فنون وثقافة

الكاتب الليبي والمجتمع المدني.. العلاقة الحاضرة الغائبة

ليبيا المستقبل | 2021/09/14 على الساعة 23:27

ليبيا المستقبل (عبد السلام الفقهي - بوابة الوسط): إذا كان الانخراط في مجال العمل الأهلي، يحقق شكلا من أشكال الارتباط الحر بين المواطنين، فهو مكون أصيل أيضا لوصلة حيوية ومطلوبة بين المؤسسات الحكومية والناس...

وبذا فإن اتجاهه الأخير إلى تعزيز دورهم في النشاط المدني هو للتعريف بمطالبهم بشكل حضاري، استنهاض النشاط الخدمي بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والصحية، وبذا فتح آفاق الوعي الجمعي بضرورات المشاركة وأهميتها.

لكن ماذا عن دور الكاتب والمثقف -وفي ليبيا تحديدا-.. كيف نفسّر هذه العلاقة التي تبدو حاضرة غائبة، موجودة في كتاباته وتصوراته وأفكاره ويدفع في اتجاه تطبيقها، لكنها تغيب في مشاركته لترجمة تلك الأفكار؟

> مجتمع عسكري

يجيب الكاتب والقاص مفتاح قناو بقوله: «أولا... من باب الدعابة، ذكرتني بعلاقة المثقف الليبي بالمجتمع العسكري في ثمانينيات القرن الماضي، حيث تم ضم أغلب المثقفين والكتاب للخدمة الإلزامية والكليات العسكرية، وعاشوا ضمن المجتمع العسكري سنوات طويلة، أما علاقتهم حاليا بالمجتمع المدني، فتتوقف على ما هو المجتمع المدني الذي نقصده؟».

وأضاف أنه إذا كان المقصود هوالجمعيات الأهلية، فهناك عدد كبير من الجمعيات الثقافية الأهلية تم إشهارها، بعضها ما زال يعمل والبعض توقف لضعف الإمكانات أوالظروف الأمنية.

> دور سياسي

ويرى قناو أن ما يغيب حقا هو الدور السياسي للمثقفين، وهوالأهم في نظره حيث ينبغي عليهم الانخراط في جمعيات سياسية أوحتى أحزاب ليمكنهم المساهمة والتأثير في محيطهم، وهذا لا يعني العمل على الوصول للسلطة، فيكفي أحيانا أن تكون في المعارضة لإظهار الحقيقة، أو أن تكتب في الشأن السياسي بشكل وطني محايد، أو أن تشارك تجمعات سياسية توعوية، أما الالتزام بالعمل الثقافي البعيد عن السياسة فلن يقدم الكثير في مجتمع متخلف لا يستطيع الربط بين السياسة والثقافة؛ لذا تأثيره في عصر الميليشيات وانفلات السلاح بطبيعة الحال ضعيف جدا.

ويستطرد معلقا: «في العهد السابق كانت الدولة وأجهزتها الأمنية تعمل ألف حساب لندوة تعقد في مقر رابطة الكتاب أومقر نقابة المحامين، لأن هناك نظام حكم يخشى أن يثور عليه الناس، أما حاليا فلا توجد سلطة مركزية يمكن أن يثور عليها أحد، السلطة الحقيقية موزعة بين ميليشيات محلية تحكم في حدود تأثير سلاحها، والحكومة مجرد ديكور لوضع ميزانية وصرف الأموال فقط، ولا تملك سلطة حقيقية، لهذا أصبح دور المثقف صعب لأنه الطرف الضعيف في المعادلة ويمكن إرهابه أوإسكاته إن كان فعالا أومؤثرا».

> أقلية ضئيلة

ويفسر الكاتب والباحث عبدالحكيم الطويل هذه العلاقة بضعف موقف المثقف الليبي «فهو منذ 2012 يتجنب الترشح في انتخابات مجلسه البلدي ناهيك عن برلمانه! كما لا يرأس جمعية أهلية سياسية إلا ما ندر، وأظن أن أقوى الأسباب هو لأنه ينتمي إلى أقلية ضئيلة هشة في مجتمعه، فلا يمكن مقارنة عدد المثقفات والمثقفين في ليبيا بعدد مثقفات ومثقفي العراق أو مصر أوتونس أوالسودان مثلاً، وكذا الخبرة والعراقة الأدبية والسياسية لديها، ومن الطبيعي أن الأقلية الضئيلة لا تأثير كبير لها على مجتمعها، وبالتالي يتعذر على هذه الأقلية أن تؤثر إيجابا على ذهنية الليبي، ناهيك عن معتقداته السياسية، خصوصا أنها عالم جديد عليه وشائك عموما حتى في العالم المتقدم».

وفي تحليله للأسباب التي جعلت الطبقة المثقفة الليبية هشة ومهمشة يرجع الباحث ذلك «للتركيبة الاجتماعية الليبية التي ما زالت تُسيِّرها الذهنية القبلية والجهوية المتخلفة والأسطورة الدينية، حتى في مجالات الزراعة والاقتصاد والجيش! إذ نجد الشيخ الأسطوري والقبيلة والجهة هي المسيطرة، وليس هناك اعتبار للمثقف أوالخبرات والتكنوقراط، فلا يختارونه لتولي أعباء النهوض بمجتمعه، ولو حاول القيام بذلك طواعية لن يلقى سوى الرفض والسخرية والتهميش، بل وربما حتى المقاومة، لأنه ليس ابن القبيلة أوالجهة أوالمدينة أو حتى العرق المسيطر، أو باعتباره ملحدا! لا يؤمن بأساطير شيخهم المسيطر».

> انتشار السلاح

إضافة إلى ما ذكر، يشير الكاتب إلى أن انتشار السلاح بشكل مريع مع غياب القبضة الأمنية التي تحميه وتلاحق الجناة، فإن مشاهد اغتيال الناشطات والنشطاء في السنوات الماضية كفيلة بلجم المثقف عن خوض حقه المدني بحرية، مكتفيا بالنصح والتنفيس عن آرائه عبر صفحته الخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، بل أن الكثير منهم يختفي وراء أسماء وصور وهمية فيها حماية لأنفسهم من تكرار الآلام والخسائر الكبيرة التي أصابت من سبقهم ثمنا لآرائهم.

ومع ذلك يخلص الطويل بالقول إلى أن تعريفه الشخصي للمثقف هو ذلك الذي يجهد من أجل تنوير مجتمعه وتحرير فكره من أغلال الجهل والفساد والأساطير، ويعلق بالقول :«إنني أرى المئات منهم يأخذ هذا المنحى مجانا وبلا مقابل في صفحاتهم الشخصية، حتى في الصحافة الورقية (هي وينها المكافآت) ؟ ومع ذلك كتب الكثيرون فيها وما زالوا رغم غياب المكافأة أوشحها».

> البحث عن النخب

وتحدث الباحث والناشط المدني عصام القبائلي، من واقع تجربته الخاصة، إلى وقوفه على نتيجة مفادها غياب المثقف عن مناشط منظمات المجتمع المدني رغم أن من مهامه التوعية والرفع من الذائقة الفنية والجمالية للمجتمع، كما ساقته الملاحظة أيضا أنه حتى إن وجد انخراط بعض المثقفين في منظمات المجتمع المدني لكن يؤخذ عليهم بحثهم عن النخب بدل جذب العامة إليهم والرفع من مستواهم الفكري، و«جميعنا نعرف أن النشاط المدني في ظروف معينة يصل إلى مرتبة النضال، ويفترض في هذه المنظمات المدنية أن تكون غير ربحية، وهنا إشكالية التواصل بين المثقف والناشط المدني، فالمثقف من حقه التعايش من فكره وكتابته ولكن لا يحق للناشط المدني التربح من مناشطه، ولذلك يقل التواصل فيما بينهما وعمل مناشط مشتركة».

ويرى أن «الحل يكمن في العمل المدني التطوعي، كسلوك وثقافة ينبغي نشرها، فالكاتب يستطيع التكسب من كتاباته ومنشوراته وعليه أن يتطوع في إلقاء بعض المحاضرات والندوات، وفيما يخص مشكلة الجانب المادي يمكننا الاستفادة من تجارب الآخرين فأغلب دول العالم تدعم الشركات والمواطنين وبنسبة محددة ويعفون من دفع الضرائب على هذه المبالغ في مقابل تحصل الشركة أو الأفراد على دعاية إضافة إلى إنجاز ما يؤمنون به من قضايا ويتحصل كذلك المحاضر على مبلغ رمزي نظير ما قدم من مادة وكذلك تسجل لصالح منظمة المجتمع المدني المعدة لهذا الحدث».

عبد السلام الفقهي

* المصدر: بوابة الوسط | الإثنين 13 سبتمبر 2021

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل