أهم الأخبار

إبراهيم محمد الهنقاري: فكرة كتاب جديد.. ”في غات عرفت القمر“..!!

إبراهيم محمد الهنقاري | 2021/10/20 على الساعة 23:50

مقدمة لازمة وكلمات لابد منها

اجمل ما يكون القمر في غات.! وما ادراك ما غات.!؟ مدينة من مدن الزمن الجميل. الزمن القديم. الزمن العتيق. قد تكون هي وغدامس من أقدم مدن العالم. كلتا المدينتين تحملان عبق التاريخ واسرار الكون.!! واجمل ما في غات القمر.!! القمر في غات كامل الأوصاف. كامل الجمال. كامل الروعة. كامل النور.! القمر في غات بدر التمام بحق. لا سحب تعترض انسياب نوره. ولا رياح ولا زوابع تمنع عيون أهل غات الطيبين من الاستمتاع بجمال القمر وبجلاله أيضا.!! هو وشقيقته الشمس وحدهما مصدر النور في غات.!!

لم تكن هناك في غات -مسقط رأسي- كما يقال اضواء صناعية في ذلك الزمن البعيد الذي عرفت فيه تلك المدينة الرائعة النادرة المثال غات. غات مدينة لها عبقها الخاص ولها شمسها الخاصة ولها قمرها الخاص. من اجلها ومن اجل قمرها الجميل أبدًا ومن أجل شمسها الساطعة أبدًا اكتب هذه الكلمات.. كلمات من القلب ومن العقل ومن الشمس ومن القمر.!! كلمات من أجل غات.!!

تلك هي مقدمة الكتاب الذي بدات منذ بضعة أشهر في محاولة استخراج محتوياته مما تبقى من الذاكرة بعد هذا العمر الطويل والمليئ بخليط متناقض من الذكريات حلوها ومرها ومن الحوادث غريبها وعجيبها ومن الاهوال التي يشيب لها الولدان. ولكن الله سلم.!

"في غات عرفت القمر..!“

هذا هو العنوان الذي اخترته لكتاب جديد أعكف على جمع سطوره وأدعو الله أن يعينني على كتابته ونشره لعل القارئ الليبي والعربي يجد فيه بعض السلوى وبعض المتعة وبعض الحقائق التي قد يعرفها وقد لا يعرفها أو لعله يجد فيها بعض الذكرى التي قد تنفع المؤمنين. ولعله يجد فيه ايضا بعض الإنصاف لجيل متميز من الليبيين والليبيات قدر الله له أن يحمل الرسالة من جيل الاباء المؤسسين فأدى الواجب الوطني كما ينبغي له الاداء ولكنه لم يلق من الانصاف ما كان ينبغي له أن يلقى.! رأيت أن أنشر بعض فصوله ليطلع عليها من يشاء انتظارا للاتفاق مع الناشر. ومن الله العون ومن الله التوفيق.

مقدمة الكتاب:

قال الشاعر اللبناني المبدع المهاجر ايليا ابوماضي (١٨٨٩-١٩٥٧):

جئت لا أعرف من أين.. ولكني أتيت.!

ولقد ابصرت قدامي طريقا فمشيت.!

وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت. !كيف جئت !؟

كيف ابصرت طريقي.!؟

لست ادري.!!

هذه الكلمات المثيرة للقلق من شعر هذا الشاعر الفيلسوف العربي اللبناني إيليا أبي ماضي تلخص في اعجاز رائع كل فصول حياتي وحياة جيلي والتي سأحاول استعراضها في هذا الكتاب الذي يختلف عن كتابي الأول "هوامش على دفتر الأيام". فذلك الكتاب فيه كثير من السياسة وقليل من سيرة حياتي الشخصية التي قد لا تهم الكثير من الناس بقدر ما تهمهم الإحداث والشخصيات التي كان لي شرف التعرف عليها والعمل معها خلال العهد الملكي الزاهر وبقدر ما يهمهم العهد الملكي الليبي الزاهر نفسه وهو دون أدنى شك العهد الأفضل الذي عرفته ليبيا عبر تاريخها الطويل وفي فترة هامة ومتميزة وربما لن تتكرر من تاريخ الوطن.

في هذا الكتاب سأتعرض لحياة وسيرة وإنجازات جيل الثلاثينات من القرن الماضي وهو الجيل الذي أنتمي إليه والذي قدر له أن يكون جيلا متميزا وفريدا بين كل الأجيال التي عرفها الوطن العزيز قبل وبعد الاستقلال. اعرضها للدراسة وأخذ العبر. أعرضها لمن يهمه امري وامر جيلي. وأعرضها أيضا لمن لا يهمهم لا أمري ولا أمر جيلي. لعل القارئ من أي من الطرفين إن وجد يجد في هذه الصفحات بعض التسلية او بعض السلوى او بعض غرائب هذه الحياة الدنيا أو مزيجا غريبا من ذلك كله.!! ولله في خلقه شؤون. 

من يدري .!؟ لعل حياتي وحياة ذلك الجيل المتميز والتجربة أو التجارب التي قدر لي ولذلك الجيل أن نمر بها طوعا أو كرها كلها شان من تلك الشًوون.! شؤون الله سبحانه وتعالى في خلقه.!! 

إذا كنت سأتخذ من نفسي مثالًا واحدًا لذلك الجيل المتميز فإن السؤال الأول الذي سينتصب أمامي هو: كيف صنع القدر من طفل بائس فقير كانت كل الظروف والمعطيات التي تحيط به وبمولده وبالمكان الذي ولد فيه، كانت كلها تفترض أن يموت بعد أيام قليلة من مولده، كيف صنع القدر من هذا الطفل البائس الفقير المصاب عقب مولده بكل أمراض الدنيا أن يصبح شخصية عامة في وطنه وفِي خارج وطنه وأن يكون له شأن يذكر في الصحف والاذاعة وفي بعض وسائل الاعلام الاخرى.!؟

لست أدري.!! فانا ايضا إذن مثل إيليا أبوماضي لا اعرف.!! لا أعرف من اين ولكني اتيت.!! ولقد ابصرت قدامي طريقا فمشيت.!! ولست ادري أيضا لا كيف جئت ولا كيف ابصرت طريقي.!! ذلك الطريق المجهول الذي كانت ولا تزال تملؤه الأشواك والمطبات والحفر والذي مر ولا يزال يمر عبر ألوان شتى من الفقر والشقاء والعذابات والمعاناة والسجن والمطاردة والغربة والهجرة الى ارض الله الواسعة التي وجدت فيها تحقيقا لوعد الله سبحانه وتعالى مراغما كثيرا وسعة ارادها الله سبحانه لي ولأهل بيتي فمشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها.!!

ذلك هو السؤال كما قال الشاعر الانجليزي الاشهر وليم شيكسبير. قد تكون أسهل إجابة عن هذا السؤال المحير هي: القضاء والقدر.!! وقد تكون الاجابة الأكثر تعقيدا هي ما ستجدونه في صفحات هذا الكتاب. !تلك هي الخلاصة!. 

تلك هي قصة هذا الكتاب. خلاصة حياة مواطن من غات. خلاصة حياة مواطن ومواطنين من ليبيا.!! خلاصة صعود جيل كامل ونزوله.!! خلاصة حلم جميل لم يتم.!! وخلاصة كابوس مزعج بدأ ولم ينته بعد.!! خلاصة حياة جيل الثلاثينات.!!

ذلك الجيل المتميز من الليبيين والليبيات الذين هيأهم القدر لكتابة الاسطر الأكثر روعة في كتاب التاريخ الليبي الحديث. ثم رماهم القدر نفسه بين يدي الظالمين يسومونهم سوء العذاب ولا يراعون فيهم إلا ولا ذمة.!! وقد شاء الله أن يلقوا ولا يزالون يلقون وسيلقون من الله ما يستحقون.!!

أنا مواطن من غات.!!

من مدينة القمر.!!

بل من مدينة الشمس والقمر.!!

حكايتي وحكاية جيلي جيل الثلاثينات من القرن الماضي الذي قدر له ان يكون هو الجيل الذي سيحمل راية المسؤولية عن بناء الوطن من أيدي اباء الاستقلال، هذه الحكاية جديرة بالدراسة والتحليل والمتابعة لاستخلاص العبر وتعلم كيفية التغلب على الصعاب والسير في حقول الألغام المادية منها والمعنوية. ومحاولة معرفة كيف ضاع الوطن على يد الجيل الذي كانت كل الآمال معقودة عليه للوصول بسفينة الوطن الى شاطئ الأمان الموعود والحياة الكريمة والرخاء والحرية التي كانت ولا تزال حلم كل ليبي وليبية والعيش في ظل الديموقراطية الحقيقية وحكم القانون والدستور بعد ما أفاء الله على الوطن من الخير ما لم يحلم به احد غداة اعلان الاستقلال في ٢٤ ديسمبر ١٩٥١.

ولكنه كان أيضا هو الجيل الذي تحطم على يديه كل ذلك الحلم الليبي الكبير وهو الجيل الذي لقي "جزاء سنمار" كما تقول القصة العربية المعروفة فدخل الوطن والمواطنون في ليبيا في طريق مجهول بعد أن كنّا نسير في طريق معلوم ومرسوم نحو ذلك المستقبل الواعد ونحو ذلك الحلم الكبير. لا اعرف كيف بدات ذلك الطريق ولا اعرف الى اين سيقودني.

ليس الهدف من هذا الكتاب محاولة لبحث المجهول والمعلوم من أسباب تلك الكارثة الليبية التي ابتلينا بها منذ انقلاب أيلول الأسود ١٩٦٩ فقد حاولت الإجابة عن بعض تلك الأسئلة الحائرة التي ما فتئت تدور دون توقف في أذهان الليبيين والليبيات منذ عقود في كتابي الأول "هوامش على دفتر الأيام" وفِي كثير من الخواطر والمقالات التي نشرتها عبر وسائل الاعلام المختلفة ولكن الهدف هنا هو فقط وضع النقاط على بعض الحروف في الأبجدية السياسية الليبية إن صح التعبير بعد أن بذل الكثير من الجهد من أطراف عديدة لطمسها ومحوها من الجزء الاول من كتاب التاريخ الليبي الحديث الذي بدأ في الرابع والعشرين من ديسمبر عام ١٩٥١ وانتهى في الأول من سبتمبر عام ١٩٦٩.!! ثمانية عشر عاما كانت هي العمر الزمني الحقيقي لليبيا.!!

أما كل ما حدث وما يزال يحدث بعد ذلك فهو غريب عن ليبيا وغريب عن جيل المؤسسين الكبار وغريب عن جيل الثلاثينات الذي يتحدث عنه هذا الكتاب وغريب أيضا عن معظم الليبيين والليبيات.!! رضي بذلك من رضي.! وأنكر ذلك من أنكر.!!

التاريخ لا يكتبه المنتصرون كما يدعي البعض. التاريخ الحقيقي يكتبه من عاشوا أحداثه بكل تفاصيلها وبكل مذاقاتها حلوها ومرها. ظاهرها وباطنها.!!

من الذين ناموا عن شواردها فصمتوا واثروا السلامة. ومن الذين رفضوا الظلم وجهروا بكلمة الحق مهما كلفهم ذلك. من الذين أفاقوا على دقات اجراسها ذات النغم البديع أو أفاقوا على دقات أجراسها ذات الشبه بأصوات الحمير.!

تلك كانت الأيام.! أيام ليبيا وأيام ذلك الجيل الخاص والمتميز.! جيل الثلاثينات من الليبيين والليبيات.

أعلم أن الكثيرين قد يرون ما أرى كما أعلم أن كثيرين أيضا قد لا يرون ما أرى. أما أنا فقد أسعد لمن يرى ما أرى ولكنني لا ألوم أبدا من لا يرى ما أرى. فلكل منا مبلغه من العلم. وشأننا اليوم هو كشأننا يوم القيامة. "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه“.!!

أما شأني أنا فستعرفونه في هذا الكتاب. وأما شأنهم وشأنكم أنتم فهو يخص كل واحد منهم ومنكم ممن قد يقرأ هذه الكلمات. والحمد لله رب العالمين على كل حال. واترككم الان لتقراوا هذه الصفحات من هذا الكتاب.

هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ..!!

الفصل الاول - في بلاد بعيدة.. والد ومولود..!

غات التي أسميتها في هذا الكتاب "مدينة القمر" قرية نائية من قرى الوطن. تجلس على زاوية حادة في الجزء الجنوبي الغربي من حدود الوطن مع الجزائر. ولكنها قرية لها عبقهاً الخاص وموروثها الثقافي الخاص ومميزاتها الخاصة التي لا يعرفها الا اَهلها الطيبون. ومن كتب الله له ان يزورها ويطلع على بعض اسرارها.

لا اعرف بالضبط متى وصل والدي الشيخ محمد ابراهيم الهنقاري رحمه الله الى مدينة غات في أقصى الجنوب الليبي كما قلت قاضيا من قبل السلطة الايطالية الاستعمارية في ليبيا في ذلك الوقت.

ولكنني اعرف ان اهل غات الطيبين لم يكلفوه عناء يذكر فلا خصام بينهم ولا تقاضي. بل كانوا ولايزالون اخوانا على سرر من الرمال متقابلين. تعرف في وجوههم رغم الفقر والفاقة نضرة النعيم وليس نضرة البؤس والشقاء.! كما لا اعرف بالضبط ًكيف تعرف على والدتي ولا كيف ولا متى تزوجها. ولكني اعرف انني كنت الثمرة الوحيدة لذاك الزواج.

لم اعرف معنى الطفولة. ولم اعرف تطعيم الأطفال. ولم اعرف أعياد الميلاد. ولم اعرف الهدايا التي تقدم للأطفال الصغار في الأعياد وفي المناسبات. ولا أعرف حتى إن كانت في غات أعياد ومناسبات غير الأعياد الدينية المعروفة.!!

كانت طفولتي طفولة بائسة. طفولة بائسة وتعيسة ايضا. لا اتذكر من طفولتي البائسة هذه الا المرض الذي كاد ان يذهب ببصري.!!

لازلت اذكر كيف تم علاجي بالتمائم البدائية ثم بالكي بالنار الذي لايزال اثره واضحا حتى اليوم في جهة عيني اليسرى. فقد أصبت مثل غيري من أطفال غات بمرض "التراكوما" وانتفخت عيني اليسرى ولم أعد أبصر بها. ولم يكن هناك حينئذ في غات لا طبيب عيون ولا مستشفى عيون. كان العلاج البدائي والوحيد هو الكي.!!

فأوقدت النار وجيئ بمسمار من الحديد وضع فيها حتى احمر لونه ثم تم تقريبه من عيني المصابة فصرخت ودخلت في غيبوبة.! كان يمكن أن يذهب بصري بعد تلك "العملة" ولا أقول "العملية".! ولكن الله سلم. فالحمد لله رب العالمين. ولولا هذا الفضل والنعمة من الله سبحانه وتعالى لأصبح حالي مثل حال اثنين من أعظم الشخصيات التي عرفتها وأحببتها وهما أمير الشعر العربي "أبي العلاء المعري" وأمير الأدب العربي "طه حسين“.!!

لم اعرف الألعاب ولم أتلق اية هدايا في سنوات طفولتي الاولى. كل ما أتذكره هو ما كنت أمارسه انا وأقراني من أطفال غات البؤساء من التدحرج على كثبان الرمال وتلك اللعبة الغريبة والخطيرة التي كنّا نمارسها وهي البحث عن بيض الافاعي بين كثبان الرمال والدوس عليها بأقدامنا العارية التي لم تكن تعرف لا الجوارب ولا الأحذية!! ولكنها لم تكن تخاف الأفاعي ايضا.!!

كانت طفولتنا هي طفولة اللعب مع الافاعي.! فأية طفولة كانت طفولتي.!؟ طفولة لم تعرف لا "السيريلاك" ولا "زجاجات الحليب" ولا "بامبرز" ولا حتى "مصاصات الأطفال".! ولم نكن نعرف لا ملابس نوع "ليري" ولا نوع "تشيكونيا" ولا أية أسماء أخرى من أنواع وماركات ملابس الأطفال التي لم أعرفها إلا بعد أن رزقني الله بأطفالي.!!

كانت طفولة معذبة بالكامل. لا ينقصها شيئ من العذاب.!! لم تعرف لها طعاما سوى التمر وما تيسر من بعض الأطعمة الأخرى التي يتم اعدادها داخل تلك المساكن المتواضعة التي كانت تؤوي أهل غات وأطفالهم.

كانت الناس في غات في تلك الأيام التعيسة تولد بالصدفة وتعيش بالصدفة وتموت بالصدفة ايضا. كل شييء كان يتم بالصدفة.!! فلا رعاية صحية ولا عناية بالأطفال ولا تربية ولا تعليم. كانت غات في تلك السنوات البائسة هي "حارة كل من ايدو الوه" قبل ان يقولها غوار الطوشي بعقود.!!

لم اعد اذكر الكثير من تلك الطفولة المعذبة. كل ما عرفته فيما بعد هو ما اخبرني به والدي وهو انه سجل في احدى صفحات كتبه القديمة وهو كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني انني ولدت يوم ١٣ ابريل عام ١٩٣٧ وانه سجلني في سجلات بلدية الزاوية بعد قدومي إليها على انني من مواليد ١٣ ابريل "نيسان" عام ١٩٣٥ ليزيد في عمري سنتين حتى يتمكن من إدخالي الى الفصل الثالث في مدرسة الزاوية الابتدائية لانني بدأت الدراسة مبكرا في غات وحفظت الربع الاول من القران الكريم في احدى كتاتيب تحفيظ القران هناك كما درست في المدرسة التي أنشأها الفرنسيون هناك بعد احتلالهم لغات نهاية الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٣وانا في الخامسة او السادسة. وكنت حين التحقت بابي عام ١٩٤٦ في مدينته الزاوية الغربية كما كانت تسمى في ذلك الوقت قد بلغت التاسعة من عمري الذي كان يكتنفه قليل من القلق وكثير من الغموض.!!

كنت اجيد القراءة والكتابة باللغتين العربية والفرنسية. فكان والدي رحمه الله يرى انني مؤهل لتلقي منهج السنة الثالثة الابتدائية. فعدل تاريخ ميلادي لهذا السبب. ولم أخيب ظنه في ذلك وواصلت دراستي دون اية صعوبة حتى اجتزت بنجاح السنة الخامسة الابتدائية التي درست الجزء الاول منها في مدينة مصراتة التي نقل اليها الوالد رحمه الله قاضيا ورئيسًا المحكمة الوحيدة فيها وأكملت الجزء الأخير في مدينة الزاوية.

كانت لوائح التعليم في ذلك الوقت تسمح لمن يشاء ممن أنهى السنة الخامسة الابتدائية ان يتقدم في تلك السنة لامتحان الحصول على الشهادة الابتدائية في الدور الثاني لامتحانات السنة السادسة الابتدائية فقررت القيام بذلك ودرست كل المنهج المقرر لتلك السنة الحاسمة خلال العطلة الصيفية لذلك العام. ووفقني الله ونجحت أنا وأخي الأكبر في امتحانات الدور الثاني ونلت أنا وهو الشهادة الابتدائية التي تؤهلنا للانتساب الى مدرسة الزاوية الثانوية. ولم تكن المدارس الإعدادية قد أنشئت بعد.

ولابد هنا من التوقف قليلا للحديث عن مناهج التعليم في تلك السنوات المبكرة من حياتنا وحياة الوطن. لكي تعلم الاجيال الحالية كيف كانت مناهج التعليم في تلك الفترة التي سبقت اعلان استقلال ليبيا بسنوات قليلة. ولكي تعرف نوع التعليم الذي تلقاه جيل الثلاثينات المميز الذي يروي حكايته هذا الكتاب.

كان منهج السنة الثالثة الابتدائية مثلا يتضمن دراسة تاريخ مصر القديم كله وتاريخ ليبيا القديم كله وتاريخ الإسلام كله. وكانت مادة الجغرافيا التي كنت وما أزال أكرهها طويلة ومملة وتغطي كل قارات العالم ببحارها وأنهارها ووديانها وما فيها من رياح وغابات وتضاريس.. الى جانب مناهج المواد الاخرى كالطبيعة والكيمياء والرياضيات واللغة العربية والدين. كانت مناهج قوية لا اعتقد أن طلبة المدارس الثانوية يتلقون اليوم مثلها.

هكذا كان التعليم. مناهج قوية. وأساتذة أجلاء ومتخصصون. وجدية وحرص كاملين من التلاميذ والأساتذة. كان تعليما راقيا بمعنى الكلمة.

كانت سنوات الدراسة الأربعة في مدرسة الزاوية الثانوية مثيرة حقا ومليئة بالأحداث التي يصعب على من لم يشهدها ويشارك فيها ان يفهمها او حتى ان يصدقها. وكانت البداية بالنسبة لي ولأخي الأكبر مثيرة ومضحكة في ان واحد.

كان والدي رحمه الله يحب ان يكون لكل واحد من أبنائه اسمان. فجعل إسمي إبراهيم سامي. واسم أخي الأكبر يوسف صدقي. والذي يلينا مصطفى كامل. واللذين بعدنا علي رضا ومحمد جمال الدين. وكان اخونا خالد رحمه الله هو الابن الوحيد الذي يحمل اسما واحدا.

ونعود إلى المدرسة والامتحانات. فبعد اجتيازي انا واخي الأكبر يوسف صدقي امتحان الشهادة الابتدائية بنجاح وانتقالنا للدراسة في مدرسة الزاوية الثانوية قرر والدي رحمه الله ان نرتقي قليلا في ملابسنا فنخلع الجلابيب البيضاء والجرد وان نلبس البدلة الأوربية ذات الجاكيت والبنطلون والقميص وربطة العنق والحذاء.! ترف ربما كان غير مستحق وربما كان من "لزوم ما لا يلزم“.!!

اشترى لنا الوالد رحمه الله القميص وربطة العنق والحذاء بالتقسيط من متجر عمي سالم بشينة رحمه الله وتكفلت زوجة ابي رحمها الله بأمر البدلة. فقد كانت لها صديقة يهودية تسكن في الحارة غير بعيد من بيتنا الطيني مما كان يعرف في ذلك الوقت "بضرب الباب". وكان والدي رحمه الله قد اشترى قطعة ارض امام معصرة الزيتون في طريق الحارة وشيد عليها بيتنا الطيني المذكور. ولم يكن للبيت سور بل "طابية" مليئة بنبات "الهندي" او التين الشوكي. ولا باس هنا من التذكير بحادثة بسيطة حدثت مع الوالد رحمه الله. فبعد عودته من المحكمة في احد الأيام وبعد صلاة العصر خرج كعادته الى ما يمكن تسميته مع شيئ من المبالغة ب "حديقة البيت" ليتفقد بعض الأشجار القليلة التي زرعها بيديه في تلك الحديقة والبرسيم الذي زرعه فيها لإطعام الحمار الذي كان يستعمله للذهاب الى قريتنا في "سبان" على البحر شمال مدينة الزاوية. فلم نكن حتى ذلك الوقت نعرف شيئا اسمه السيارة.! وبينما كان السيد الوالد رحمه الله يتمشى في تلك "الحديقة" سمع حديثا يدور بين شخصين في الشارع. سمع الوالد احدهما يقول للآخر:

"أرأيت قصر الهنقاري هذا!؟

هذا كله من لحيتي ومن لحيتك.!!“

أطل عليهما الوالد رحمه الله من وراء شجر "الهندي" الكثيف وقال لهما باللهجة الليبية الدارجة: "ما من وبر في لحيتك ولحيته!!.“ ومعناها بلغتنا العربية الفصحى الجميلة: "ترى كم في لحيتك ولحيته من الشعر.!؟ وهو ”الوبر".!؟ فهرب الرجلان على الفور.!!

كان ذلك في ذروة ايّام الشر والفاقة في الوطن العزيز خلال العام الدراسي ١٩٥٠/١٩٤٩. وهو العام الذي سمي بحق عام الشر.!!

هل تلك هي طبيعة الشعب الليبي!؟ اتهام الناس بالباطل. وبغض وحسد الاخر دون علم ولا دليل.!؟ هل هذا هو ما فطر عليه الشعب الليبي من ايّام سيدنا ادم عليه السلام.!؟ أم أننا نحن الغافلون.!؟

ونعود الى زوجة ابي رحمها الله وصاحبتها اليهودية…

كانت هذه السيدة اليهودية تعمل في تفصيل وخياطة البدل والملابس. ولم اكن لا انا ولا أخي الأكبر نعرف بالطبع شيئا لا عن الأقمشة وأنواعها ولا عن البدل الأوربية. طلبت منا زوجة ابي بعد ان اتفقت مع صاحبتها اليهودية ان نذهب اليها لكي تأخذ المقاسات وتجهز لنا البدلتين. ذهبنا الى منزل تلك اليهودية في الحارة وأخذت المقاسات المطلوبة وطلبت منا العودة اليها بعد أسبوع.

عدنا بعد أسبوع تملؤنا فرحة غامضة يشوبها القلق. فنحن لم نعرف البدل الأوربية من قبل. كما لم نكن نعرف لا انواع الأقمشة ولا أسماءها ولا من اين يتم استيرادها. احضرت الخياطة اليهودية البدلتين وطلبت من كل منا ان يلبس بدلته. فكانت المفاجأة التي لم نكن نتوقعها.! كانت البدلتان من بقايا بطانيتين من البطاطين الصوف التي كان يستعملها جنود الجيش البريطاني في حامية او معسكر الزاوية.!! وكانت ضيقة علينا رغم نحافتنا التي لم نكن نحتاج لاحد ليشهد بها. وفوق ذلك كانت رجل كل بنطلون اقصر من الرجل الاخرى. وكان طول يد كل جاكيت اطول من اليد الاخرى.!!

نظرت الى اخي الأكبر وهو يرتدي تلك البدلة فبدى لي كما لو انه شخص غريب عني. ونظر الي هو الاخر فلم يصدق انني انا.!! وبينما نحن في تلك الحالة من انعدام الإدراك والفهم قالت اليهودية: مبروك.!!

وهكذا عدت الى البيت انا واخي ومعنا اول بدلتين لنا في حياتنا الدنيا.!! 

وليست تلك هي نهاية القصة بل كانت هي بدايتها. ففي اليوم المحدد للتسجيل في مدرسة الزاوية الثانوية ارتديت انا واخي الأكبر تلك البدلة العجيبة الغريبة العطيبة وتحتها قميص ابيض وربطة عنق زرقاء تعمل بالشد بالأستيك من أعلى الى أسفل ولم تكن مقاس رقبة أي منا تناسب لا مقاس القميص ولا مقاس البدلة.!

وقفنا وسط طابور من الطلبة القادمين من الجبل الغربي ومن المدن والقرى القريبة من مدينة الزاوية للتسجيل في المدرسة الثانوية الوحيدة في تلك المنطقة.

كان كل زملائنا يرتدون الملابس الليبية التقليدية من الجرد والعباءة الحمراء كما كان يطلق عليها وكنت انا واخي الشاذين الوحيدين وقد حشونا أنفسنا في تلك البطانية التي أصبحت بدلة بقدرة تلك اليهودية صاحبة المرحومة زوجة ابي.

كان مدير المدرسة هو الاستاذ الدكتور مصطفى بعيو رحمه الله. وكان قد عاد لتوه من مصر التي عاش وتعلم فيها وعين مديرا لمدرسة الزاوية الثانوية في تلك الفترة. ويبدو ان السيد المدير كان يحمل حلما كبيرا هو ان يرى الشباب الليبي وقد خلع الجرد والطاقية والعباءة ولبس اللباس الأوربي الحديث. ولم يكن مسرورا وهو يرى كل الطابور الذي أمامه من الطلبة الجدد وهم يرتدون ما يكره من الملابس. ولذلك فانه لم يلبث ان رانا انا واخي نرتدي تلك البطانية التي صارت بدلة حتى صرخ بصورة لا إرادية قائلا: ها هم الافندية.!!

التفت يمينا ويسارا ابحث عن الافندية الذين يتحدث عنهم السيد المدير فلم اجد احدا.!! ثم اتضح لي انه كان يعنيني انا واخي.!! فظللت طوال حياتي اضحك كلما تذكرت هذه الواقعة.!!

وقد جمعني بعدها بعقود في مدينة بنغازي لقاء خاص مع استاذي وصديقي الاستاذ الدكتور مصطفى بعيو رحمه الله وهو وزير في حكومة السيد عبدالقادر البدري وانا وكيل مساعد بوزارة شؤون البترول في تلك الحكومة حيث ذكرته بتلك الحادثة فضحكنا ضحك طفلين معا وجرينا ولكننا لم نستطع أن نسبق ظلنا الذي اختفى وسط تلك الذكريات المضحكة المبكية.!!

وإلى اللقاء في الفصل التالي….

إبراهيم محمد الهنقاري

- راجع الحلقة الثانية (هنا)

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل