فنون وثقافة

حَرِيْص... قصة قصيرة بقلم/ أحمد يوسف عقيلة

ليبيا المستقبل | 2021/10/12 على الساعة 18:20

(1)

... حريص يستدفئ تحت شمس الصباح.. بعد ليلة طويلة من النباح.. والطواف حول مراح الأغنام.. ويُلقي باللائمة على أهله الذين اختاروا السكن في الغابة.. حيث الذئاب تبدأ عواءها منذ المغرب.. فلو كانوا يسكنون أماكن مفتوحة لما استطاعت الذئاب أن تقترب إلى هذا الحد من المراح.. في الأماكن المفتوحة القمر هو حليفه السماوي.. كما أنها أقل روائح من الغابة الكثيفة.

يتمطّى حتى يتقوّس ظهره إلى الأسفل.. يُخرج لسانه.. يتغربل لينفض الطل.. يفرقع أُذنيه.. وبحكم وظيفته يُصنّف الوافدين إلى البيت إلى ثلاثة أصناف: صنف ينبغي استقبالهم بالتودد والمذرحة.. وهم أولئك الذين يترددون على أهله بين الحين والحين.. ويرى أن أصحاب البيت يتوددون إليهم.. حتى إنهم يحتضنونهم.. ويلعقون خدودهم وهم يعوون عواءً مقتضباً متلاحقاً! وصنف ينبغي النظر إليهم بحذر.. والنباح عليهم.. وهم أولئك الذين يراهم لأول مرة.. ويُنكرهم أنفه.. وصنف يتوجب عليه أن يعضّهم قبل حتى أن ينبح عليهم.. وهم أولئك الذين يأتون ليلاً من جهة الغابة حيث مراح الأغنام.

(2)

... في آخر ليلة خريفية مظلمة يسمع خربشة في طرف المراح.. فيستنفر كل حواسه.. يقترب متسللاً.. فيسمع أحدهم يناديه باسمه.. فيقترب أكثر.. حتى الرائحة مألوفة.. وبحكم العادة يهز ذيله.. يتمسح بالقادم المتشح بالسواد.. فيُملّس هذا على فرائه.. يحك له ظهره وخلف رأسه.. فيُحس بلذة.. يُغمض عينيه ويئن.. ويتمنّى أن يدوم ذلك الحك دهراً.. فالأماكن التي لا يمكنك أن تطالها تحتاج إلى أن يحكها لك الآخرون.. وأنت تستسلم وتُغمض عينيك وتُصدر أنيناً لذيذاً.. ولا حيلة لك في هذا.. فالطبيعة الكَلْبية تجعلك تُفضّل الذين يدغدغونك على أولئك الذين يركلونك على مؤخرتك.

حريص لم يفهم لماذا أخذ ذلك القادم من الغابة شاة من الزريبة؟ ويحك له ظهره مرة أخرى.. إنه يعرفه.. يراه في النهار.. صحيح أنه يأتي على فترات متباعدة.. لكنه ليس من فئة المعضوضين.. بل من الصنف الأول.. من أولئك الذين يحتضنهم أهل الدار.. ويلعقون خدودهم.. ويتبادلون النباح المقتضب.. وحين انتهى حريص من طرح تساؤلاته كان الرجل قد اختفى في الغابة.

(3)

... في الصباح.. يكثر الهرج في مراح الأغنام.. يشرع سيده في العواء والنباح بغضب.. ويركله على ظهره.. فيعوي حريص بدوره وينبح على الجهة التي اختفى فيها الرجل المتشح بالسواد.. ولكن دون جدوى.. فسيده يلتقط حجراً.. ويرفع عصاه أيضاً.

(4)

... في أحد المساءات كان حريص يُقعي قرب سيده.. يرى شخصاً قادماً من بعيد.. يقف.. يأخذ عدة خطوات تجاه القادم.. لقد عرفه.. فأخذ ينبح.. ويكشّر عن أسنانه.. ويطقطقها.. وحين أراد الرجل أن يحك له ظهره عضّه.. فصرخ.. وصرخ سيده.. والتقط حجراً.. فأصابه في رجله الأمامية اليمنى.. فأخذ يعوي ويعرج مبتعداً.. وقهره الغيظ وهو يرى سيده يحتضن الرجل ويلعق خديه.. ويحس بالعجز.. ويستنتج أنه رغم كثرة نباح الكلاب إلا أنها تظل عاجزة عن البوح بالحقيقة.

أحمد يوسف عقيلة (2021)

* نشرت بحائط الكاتب (فيس بوك)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل