أهم الأخبار

مقابر ترهونة الجماعية.. الصمت المخزي في مواجهة التّوحّش والعار

ليبيا المستقبل | 2021/10/23 على الساعة 19:55

ليبيا المستقبل: صار المشهد روتينيا ومألوفا في مدينة ترهونة وجوارها.. فرق بحث بأزيائها المميزة وهي تحفر الأرض لانتشال المزيد من الجثث المتحللة والهياكل العظيمة.. لا يتعلق الأمر بفرق مؤرخين ومختصين في الآثار والمقابر الرومانية، بل بمأساة إنسانية مؤلمة ترويها أرض ترهونة ودموع عائلات الضحايا ومشاهد مروعة لجماجم اخترقها الرصاص وأيد مقيدة بالأسلاك وأوصال ممزقة ونساء انتهكت أجسادهن قبل تنفيذ الإعدام فيهن..

على مدار عام ونصف، منذ انهارت عصابات الكاني ولاذت بالفرار بعد دخول قوات حكومة الوفاق الوطني إلى المدينة، لم يكد يخلو أسبوع من إعلانات عن اكتشاف مقابر جماعية جديدة في مكبات القمامة والمزارع وحتى قرب المساجد وداخل المنازل المغتصبة ومخافر عسكر الكاني..

 

الاثنين 18 اكتوبر 2021 . فرق الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين تتمكن من اكتشاف مقبرتين جديدتين بالمشروع الزراعي ( 5 كيلو ) بمدينة ترهونة. وستباشر غداً صباحا بعمليات الانتشال.

Posted by ‎الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين‎ on Monday, October 18, 2021

لم تكن أعمال التقتيل حدثا شاذا في ليبيا قبل 2011 وبعده، فقد اعتاد الليبيون مشاهدة الجثث المتدلية من مشانق "الأخ القائد" في الجامعات والمدن الرياضية والميادين العامة، كما اعتادوا مشاهدة قطعان اللجان الثورية المسعورة وهي تنكل بالجثث وتمثل بها وتصرخ بهستيريا "سير ولا تهتم يا قايد، صفيهم بالدم يا قايد"، كما كانت إبادة آلاف المعتقلين بالرصاص خلال دقائق مجرد حدث روتيني لا يستدعي تحقيقا ولا يثير اهتماما يذكر..

لم تكن ثورة فبراير؛ التي من المفترض أنها انفجرت لرد الظلم وبسط العدل، نقطة نهاية لمشاهد التقتيل، فكانت طرابلس وبنغازي وصبراتة وسبها والكفرة، وغيرها، ساحات لتصفيات جماعية خارج أطر القضاء والقانون.

من "ملفات ليبيا المستقبل": إدارة التوحش في بنغازي.. من مشانق المدينة الرياضية إلى الرقص على جثث قنفودة

وعليه، فإن مقابر ترهونة لم تكن حدثا شاذا في تاريخ ليبيا المعاصرة.. غير أن ما كشف، حتى الآن، لم يكن مسبوقا، على الأقل منذ ثورة فبراير، لعدة اعتبارات..

أفلحت عصابات الكاني، منذ سيطرتها على ترهونة، سنة 2015، إلى حين طردها، في حزيران 2020، وخاصة خلال الفترة التي شهدت هجوم قوات "القيادة العامة" على المنطقة الغربية، في فرض منظومة رعب جماعية بين سكان المدينة؛ حالت دون تسرب أي أخبار عما يجري داخلها من أعمال إبادة وتنكيل وتقتيل، إذ تحولت المدينة إلى صندوق مغلق؛ الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود.

لم تكن عصابة الكانيات، بين 2015 و2019، تنظيما عسكريا ذي مرجعية سياسية أو إيديولوجية، بل مجرد "فتوات" تمكنوا، في ظل فوضى السلاح، من حيازة عتاد خفيف ومتوسط وثقيل، وآليات ودبابات وصواريخ، وجندوا المقاتلين، وصارت لهم ألويتهم وكتائبهم، قبل أن يتحولوا، في أبريل 2019، إلى رأس حربة لقوات "القيادة العامة" في المنطقة الممتدة من ترهونة إلى مطار طرابلس..

خلال سنوات "الترويع المعمم"، لم تترك العصابات لونا من ألوان التنكيل والتعدي إلا ومارسته، فقتلت من يحسب على الخصوم السياسيين، ومن يحسب على مكونات اجتماعية أخرى، ومن يحسب على الشخصيات الاعتبارية، ونهبت الأموال، وافتكت الأرزاق، وصادرت الممتلكات، واغتصبت النساء.. وفي كل إجرامها، كانت تعمد إلى العقاب الجماعي، فتبيد عائلات بأكملها، ويمتد ترويعها إلى كل من تربطه بضحاياها صلة قرابة أو شراكة..

ليس هذا الكلام إنشاء ولا تجنيا، ولا يحمل في ثناياه أي مبالغة، فالجثث المنتشلة من المقابر الجماعية تشهد على "تعميم القتل" وعلى "العقاب الجماعي"، حيث انتشلت جثث عائلات بأكملها، فكان القبر الواحد يضم الزوجة والزوج والأبناء ومعهم جمع من الأقارب..

مقابر ترهونة صارت، اليوم، جريمة واقعة لا ينكرها إلا مكابر، فاعترفت بها البعثة الأممية والمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وحكومة الوحدة الوطنية والرئاسي الحالي، والمنظمات الحقوقية الليبية والأجنبية، ونقلتها القنوات الفضائية بالصوت والصورة، واعترف بها حتى بعض المحسوبين على "القيادة العامة" وإن اختلفوا في تحديد المسئولين عنها..

هيومن رايتس ووتش: ليبيا: ميليشيا نشرت الرعب وخلّفت مقابر جماعية

لم يترافق الاعتراف بهذه الجريمة غير المسبوقة بعمل جاد للتحقيق وتحميل المسئوليات والمحاسبة واتخاذ ما يلزم من الإجراءات للحيلولة دون تكرر مثل هذه المشاهد المروعة. ورغم أن الأمم المتحدة شكلت لجنة لمتابعة الأمر، واستمعت إلى تقريرها، إلا أن سوابق كثيرة تجعل التعويل على المنظمة الأممية في غير محله..

بعد عام ونصف من اكتشاف أول مقبرة جماعية، مازالت أصوات عائلات الضحايا المطالبة بكشف الحقيقة والمحاسبة مجرد صيحة في واد لا تجد من يستمع إليها بجدية..

وبعد عام ونصف، تمت تصفية جلّ الرؤوس المعروفة من عصابة الكاني الفارة إلى بنغازي واجدابيا، غير أن من وفروا الغطاء للكانيات ليمارسوا إجرامهم تحت مسميات عسكرية مازالوا خارج دوائر المحاسبة، ومنهم من يهيئ نفسه لأدوار سياسية رفيعة في المشهد القادم.. أمثال الكانيات، في الحسابات الكبرى، مجرد أدوات تنفيذ انتدبت لقدرتها على الإجرام، أما المستفيد ومن يدير خيوط اللعبة فهو أكبر منهم..

قد لا يكون لأي مؤسسات ولا لأي انتخابات ولا لأي فعل سياسي أي معنى، طالما الإنسان الليبي يقتل، جماعيا، خارج كل قانون، وترمى جثته في مقابر في مكبات القمامة..

غياب المحاسبة والتعاطي الجدي مع مقابر ترهونة الجماعية سيدفع عصابات الإجرام إلى استنساخها في مناطق ليبية أخرى؛ فمن أمن العقاب أساء الأدب، وسيراكم الحقد والثأر والتشفي جيلا بعد جيل، وسيجعل القصاص بديلا عن القضاء والقانون..

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل