول، فيتحدثون عن البهجة تغمر نفوسهم كلما أصغوا إلى غناء البلابل وتغريد الحساسين، أو عن الأسى يعتصرهم  إذا أعمل  الحطّابُ فأسَه في جذوع الشجر ليطعمها النارَ في آخر الليل. وهذا يذكرنا بقصيدة (أبيات مكتوبة في ربيع باكر) للشاعر الرومانسي الإنجليزي وليام وردزوورث، الذي عرّف القراء على تلك الفكرة الرومانسية التي تُعدّ حجر الزاوية، وهي أن الطبيعة كما هي شافية، فهي في نفس الوقت قادرة أيضًا على إثارة انعكاسات غير مريحة حول حقائق الحياة  البشرية. تلك الأبيات التي يقول في مطلعها:

سمعت آلاف النغمات الممزوجة 

بينما كنت في بستان متكئًا

في هذا المزاج الحلو وعند الأفكار السارة 

انثالت الأفكار الحزينة إلى الذهن.

ويمضي وردزوورث يتساءل: "إذا كان إيماني بكل هذا الفرح الطبيعي مرسلاً من السماء، وإذا كان كل ما أدركته هنا هو جزء من خطة الطبيعة الإلهية، ألا يعقل أن أحزن على ما فعلته البشرية بنفسها؟. وفي تلك القصيدة (أبيات شعرية في أوائل الربيع)، يقدم وردزوورث الطبيعة على أنها الروح التي تحرك كل كائن حي.  حيث توحّد الطبيعة جميع  الكائنات الطبيعية في شعور مشترك بالبهجة، مما يجعلها جزءاً من كيان واحد كبير ومبهج.  ولكن بينما يستعذب المتحدث البستان الجميل من حوله، يجد سبباً ليس للابتهاج فحسب، بل للحزن. فالإنسانية، في رأيه، هي في الواقع جزء من هذا الروعة الطبيعية، لكنها بالتأكيد لم تتصرف بهذه الطريقة! فبدلاً من اتباع مثال الطبيعة والوجود في سلام ووئام، يقاتل الناس بعضهم البعض ويدمرون البيئات الطبيعية التي يعيشون فيها. والبشر فقدوا ارتباطهم بالفرح الذي هو حقهم المكتسب.  وصنائع الشر  أفسدت الطبيعة  فراح الشاعر يخلق لنفسه طبيعة جديدة موازية يعيش فيها بأخيلته وعواطفه، تحكمها قوانين إنسانية أخرى غير تلك القوانين التي سنها البشر. 

والشاعر مصطفى العربي ليس بدعاً من الشعراء، فهو يُعَنّيه ما يُعنّيهم. وشعره يطفح  بتلك المعاني والصور التي يسوقها حقيقةً تارةً، ومجازاً تارة أخرى. وهذا الشاعر المفعم بالإنسانية، تثيره أدنى الصور والمواقف، بله تعذبه وتقضّ مضجعه.

ولعلنا نرى ذلك جليّاً في قصيدته (شكوى طفل) وهي قصيدة حزينة غنائية، وإن كانت لا ترقى بيانياً وتصويرياً إلى مستوى قصائد ديوانه الأخرى، يقدّم لها الشاعر بقوله:"كانت دار الرعاية ملأى بالأطفال الذين حلت قلوب أمهاتهم من الإنسانية، ومات فيها شعور الأمومة. كانت الدار كمحطة تسمين أفراخ الدجاج، تبعث في النفس حزناً أليماً، تقيلاً لا يُحتمل. وكان بين الأطفال طفلٌ أسمر تناجيني عيناه بشكوى مريرة:

في دار حضانة

ضيّقةٍ مثل الزنزانة

أطفالٌ كالورد الأبيض

أطفالٌ أوجُههم تنبُض

حباً وصفاءً وطهارة

أعينهم مثل القيثارة

نغماتٌ حالمة تسحر

كالشهد كأقراص السُّكّر

كالحلوى.. كالخمر المُسْكِر

تحضُنه أكوابُ المرمر.

* *

في دار حضانة

ضيّقةٍ مثل الزنزانة

شدّت كفّي كفّا طفلٍ أسمر

وهو يقول بصوتٍ أخضر 

زاهٍ مثل ربيعٍ مُزهِر

حُلوٌ كتلاحين المِزهر:

«بابا.. ماما»

في عينيه قرأت كلاما

شعراً قد أُفعم آلاما

شكوى من حلق وحشيٍّ.. مملوءٌ شراً إجراما

«بابا.. ماما»

والشاعر مصطفى العربي يجعل من ذاته مادةً للحديث عن المظالم والمفاسد التي يصنعها الإنسانُ نفسُه فيشوّه بها كلَّ جميل. وهو ليس بذلك الشاعر الذي يواجه الإعصار، ولكنه لا يفتأ يبحث عن مكانٍ عصيّ على الطوفان يأوي إليه فيعصمه من الغرق.

وحيداً سأمضي فقد ملّ قلبي *** سعيرَ المكانِ وهولَ الزمانِ

وحبث النفوسُ وقبحُ القلوب *** وظلمُ الظلومِ  وغبنِ الأناني

أصلي هنالك بين السهول *** لربّ السهول وربِّ الحزون

وأصنع بالـــورد مـــا أشتهيه *** وأصــنعُ ما أشتهي بالغصون

وبالشدو من طير تلك الصحارى *** سأجمع ما أشتهي من لحون

أسيرُ مع الحسن أنّى يسير *** وأُغْرِق تلك الرُّبــى في معيني

وإن مِتّ فتأكلِ الطيرُ جسمي *** ستغدو حواصلُها لي رموسا

لتشربَ مهجةَ قلبي الورود *** ومن دم جسمي لترشف كؤوسا

سترحل لله روحي صفاءً *** سنمضي أريـجاً سيمضي شموسا

وألقى هنالك خُلْداً عظيماً *** وحُسْناً عُجــاباً وعيشاً نفيسا

والإنسانيةُ، كما يبدو في شعر (العربي)، مطالبُ أخلاقيةٌ وجماليةٌ قبل كلّ شيء. فمبتغاه الذي يروم جمالٌ وطهرٌ وحبٌّ وخير وفن. تتغير الأشياء بتغيّر قوانينها ونواميسها، لكنها تعود إلى أصل جِبِلّتها بعودة تلك القوانين. والإفساد هو كسر تلك النواميس والخروج عنها، وليست هي محض قوانين فيزيائية فحسب، ولكنها أيضاً روابط يساهم في صناعتها الإنسانُ نفسُه المستخلَف في هذا العالم. فها هو ذا يقول:

وفجّرتِ الأرضُ منبعَ طهرٍ *** فذا الخيرُ عن وجهها لا يُريم

فهــا قد تغنّيت حتى تمايل *** من شِدّةِ السُّكْرِ رملُ الأديم

جمــالُ وطُهر وحُــبٌ وخير *** وفنٌّ أمَاتَ اللظــى والحميم

وصارت صحارى النفوس مروجاً *** وأُحرقَ شوكُ الفسادِ الوخيم

صحا الكونُ واهتزّ بالأغنيات *** وبالأمس كان كأهلِ الرّقــيم

فما في الوجــود فؤاد بليد *** وما في الدُّنــا مُجرمٌ أو لئيــم

ويمضي (مصطفى العربي) الشاعر في فَوْرة الشباب وغُلَوائِه، يجدّ في طلب  مدينة فاضلة أو (يوتوبيا) تسود فيها المحبةُ والطُّهرُ، فيرى العوالم جميعها تسير في اتساق وانسجام كوني:

غدا الكونُ شعراً يفيضُ حناناً *** وأصبح كلّ غبيٍّ حــكيم

تصافحتِ الأنفسُ الطاهـرات *** فلا لم أجد أيّ مرءٍ خصيم

تعَــــالَيْ ملائكةَ  اللهِ إنّــا *** بنينا على الأرضِ خلدَ النعيم

فقد مــات كــلُّ عبيدِ التراب *** عبيد الشحومِ عبيد اللحوم

وصــرنا عباداً لربّ الوجود *** فنحن نصلي ونحن نصوم

وفي قصيدته (إلى أخي الإنسان)، وهي مثانٍ ومثالث ورباعيات طويلة النّفَس، متعددة القوافي،  تتجلى فيها معاني الإنسانية عند الشاعر، ويتجلى في هذه القصيدة بشكل ظاهر تأثير علي محمود طه، على الشاعر مصطفى العربي، وونرى ذلك أكثر جلاءً في رائعتيه المفرطتين في الطول: (قصتي بين السماء والأرض) و(رحلتي من الضياع إلى الغربة) وهو ما سنراه لاحقاً، في تنوّع قوافيها، وطول نفسها، وتردد مفرداتها، بله أوزانها أيضاً. وقصيدة (أخي الإنسان) هي أشبه ما تكون بمناجاة يرسلها الشاعر لصاحبٍ له تجمعه به رابطة الأخوّة، فيبثّه لواعجَ نفسه، وما يعتلج في روحه المشبوبة  من فيض المشاعر، ويرسم فيها صوراً متنوعة عن شذوه وأغانيه، وعن مزماره المنكسر الذي كان يرسل مع أشعاره الرقيقة أعذبَ الأنغام، ولكنها تبدّدت أدراجَ الرياح. فهو يتوجّع، في هذه القصيدة، كما في غيرها، لتحَوُّلِ الأحوال وانقلاب كلّ جميل في العالم إلى أشكال قبيحة، تدعو إلى الأسى، وقد أعمل الشر والفساد مخالبهما في كلّ الكائنات، فتسبب ذلك في انقلاب الموازين التي تحكمها وتسيّرها وفق نواميس الكون والموجودات: 

يا ليت شعري ما لنا نلهو ودنيانا خـــراب؟

مات السَّنا مات الشذا ماتت أماتيَّ العِذاب

ماتت طيورُ الغابِ والأنغامُ والحسْنُ العُحَاب

مات الجمالُ الباسمُ المحبوبُ في قبح  التراب

في هذه القصيدة تتزاحم الصور وتتداعى، وتجري في إيقاع سريعٍ طروب. فاستمع إليه يقول:

أأُخيّ، يا إِلفي ويا أنسي  وبهجةَ خاطري

أنت الأثيرُ ومن سكبتُ له دُفوق مشاعري

فاسمع صدى روحي وأغوارَ الفؤادِ المكتئبْ

واسمع مــزاميري تفيض طهارةً وسناً وحُبْ

وأنظــــر قناديلي وشمعي طافحــاً بضيائه

هذا هو الشعــرُ الذي يُســبي الصفا بروائِه

فاسمعه أو اطْرحه فهو دم الفُــؤادِ الملتهِب

وحذار يـا إلْــفي من الحُـزنِ ومن لذعِ اللهب

إنّــي غــريبُ في وحـودٍ قــد تغَــشّاه الضَلال

إنّــي غريب في حــياةٍ ليس يغشاها الجمال

مُــرٌّ مذاقُ الكونِ يا صاحِ كطعــمِ العلقمِ

مشبوبةٌ أرجاؤه مـــثل الجحـــيمِ المُـــؤلمِ

لا شيءَ في الدنيا سوى نــوْحٍ مريرٍ ودموع

يا صاحِ قد مات الفراشُ الفاتنُ الحسْنِ البديع

يا صاحِ قد ولّى الربيعُ الباسمُ الطلقُ الجميل

يا صاحِ قد جفّ البها في زهرة الروضِ البليل

يا صاحبي إني ضعيفٌ  مُنهَكُ القلبِ عليل

قد مات ذاك الرقصُ في قلبي وأرداه الغليل

هذي حياةٌ كاللظى. لا، لا وربي لا تُطاق

هذي حياةُ الكفرِ والعهــرِ وأشْــراكِ النفاق

هذي حياةُ الشّرِ والظُّــلْمِ فيا قُبْـــح الحياة!

مـــــاتت أزاهيرُ الحــــياةِ المــائداتُ العـــابقة

هــذي طــواغيتُ الردى تجــتاحُها كالصاعقة

ضاع الصباحُ المُشرقُ المعسولُ واربدّ الظلام

عاش الخنا عاش الردى مات الهدى مات السلام

يا صــاحِ هـــذا عــالمُ لا ينتشـــي لا يطــــرَبُ

غَـــشّـاه تَلــــْجُ المـوتِ والصّمتُ وذاك الغيهبُ

ألقتع غِـــيلانُ الفنــــا في هــوْجَلٍ قـــاوٍ بعـيد

في لُجّةِ النسيانِ حيث الدود يلــهو بالورود

فــغذا بقـبر الموت جسماً جامدَ القلب كئيب

لا يَنشَقُ الشِّعرَ ولا يـــدري بأنّ الشعرَ طِيب

فهو الرفاتُ الهــامدُ المسحوقُ في قِدم الزمن

لا يعـــرفُ الشذوَ ولا يهـتزّ من شِعْــرٍ وفــن

لا يشتكي إن مسّه الخزنُ وديجـــور الألــم

لا ينتشي إن فاض نايُ الشّعر مِرقاصُ النغم

لا يعــرفُ الأنـــوارَ والأشــذاءّ والطيرَ الطروب

لا يشتكي مضّ الأسى إن جلّل الكونَ الغروب

لا يشتكي مضّ الأسى إن غام يحموم الحروب

لا يشتكي مضّ الأسى إن ناح في الليل القلوب

يا صاحبّيْ شمسي قضتْ يامؤنسي بدري أفَلْ

يا مُؤنِسَيْ وحشُ الأسى أفنى من القلبِ الأمل

فانهدّ بُنيان السّرور الضّــاحك العذبِ الخَضِل

وانطــــاد بُنيان الأسى مثل الجـحيم المشتعل

عبر الشجى عبر اللظى عبر البــــلايا والعدَم

أمضي وحيداً مُثقلَ الظهــرِ بآصار الألــم

إنّي غــريبٌ تائهٌ يــا صاحبي أين الطريق؟

إنّي على هــمٍّ وفي غــمٍّ وفي حُـــزنٍ عمـيق

قد مَيّعَت قلبي اللظي ياصاحبي من يأسو الحروق

ورمت على قلبي دياجيرُ الشقا هَذي الحنوق

غنّيتُ للإصــباحِ للإمساءِ أيــاماً طــــوال

لــم يُجْدِ ذاك الشعرُ فالحــــزنُ ثقيلٌ كالجِبـــال

لم يُجْدِ نوْحٌ القلبِ لم تُجْـدِ الأغــاني في المسا

فالحُــزنُ ذا يا شدَّه !! مثل الســــعير ملمسا

نايــاتُ قلبي رضّــــها واستفّها مثل الرمــــاد

واجتــاحني ليلاً مهولاً مُــــرعباً جَـــمّ السـواد

غنّيتُ في الدّنيــا بقلبٍ طافحِ الحُـــزنِ حـطيم

أنشودةَ الأوجاعِ والأنغـامِ في كهف الوجوم

لم تسمعِ الدنيا نشيدي، آهٍ قد ضاع النشيد

يا ضيعتي يا غُربتي يا ويلتي من ذا الوجود

أُوّاه من دنــيا العذاب ومن شآبيب الدمــوع

من أنّةِ الأحـــزانِ تسري كاللظى بين الضلوع

يا أيّها القلبُ الذي يجري ينادي في القـبور

ولْهَــانَ أعْمــاه الأسى فلا يــرى في الكون نور

يمشي على جمر الغضى يـبكي دماً تَرّاً هموع

ماذا هنا تبغي ومـــا في هذه الدنيا ربــيع

يــا قلبُ هذا موطــنُ الأمواتِ  كهفٌ مظــلمٌ

هــذا الردى هــذا مثابُ الناس إذ تهــدّمُ

لا تبكِ مـا نفْعُ البكا والمـوتُ ليس يرحمُ

مــا المــوتُ إلا صــارمٌ مُصَــلّتٌ لا يُثْـــلمُ

عُد للدُّمى عُد للشذا للروض وهو يَبسُمُ

واتــرك ميــادين الــردى فسيفها مُحَطَّــمٌ

أوّاه ذابَ القلبُ في صمت الليالي يندُبُ

مات الذي قـد كان من كأس الحياةِ يشربُ

قـــد كــان يــلهو شـادياً في كلّ ربْعٍ يلعبُ

بالصّخـر والأزهار لا يبكي ولا لا يغضبُ

قــد كــان كالناي بديعاً لحنُه ثُــمّ انحطم

كم أفْعَــمَ الدّنـيا غنــــاءً وحُبُـــوراً وابتسم

أعــطاه ذا الدّهــرُ فما من الجَمال قد سَكِر

يشدو ولا يُملّ من غنـــائه مهمــا غَـــزُرْ

ثمّ امّحى يا ويلتي ثم انتهى ثم انكسرْ

ما عاد يشْــدو باسماً ما عــاد حلاب الصّور

يا قلبُ لا تذرفْ دُمــوعَ الحُـزنِ ذا حُكْمُ القدر

يا ويلتي قلبي بكى في الهول في غور الضجر

إنّي غريبٌ شفّه في الكونِ حُــزنٌ مؤلمُ

إنّــي كئيبٌ سـاهرٌ والخَــــلقُ رَوْبى نُـوّمُ

قــد هــوّموا لِيَحلُــموا إلا أنــا لا أحْــــلُمُ

وحدي عَجاجاتٌ الأسى قــاسيتُها لا يَعْلَم

حــالي بأحــوالِ الدّجى إلا الإله الأعــظمُ

ياصاحِ جُرحي نــازفٌ أعْلِمْه أين المرهــمُ؟

إنّــي هشــيمٌ  هيّنٌ قد ظلّ تذروه الريــاح

إنّي غــريبٌ قــلبُه لم يَرْهُ مِن فِيهر النّـواح

إنّي غريبٌ قلبُه قد عجّت به نُجـلُ الجراح

هــذا دمي يـا حسرتا للشوكِ والليلِ المباح

قد عِشتُ في دنيا الورى تجتاحني هُوج الأسى

أبكي وقد قالت ليّ الدنيا وغيلان المسا:

ستعيش في زمر الخلائق بين أنياب القنوط

تبكي ولا يدري بلوعتك الورى ياللسقوط

يا صاحبي قم غنّني لحنَ الحياةِ الباسمة

قُــم ردّدِ الألحــانَ غيداً راقصــاتٍ حــالمة

قلبي انكوى في شجْوه بين الليالي القاتمه

قـم هــاتِ أفْواجَ المنى طــيراً تُغنّي حائمه

هات الغِنا إنّي أنا أبكي هنا هذي الدُّنـــا

وحدي وعزرائيلَ من كــوني وأيّـامي دَنا

إنّي أنا نِضْوُ الهمومِ القاتلات الحــالكة

الجــارفاتُ النــاسفاتُ العــاصفاتُ الشــائكة

فاكشف وجــومي إنني لم استطع رفع يدي

يا صاحبي هاتِ الشّذا ضمِّخ به دربَ الغد

و(جاذبية الأرض) في قصيدة مصطفى العربي، وتقع في أربعة وأربعين بيتاً، غير جاذبية نيوتن، إنها جاذبية الروح التي ربما هي التي عناها الشاعر في قصيدة أخرى له بعنوان (نيروز الروح)، وتقع في ستة وستين بيتاً. وهي أيضاً، في الوقت نفسه، مرثيةٌ للطبيعة والأرض وهي الأم الرؤوم التي تنتحب حها في بنيها الجاحدين. ولو كنت أعلم جازماً بأنّ الشاعر له معرفة ودراية بالشعر الرومانسي الإنجليزي أو الفرنسي لقلتُ إنّ وهج أنفاسه المتقدة انحدرت إليه من هناك، من كيتس، وشللي، وبليك، وآلفرد دي موسيه وشاتوبريان ولامرتين. وهي بلا ريب تسللت له من الشعراء الرومانسيين العرب، مثل: علي محمود طه، أو عبد المعطي الهمشري، أو محمود حسن إسماعيل، أو حتى نازك الملائكة الذين تأثروا بأولئك تأثيراً ظاهراً. فأنا  كلما أمعنتُ في قراءة ديوان الورد الأبيض تداعت إلى ذهني  قصائد لأولئك الإنجليز، مثل: البراءة والتجربة لوليام بليك، والقبّرة لبيرسي شللي، وأنشودة إلى العندليب لجون   كيتس، وغيرها كثير. فــ (جاذبية الأرض) هي سحر الطبيعة التي ترسم لنا يوماً بعد يوم صوراً للجمال اللامتناهي، مُحدثةً تناغماً أسِراً بين عناصر الطبيعة والإنسان، ذلك الكائن المستخلَف عليها، الذي يعاني منذ ظهوره، بشراً آدمياً يلتحف السماء ويفترش الثرى، من الجذبٍ والنفور مع الكائنات الدنيا التي تزاحمه في الانتفاع بكل محاسن الطبيعة وعطاياها وفق قوانين التدافع التي تحكم الموجودات منذ نشأت الخليقة. 

ألا أيها المُعرِضُ المنزوي *** عن الخير والخيرُ ملءُ الدّيارْ

سيجرفك الموتُ يوماً فتُمسي *** تعضُّ  يديك  ودمعُك نــارْ

ولن  ينفعَ الزهــدُ حين أراك *** تجــوبُ الوجودَ غُبــاراً مُثارْ

فخمرُ الزّهادة سوف تفيض *** ولن تترك الخمـر حتى الدّوار

بحور النعيم حيالك جــَـْذلى *** تمـــــــوج  وتلمــعُ مثل المنار

مُصفّقـــةً، والنسائمُ  تشدو *** عليها أغـــاريدُ ذاتُ اخضرار

لقد أبحر الخــلقُ فيها مواكب *** نشــوى وأنت اعتزلتَ البحار

سيأتي جحيم الردى ذات يومٍ *** فيجعلَ مــــــوجَ النعيم بُخارْ

وألقــاك تنطحُ صــــخرَ الندامة *** في فــدفدٍ قــد حواه البوارْ

رحابُ السعادةِ غنّت رفوفاُ *** من الطير في الزهر تحسو العُقار 

وأنت الوحيدُ الذي لستَ تحسو *** ولستً  تُغنّي وأنت الكَـنار

ستُدميك أشواكُ هذي الدروب *** وقد لفّــها غيهبٌ ذو انتشــار

وتُلقى جريحاً طـريحاً ينوح *** ويعْـــلوك عند المــرور القطـار

وأنت الهــزار الذي ليس يشدو * ** حــرامٌ عليك خنقتَ الهَـزار

مــروجُ الربيع البديــع التي *** أتــاها العــبادُ صغـاراً كبـــار

تزاورتَ عنها كشمس الرقيم *** وأعـولتَ تطلبُ منها الفرار

إذا كـــانت الأرضُ آهــــلةً *** وروداً وأمطـــارها في انهمار

فعمّا قليلٍ ستغدو فــراغــاً *** وأحداثُها سوف تغدو ادّكار

أجـل سوف تنهدّ كلّ الصّروح *** وتُمنى ديـــارُك بالانهـيار 

وتغدو رسوماً بسِفْرِ الفناء *** يُكفّنهــــا اليـــأس بالاعتكاز 

بها الريح تُعْوِل والكونُ ساجٍ *** مُخيفٌ وأظـلالُه في انحسار

قيــــاثرك العبقـــــرية هـــذي * ** ستهوي بكفّــيك للإنكــسار

فمــا لـــك لستَ تُفجّر منها *** لُحـوناً تُهاطلُ أحلى الثمار

سترحلُ عن سحر هذا الوجود *** وترمي الدثارَ وترمي الشعار

وسافرت في وحشة الموت جسماً *** تضوّر في قبضة الاحتضار

وغُيّبتَ في الطين طيناً كريها *** يُحيط به الدودُ مثل السّوار

د. الصديق بشير نصر

- راجع الجزء الأول

 

 

سعدون السويح | 23/01/2022 على الساعة 14:55
حديث الانسان
يفتأ صديقنا العزيز د الصديق نصر يتحفنا بكل ما هو جميل ونفيس ، ويتحول بنا في رياض ادبه وعلمه وثقافته الموسوعية ، وما يكتبه عن الشاعر مصطفى العربي مهم حقا في ميزان النقد لشاعر انزوى عنا واحتجب سريعا ، وقد سعدت حقا بهذه القطوف من وروده البيضاء .. شاعر طويل النفس ، عذب الموسيقى ، انيق العبارة ، جميل الصورة الشعرية ، وان كان شعره تكسوه مسحة من التشاؤم والحزن والتبرم بالحياة ، مع الاحتفال بالطبيعة على نحو ما نجده عند معظم الشعراء الرومانسيين ، غير انني لا احد في شعره روح التمرد على نحو ما نلقاه عند ابي القاسم الشابي وجبران .. اعجبتني قصيدته عن الطفل اليتيم في دار الحضانةً ، ووصفه لصوته الغض بانه " صوت اخضر " زاه مثل ربيع مزهر قصيدة مؤثرة وانسانية ومكثفة ، ويبقى الشعر في تصوري التماعةً برق ورفة فراشة لك كل الشكر والحب عزيزنا د صديق وانت تحدثنا مثل ابي حيان حديث الانسان
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل