فنون وثقافة

أشرف بدير: رؤية نقدية في قصة (اللعبة) للكاتب الليبي/ فتحي نصيب

ليبيا المستقبل | 2021/09/24 على الساعة 22:13

- بداية: نعرف القصة القصيرة بأنها عبارة عن سرد مكثف لمجموعة من الأحداث التي حدثت مع شخص ما، وذلك في زمان ومكان محدّدين، وقد يكون هذا الحدث واقعياً أو خيالياً أو رمزاً، والهدف من القصة هو وضع المتلقي في مكان الشخصية بطل القصة، ليختبر مشاعره، وليعيش حالته النفسية، ليحصل بجانب المتعة، على فائدة أو مغزى، يسعى الكاتب إلى توصيله للقارئ.

- ونقرر: بأنه ليس يسيراً أن نتطرق بالنقد أو التحليل لقصة قصيرة، ذاك الفن الأدبي متعدد العناصر، متعرج الطرق والأساليب، فإذا ما أتتنا الجرأة لخوض تلك التجربة، صادفتنا عقبات كثيرة، علينا تجاوزها، وذلك قراءة وملاحظة واعية، وفهم سليم، وتحليل منصف.

فإذا كان النص محل الرؤية (اللعبة) لكاتب وقاص كبير، بحجم الأديب الليبي فتحي نصيب، وهو قامة في مجال السرد القصصي،  فضلاً عن كونه ناقداً لا يشق له غبار، ولا يجاريه جار، لذا كانت المهمة أصعب، ولكن ما يهون علينا الأمر، ما يحويه النص ذاته من عناصر تساعد المتلقي، ناقداً كان أم قاريء عادي، على سبر أغواره، وفهم معانيه، وتحليل أطواره.

- عتبة النص: أو العنوان الرئيس للقصة،  والتي تحمل اسم (اللعبة) هذا العنوان المكون من لفظ أو كلمة واحدة معرفة، وقد تطلق على الدمية التي يلعب بها، أو حتى على شخص مثار السخرية من الآخرين، وقد يطلق على لعبة من الألعاب الرياضية، وهو عنوان لا يدل بذاته على فكرة وموضوع القصة، غير أنه يمكن التكهن بما قد يدل عليه العنوان، من أن القصة سوف تدور حول لعبة ما،  أيا كان نوعها، وهو عنوان موفق، يبعث لدى المتلقي أفكاراً كثيرة، عن موضوع القصة، ممنياً نفسه بقراءة ماتعة.

- الحبكة الدرامية: يستهل الكاتب نصه بعبارة مشوقة للمتلقي (جاءتني صورتي في المرآه لتنبهني إلى ضرورة قص شعر رأسي،   فتوجهت في المساء إلى محل حلاقة بجوار البيت) تلك العبارة التي تدل على شخص قليل الاعتناء بنفسه، والذي لم يلحظ طول شعر رأسه، الا عند الوقوف أمام المرآة، التي من الواضح أنه لا يلتفت إليها كثيراً، ليزيد النص تشويقا عندما يتوجه الشخص إلى محل الحلاقة وتبدأ هواجسه وتخيلاته، التي دوماً ما تنتابنا في مثل تلك الأماكن، التي نترك لذاكرتنا فيها العنان، فيجلس أمام الحلاق -الثرثار- كعادة هؤلاء الذين وجب عليهم تهوين الأمر، وإضاعة الوقت، حتى لا يشعر من يتعامل معهم بالملل.

ويبدأ الصراع بأن دارت عدة أحاديث متوازية في ذات الوقت، وإن كان ظاهرها أنه لا يربط بينها رابط، ولا يجمعها سبب واحد،  ولا أصل واحد، والثابت لنا غير ذلك. 

فكان حديث الحلاق والذي كان تارة عن الفن والذوق العام،  وتارة أخرى عن الرياضة، وما شابها من شوائب المادة، وتارة عن الأصدقاء وندرتهم، وعدم وجود الصديق الحقيقي في هذا الزمن.

ولازم حدث الحلاق وترتب عليه حديث آخر داخلي لدى البطل، وقد ذكرته خصلات شعره البيضاء المتساقطة بجدة أمه، تلك السيدة الطاعنة في السن، ذات الشعر الأحمر، والذي من الممكن أن يكون مثلها يوما ما، والتي كانت تهرول نحو أمه باكية كطفلة عندما يخطف منها لعبته،  فتنهره أمه وتعيدها إليها،  ويتكرر الأمر مراراً،  حتى علم بعد ذلك بموتها.

كما جاءت كلمات أغنية أم كلثوم عن الأصدقاء لتثير حديثاً من الحلاق، عن قلة الأصدقاء في هذا الزمن، وليثير حديث الأخير، حديثاً داخلياً آخر لدى البطل عن أصدقائه، وكأن الأحاديث مبنية على بعضها تعضد بعضها بعضاً. وكان هناك حديث ثالث عبارة عن كلمات الأغنية التي تشدو بها أم كلثوم، عبر جهاز التسجيل.

ان تلك الأحاديث، التي تسير في خطوط متوازية كما نظن وغير متقاربة، ولا رابط بينها، بيد أن الرابط الوحيد رغم اختلافها في المضمون، أنها مبنية على بعضها البعض فحديث الحلاق قد استقاه من أغنية أم كلثوم وجاء حديث البطل الداخلي مبنيا على حديث الحلاق، لتترابط الأحاديث الثلاثة، وتصب جميعها في آذان البطل، والتي لم يجد لها سبباً يربط بينها، كما لم يجد سبباً لنواح جدة والدته، عندما كان يخطف منها لعبته.

فكرة النص: جاءت فكرة النص تقليدية، فأحداثها غير جديدة،  فموضوع العودة بالذكريات إلى الماضي، وتذكر مواقف مختلفة، وغير متقاربة، وقت حلاقة الشعر، ليس حدثاً جديداً، وإن كان الكاتب قد اقتطع جزءا من الحياة الواقعية، أو موقف ما للبطل،  وتناوله بسرد مشوق مكثف بعض الشيء، لنخرج منه بهدف نبيل، وغاية مرجوة، مفادها أن الأشياء والأمور البسيطة جداً بحياتنا لا تنشأ من فراغ،  وأن لها حكمة قد لا نعلمها في وقتها،  لذا علينا الاهتمام بكل شيء دون أن ننظر للحكمة من ورائه.

- السرد: جاء السرد برواية الراوي المشارك في الأحداث بضمير الأنا، وفضل الكاتب أسلوب السرد التسلسلي برواية الأحداث كما حدثت في زمنها، وإن عرج إلى أسلوب السرد التناوبي والمتقطع باسترجاع بعض الأحداث من الماضي، كما استرجع البطل ذكرياته مع جدة أمه، (تذكرت فجأة جدة أمي). وكما استرجع ذكرياته مع الأصدقاء (كنا شلة واحدة وفي نفس الفصل..)، وكما استرجع الحلاق ذكرياته مع الفن الجميل في الماضي، وكل ذلك أدى لزيادة المتعة لدى المتلقي، بما لم يصبه بالملل عند القراءة.

- اللغة: جاءت اللغة فصيحة بسيطة سهلة في الوقت ذاته، بغير تقعر أو تعقيد، وبلا تعالي علي القاريء، تحقيقا لمقولة (لم لا تكتب ما يفهم) فجاءت اللغة سهلة الفهم دون اللجوء للوسيط أو المعجم لفهمها، كما جاءت اللغة حاملة لصور جمالية وبعض المحسنات البديعية التي تخدم النص، وبغير تكلف أو اقحام لها بالنص.

- الحوار: جاء الحوار متوازنا مع السرد يكمل كل منهما الآخر، سواء كان حواراً ظاهرياً،  كما بين البطل والحلاق، أو كان حواراً داخلياً، كما بين البطل ونفسه في حوار داخلي. 

- الشخوص: كان هناك شخوصا رئيسة بالقصة كشخصية البطل وشخصية الحلاق، وبعض الشخوص الثانوية كشخية صبي الحلاق وشخصية الجدة والأم وشخوص الأصدقاء. 

- فضاءات القصة: جاء ذكر مكان الحدث في أكثر من موقف فجاءت البداية ببيته،  ثم في محل الحلاقة،  ثم في منزل والدته مع جدته،  ثم في الغابات مع أصدقائه.

أما عن الزمان فقد جاء غير واضح في أي عصر أو زمن دارت فيه أحداث القصة، بما يدل على أنها يمكن أن تحدث في كل زمان دون التقيد بوقت معين، وإن استطعنا أن نستشف أنها دارت في العصر الحديث،  عصر الأغاني السريعة والرياضة مقابل المادة(الاحتراف) وزمن استعمال التسجيل وشريط الاغاني.

- النهاية: جاءت النهاية مفتوحة، ترك فيها الكاتب للمتلقي حرية الإجابة على سؤاله الأخير عن سبب نواح الجدة عندما كان يخطف منها لعبته، بيد أن هذا هو المحك الرئيس للقصة،  فهناك من يرون أحقيتهم فيما يخصنا دون سبب، وقد يكون ذلك لحكمة لا نعلمها في وقتها.

في النهاية نحن أمام كاتب من طراز فريد،  يملك أدوات خاصة للسرد، بلغته السهلة الجميلة، المفعمة دائماً بالمشاعر الإنسانية،  التي تلامس القلوب، وتعانق الوجدان، فيستطيع أن يوصل فكرته الرمزية بسرد مشوق أخاذ،  لنعيش معه في عالمه الخاص،  دون ملل أو سأم أو ضجر من القراءة.

أشرف بدير 

كاتب وروائي - عضو اتحاد كتاب مصر

”اللعبة“… (قصة/ فتحي نصيب)

جاءتني صورتي في المرآة لتنبهني إلى ضرورة قص شعر رأسي فتوجهت في المساء إلى محل حلاقة بجوار البيت. ما إن فتحت الباب وهممت بالدخول حتى تسربت إلى روائح عطرية…

ــ أهلاً وسهلاً .. تفضل. 

كان المحل خالياً من الزبائن فحظيت بمعاملة خاصة،  اشتغل مكيف الهواء وأُلقم جهاز التسجيل بشريط "لأم كلثوم" هُرع الصبيُّ نحوي طالباً مني الجلوس فجلست، فتح الصبي الصنبور وجسَّ حرارة الماء ثم أومأ لي مبتسماً فدفعت رأسي أسفل الصنبور، دعك شعري بنعومة مستخدماً "شامبو" له رائحة جوز الهند.

جلست على مقعد آخر، طوقتني منشفة بيضاء وأحكم ربطها حول عنقي. 

ــ شاي ؟ 

ــ شكراً.

ــ قهوة ؟

ــ أشكرك.

ــ سيجارة ؟ 

ولأنهي هذا الود المصطنع أجبته: لا أغير سجائري. أخرجت علبتي فتعمّد الحلاق أن يبطئ من حركته حتى يُشعل لي سيجارتي أولاً فشكرته. كان الحلاّق كهلاً وبدا شعر رأسه أسود فاحما. لا ريب أنه يستعمل صبغة للشعر،  فسواد شعره غير طبيعي. انتحى الصبيُّ جانباً وظلّ يرمقني عن بعد. انبعث صوت "أم كلثوم" من آلة التسجيل: "وانتبهنا بعد ما زال الرحيق.. وأفقنا ليت أنّا لا نفيق“…

هزّ الحلاق رأسه طرباً وقال: الله.. الله.. هذا هو الفن يا أستاذ. 

أومأت برأسي علامة الموافقة وكانت هذه الإيماءة كافية ليحاضر عليّ في الفن المقارن بين عمالقة الطرب قديماً والهرج الذي نسمعه هذه الأيام. قال: زكريا أحمد وعبد الوهاب وفريد.. لا يمكن أن يظهر أحد بعدهم. قلت: صحيح. قال: المطربون الآن مثل الورد الصناعي.. لا لون ولا طعم ولا رائحة. 

سقطت خصلات من شعري أمامي،  طغى الشيبُ وانحسر اللون الأسود،  كيف لم أنتبه إلى هذا من قبل؟ 

قال الحلاق: كانت الحياة أجمل وأكثر بساطة… 

تذكرت فجأة جدة أمي،  كانت طاعنة في السن وأذكر أن خصلات شعرها حمراء،  سقطت أسنانها كلّها وبعد سنوات عديدة ظهرت أخرى مكانها. اعتدنا اللعب معاً، وحين أخطف منها إحدى ألعابي تولول باكية كطفلة في الخامسة وتذهب تشكوني إلى أمي فتنزع اللعبة من بين يدي وتعطيها إيّاها،  نعود نلعب مجدداً وأخطف اللعبة فتعود جدتي لتولول من جديد وهكذا إلى أن سألت عنها ذات يوم فقيل لي: لقد ماتت… 

ــ حتى كرة القدم تحكمت بها بالمادة ولم تعد تمارس كهواية.

لا أعرف كيف انتقل كلامه من الفن إلى الرياضة. 

"يقظة أطاحت بأحلام الكرى.. وتولّى الليّل والليّل صديق“…

قال الحلاق: لم يعد ثمة أصدقاء في هذا الزمن. 

كنـَّا شلّة واحدة وفي نفس الفصل،  اعتدنا أيام العطلات أن نذهب إلى إحدى الغابات لننصب الفخاخ وأتولى تنظيف العصافير من أحشائها ثم نشويها ونشترك بتدخين سيجارة ونعود إلى بيوتنا عند المغيب. 

ذكر الحلاَّق كلاماً مبعثراً عن: الزحام والتلوث وارتفاع الأسعار والبطالة والانتفاضة. طلبت قهوة بدون سكر…

"فإذا النُّور نذيرٌ طالعٌ.. وإذا الفجر مطلُّ كالحريق“.

دفع الصبيُّ أمامي فنجان القهوة، ازداد الشيب كلما سقطت خصلات شعري. 

ــ نعيماً. 

تناول الحلاق مرآة صغيرة ووضعها خلف رأسي،  رسمتُ ابتسامة عريضة حين رأيت منطقة قاحلة في منتصف الرأس،  تواطأ الحلاّق معي بابتسامة أعرض. فرغت من الحلاقة والقهوة،  وفرغت "أم كلثوم" من أغنيتها،  نقدته أجرته وإكرامية للصبي. توجهت إلى البيت دون أن أعرف -حتى الآن- السبب الذي يدفع جدة أمّي للنواح كلّما انتزعت منها إحدى لعبي.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل