فنون وثقافة

محمد دربي: الخيال المحموم

ليبيا المستقبل | 2021/10/12 على الساعة 21:23

السماء مازالت تظلل الهضاب بجملٍ مبتورة من الغيم والدخان والقمر العنيد لا ينسى يجاهر بحسنه، مع زفرة َشهقة الذعر تجتاح أزقة المدينة أشباحُ المنايا والدوي الهائج، رصاصة اختطفت جسداً وابتسامة صبي قرب مزهرية الياسمين الأبيض اختفت، اختفت الإبتسامة والقاتل واحد.. جَفنُ السحائب يلامس عطر الياسمين، يمسح جبين الصبي، ريح تميل في فستانها الممزق بين الرصاصة وبين الغيم.. وكلما دنى الليل المرهق تفيق السحائب كي تنشر الغمائم قرب الشرفات.. الشرفات مغشية.. من عتبات السماء؛ السحائب تنقش فوق الحطام وفوق الرماد بستاناً مزهرياً، بغتةً، هكذا على عجلٍ هكذا يمزقه قصف جوي مرعب ينثال بصحبة هوج الرياح وصياح الغزاة، رياح تنشجُ بالمرارة يلاحقها القتلى فوق التلال..

القصف يحجب الحياة والضياء ويترك للشظايا تتطاير فوق حجارة أنقاضٍ من فوضى الرماد، وفي البيوت عيون اطفال شاردة يغزوها الخوف.. تحت ضوء القمر يظهر حطام المدينة القديمة، معالمها تكاد أنْ تندثر، مشوهة بالأرق المرّ، الآف البيارق تحترق، حبّات الزيتون تتناثر.. وطنٌ سليبّ ورصاصٌ دامٍ.. لمعت نجمةٌ خادعة فوق الرمان والليمون تنهدت فتلاشت وعلى وهنٍ يتعالى صوت القصف من القصف، لا شيء غير قصف جنوني وقلبٌ طعين..

الناس تنصت للقصف وتنصت لرسائل القمر وترى الغزاة يمرحون فوق التراب المهشم، الماء ينزف في قرار الوادي، المدينة بالخراب تمور.. الجنرال قادمٌ كمخلوق خرافي يطلّ من كهفه معفراً بصخب الموت.. الجنرال يمشي مزهواً وسط المدينة ماراً بالجثث الملقاة في العراء، الجنرال، الجنرال أفلح في الفرح بهذيان الحرب وعرس المجازر، مستأنساً بحطام من المقابريتفحص عدد القتلى في مراميها الطاعنات، مزهواً أمام المدينة الذبيحة،  يعلن لجنوده الغزاة وقد اتسخت الاجواء بغبار القصف: "ايها الشجعان الأشاوس الأبطال ها قد انتصرتم على الإرهاب والإرهابين وحررتم المدينة من شرورهم" ثم راح يصفق بيديه كالمعتوه وراح الجنود يهتفون "بالروح بالدم نفديك يا قائدنا"، ارتسمت في اساريره الشعور بالنصر والفخر والفتوحات القتيلة..

 من بعيد قهقهت هضاب المدينة صاخبة في سخرية واختفى القمر خلف السحائب والذئاب تعيث في المضارب.. جفّ الوادي الخصيب، وأَسْرَتْ شجرة محترقة لشجرة أخرى تغالب اللهب: "إنّها ايام غير مألوفة، لا وجدان ولا ضمير"..

ذَهُلت البيوت من الفزع، خرجت صبية ترتجف من الهلع تبحث عن يقية أسرتها، اقتربت من الجنرال والغزاة، تحول عنه الجنرال والغزاة، خوف وفزع، فزع وخوف، وإذا بعصفور السليوة يرفرف بجناحيه فوق رأس الصبية وهمس في أُذنها: "قد مال بهذه المدينة الدرب وأبعدها عن الأمان"، ومضت الصبية في طريقها إلى حيث لا تدري عساها أن تعود لشذى أمها المعطربالياسمين والورد وماء الزهر..

في اليوم التالي ومن جهات الدنيا الواسعة، ظهر الجنرال على شاشة قناة فضائية مزهواً بالنصر وصناعة الحرب والحكايات البطولية في حضرة إبتسامِ مذيعة حسناء سابلة العينين  تنقل الخبر كأنها قطةٌ محنطة.

محمد .م . ف. دربي
مدينة هيرندن – أمريكا

هشام بن غلبون | 12/10/2021 على الساعة 23:14
لوحة رائعة
لوحة مكثّفة رائعة بريشة الفنان محمد محمود الفرجاني دربي ... حفظه الله ومتّعه بالصحة والعافية
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل