فنون وثقافة

سكينة بن عامر: ثنائية الرؤية…

سكينة بن عامر | 2021/10/25 على الساعة 19:41

وأخيراً.. وبعد استعمال جائر للعينين لبست (نظارة) وصار على أن أرى كل شيء حولي بمنظارين، وأنا التي تعودت على رؤية كل شيء بنظرة شمولية واسعة، تقرب البعيد، وتحتوي القريب…

ولأول مرة في عمري أعرف بأن تغيير الرؤية يحتاج إلى مهارات خاصة، وإن التجديد يحتاج إلى رخصة فريدة تعلمك قيادة حياتك من جديد، وإن التدريب على النظر إلى ما حولك ليس بيسير، إذ عليك أن تتنازل عن (عنزتك الطائرة) ومعه تتخلى بإرادتك عن (مقصك) العنيد، وبه تنزل من فوق سور عنادك بكامل اقتناعك، ودون جدال.

المهم، لبست نظارتي الجديدة، وبدأت حياتي الجديدة بزاوية نظر ما تعودت عليها من قبل.. وترقبت بشوق الاختلاف الذي سأعيشه بفضلها كما قيل لي، لكنني لم أر ما تمنيت أن أراه، فما قيل لي بأنني سأراه.. للأسف لم أره، ولم أعرف لم؟

فأعلنت حيرتي، وتكالبت على مسمعي التعليمات: الصبر ثم الصبر ثم الصبر، فالأمر يحتاج إلى تعود وقبول، ولا مجال للتراجع حتى تألف العينين منظارها الجديد). وامتثلت، وصبرت، وترقبت، وانتظرت، ولكن لم يحدث أي تغيير، وما عدت أعرف ما الذي يحدث معي، فأنا صرت أرى كل شيء على غير ما ألفت!!

وبعد استشارات واسعة، والاهتداء بتجارب السابقين، قررت الالتزام بالتعليمات الصارمة التي لا تعترف سوى بالاستمرار والاستمرار والاستمرار في التدريب، وأن كانت النظارة تبدو لي غير مناسبة، ولم أعرف كيف أنظر عبر عدساتها اللصيقة بالعينين، وانهالت التعليقات: (إنها البداية، والأمر جلل، وهو يحتاج إلى صبر، وحكمة، وإصرار، ويحتاج أكثر إلى التعليمات الصارمة التي لا رحمة فيها).

وتسابق الكل على النصيحة: (أنت مقبلة على تغيير رؤيتك لما يحيط بك، فاستعدي، وأصبري، ثم أصبري، ثم أصبري، وستتعودين!!)

وبدأت التدريب على الواقع الجديد، وبدأت أنفذ التعليمات التي حاصرتني، وكان أولها تدريب يقيس مستوى الصبر والاحتمال، في كل الأوضاع، وفي كل الأوقات، وفي أي ظرف كان، وهو تدريب يستلزم أن تتجاهل أي شيء يضايقك ولا يتناسب معك، ويعتمد على تجاهل كل ما يؤذيك!!!

وبدأت النصائح تنهال على رأسي: لا تنزعي النظارة (أبداً أبداً) حتى وإن كنت لا ترين شيئاً.. لا تبعديها عن وجهك حتى وإن تشوشت الأشياء.. لا تخلعيها من عينيك حتى وإن غامت من حولك الدنيا…

وفعلاً لم أر شيئاً واضحاً.. وغابت عن عيني الأماكن، واختلطت الصور، وتراقصت حولي الأشياء، وتمايلت الأحرف حولي هازئة، وتراقصت الأرقام ساخرة (مادة لسانها لي)، وتعثرت أقدامي في بعضها، وتباعدت الأرض من أمامي، و(تدردحت) المسافات، وبقيت أمد رجلي لألحق الأرض، فتهرب مني وتبتعد، وصرت وكأنني أسير داخل مرايا وهمية تقودني إليها تلك النظارات ثنائية الرؤية، ولم أر شيئاً كما وُعدتُ، فقررت نزع النظارة عن عيني، وهنا تصايح الكل محذراً: (إياك إياك وإلا لن تتأقلمي).. فتشجعت، وصمدت، ولم استسلم، وقررت الاستمرار مهما كان.

وتصاعدت حدة الصداع ولم استسلم.. واجتاحني الغثيان ولم استسلم.. وتشوشت العينين ولم استسلم.. وغامت الدنيا ولم استسلم.. وتقافزت دقات القلب ولم استسلم. فهو تدريب، ولكل تدريب على الجديد أثمان.

ومر اليوم الأول، ولم أحظ بالراحة المرتقبة، ولم اغنم بزهاء الدنيا الموعود، وغمت نفسي من نفسي، فعدت للاستشارة من جديد.

وجاءت النصيحة الثانية من خبراء (الرؤية المزدوجة) وهي نصيحة تقيس مقدار قوتك على التكيف مع ما يضايقك، وهذا تدريب مختلف، ففيه تُجبر على التكيف مع واقع غير واقعك، وبفضله يمكنك أن تقبل كل شيء حتى وإن كنت غير مقتنع، فالإرادة الحرة في هذه اللحظة ترف لا يحق لك أن تفكر مجرد التفكير فيه. وكانت النصيحة: (عليك بإلصاق النظارة على عينيك إلصاقاً حتى لا تسمحي لأي زاوية أخرى تشوش على ثنائية نظرك الجديد).

وبلمسة إصبع غرس صاحب النصيحة النظارة في وجهي، وتركني أتصارع معها وهي مغروسة في عيني، وكلما حركت يدي صاح منبهاً: (إياك أياك، فلابد لك من التكيف مع هذا الوضع). وقبل أن احتج وأصرخ شاكية من ألم، امتدت اليد تغرس النظارة أكثر، فاستسلمت، وقلت لنفسي: لابأس فما هي إلا لحظات وأتأقلم، فمن منا لا يُجبر على الرضوخ؟ ومن منا قبل بالواقع حتى وإن كان الوضع مؤلم؟

لحظة، وأعقبتها أخرى، وزدت عليها بالصراع مع النظارة المغروسة في وجهي لحظتين، وصارت الثالثة منها عشرة، وزادت بعد العشرة عن العشرين، وما من أمل يُرتجي في التغيير، وتوسلت إلى (عنزتي الطائرة) كي تنقذني.. وبحثت عن (مقص) عنادي، لكنني لم أره.. فالنظارة تلتحم بعيوني.. ولا فكاك. ولأول مرة أكتشف بأن (رمشات) عيوني تتخطى المليون.. وأعجبت بأهدابي التي تمسح العدسة من الداخل.. وتسليت بمراقبة تصاعد الضباب المتصاعد من جبهتي.. وحاولت فك شفرة تكثفه على العدسات.. ولم أرى ما وُعدت برؤيته.. وما وضحت لي الأمور.. ولا زهت في عيني الألوان…

وعلى حين غفلة من مراقبي التحول، مددت يدي لأنزع النظارة وليكن ما يكون. وقبل أن ألقي بالنظارة بعيداً صاح الجميع: (إياك إياك أياك فقد قربت على الوصول). وتسابقوا في أمدادي بالنصيحة الثالثة، وهي نصيحة حازمة تقيس درجة الإصرار بسبع درجات على مقياس ريختر، إذ عليك أن تكيف نفسك على ما تراه مهما كانت النتيجة!!!!

فرضخت، واستسلمت، وبدأت أركز على ما حولي حسب النصيحة، وحاولت فك شفرة التشويش، وصبرت، ثم صبرت، ثم صبرت، ولم أبال بتغير الأشكال الهندسية التي كنت أعرفها، فلابد لي من الاستمرار.. وبإصرار!!

وإذا بالذي كنت أراه مربعاً بت أراه في شكل معين غير متساوي الحواف.. وتحول ما كنت أعرفه دائرياً إلى شيء محدب متقوس الأطراف.. وتعرج المستقيم منها.. وتلوى دون انتظام.. وبدأت أغير موقع رأسي يمنة تارة أو يسار.. وبدأت أباعد الأشياء من عيني وأقربها.. وأميل بها قرباً وبعداً وفي كل اتجاه.. وصرت (أمدح) بالرأس في كل زاوية كي أضبط رؤيتي للأشياء…

وتغيرت حياتي كلياً بعد نهارات ثلاث.. فلم أعد أرى فيمن أقابله سوى النظارة التي يلبسها.. وتحولت الأشياء من حولي إلى عدسات.. وبقيت أسأل نفسي هل من يجلس معي يرى ما أراه؟ وهل كلنا في حاجة إلى هذه الازدواجية كي نعرف كيف نسير في الحياة؟ وهل ستصبح أيامي كلها أسيرة للنظارات؟

وبكل عنفوان الرفض بداخلي نزعت النظارة رغم التهديدات والاحتجاجات. فرأيت الدنيا أجمل.. وزهت في عيني الألوان.. وغمرتني نعم الله الباهرة.. وأشرقت بالسعادة كل الحياة.

وقبل أن أركل تعب النهارات الثلاث من خاطري، رن هاتفي، وبوضوح قرأت أرقام محل النظارات، وقبل أن أرفع الهاتف إلى أذني جاءني النداء (نعتذر منك على الخطأ.. فالنظارة ليست لك.. ويمكنك العودة بها لاستلام نظارتك التي تناسبك).

خطأ.. وليس مقصود.. لكنه أكد لي بأن نظرتي مازالت كما هي شمولية واضحة لم يفسدها الازدواج.

سكينة بن عامر

(بنغازي، 24 أكتوبر 2021)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل