تكفير الأباضية.. الفتوى حين تشرّع للدم

لم يكن المشهد السياسي والاجتماعي الملتهب في ليبيا بحاجة إلى قادح جديد لتتصاعد نيران الخلافات أكثر، غير أن الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية التابعة للحكومة المؤقتة رأت خلاف ذلك. فبعد جملة من القرارت والفتاوى "الدينية" المثيرة للجدل التي اتخذتها السلطات في المنطقة الشرقية على غرار منع سفر الليبيات من غير محرم ووجوب طاعة ولي أمر المسلمين عقيلة صالح، جاءت فتوى تكفير أتباع المذهب الأباضي وإخراجهم من الملة وتحريم الصلاة خلف أئمتم لتمثل تصعيدا في الشقاق الاجتماعي لم تشهده ليبيا خلال تاريخها.

19 مقالات |

المزيد من الملفات الخاصة

تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل: لم يكن المشهد السياسي والاجتماعي الملتهب في ليبيا بحاجة إلى قادح جديد لتتصاعد نيران الخلافات أكثر، غير أن الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية التابعة للحكومة المؤقتة رأت خلاف ذلك. فبعد جملة من القرارت والفتاوى "الدينية" المثيرة للجدل التي اتخذتها السلطات في المنطقة الشرقية على غرار منع سفر الليبيات من غير محرم ووجوب طاعة ولي أمر المسلمين عقيلة صالح، جاءت فتوى تكفير أتباع المذهب الأباضي وإخراجهم من الملة وتحريم الصلاة خلف أئمتم لتمثل تصعيدا في الشقاق الاجتماعي لم تشهده ليبيا خلال تاريخها.

فتوى الهيئة العامة للأوقاف بالحكومة المؤقتة، المنشورة على موقعها الرسمي، حاولت تأصيل ما ذهبت إليه من خلال الاستناد إلى رؤية عقدية وفلسفية وكلامية تصنف الأباضية كفرقة خارجية وتعتبر عقائدهم كفرية لقولهم بخلق القرآن وإنكار الرؤية، وهو تأصيل يعود إلى الخلافات والمعارك المذهبية التي شهدتها القرون الأولى من الإسلام في سياق الصراع السياسي الذي شق صفوف المسلمين، والذي لم يكن مقتصرا على الأباضية وباقي مذاهب السنة، بل شمل جميع فرق المسلمين من سنة وشيعة وخوارج ومعتزلة، حيث نزع كل فريق الشرعية عن الآخر واعتبر نفسه "الفرقة الناجية".

استحضار معارك التاريخ والخلافات القديمة واحتكار الحقيقة ليس بدعة ليبية، فالناظر في خريطة الصراعات التي تشق العالم الإسلامي شرقا وغربا وفي الدماء التي تسيل مدرارة وفي الأرواح التي تزهق في سوريا واليمن والعراق ولبنان والسودان ومصر والجزيرة العربية وأفريقيا وإيران وتركيا وأفغانستان وباكستان، سيكتشف أن الدافع الأساسي وراء ذلك استحضار عوامل الخلاف والفرقة التي مضى عليها أربعة عشر قرنا.. هذا التشخيص لحال المسلمين، اليوم، ليس تبريرا للفتوى موضوع الحديث، بقدر ما هو وضع للمسألة في سياقها، مع الإشارة إلى استثناء ليبي ومغاربي فريد يتمثل في حالة الوفاق الاجتماعي والطائفي والديني التي طبعت المنطقة منذ القدم، إذ لم تسجل أي وقائع تذكر لفتن واقتتال على أساس اختلاف المعتقد والمذهب.

يمكن الجزم أن الغالبية العظمى من الليبيين لم تكن تعلم شيئا عن مسائل خلق القرآن وإنكار الرؤية ولا تعير كبير اهتمام لعلم معقد ومثير كعلم المذاهب المقارن قبل صدور فتوى الهيئة العامة للأوقاف بالحكومة المؤقتة، ولم يكن يعنيها، أصلا، الخوض في مسائل تعتبر ضربا من الترف الفكري. كما يمكن الجزم أن الغالبية العظمى لم تطرح، يوما، على نفسها مثل هذه التساؤلات وهي تؤدي الصلاة في مساجد نالوت وكاباو وجادو أو مساجد طرابلس ومصراتة وبنغازي، كما لم تبحث في الأصول العرقية والمذهبية وهي تبيع وتشتري وتصاهر وتتزوج وتتجول وتسافر وتدرس في مدن جبل نفوسة والجبل الأخضر والساحل والمناطق الوسطى والشرقية والغربية والجنوبية.

لا تتوقف خطورة الفتوى عند استحضار مسائل فكرية وعقائدية وفلسفية وكلامية من أرشيف الماضي البعيد، بل تتعدى ذلك إلى إقحام عامل جديد شديد الخطورة في الخلافات السياسية التي تشق الساحة الليبية، وهو العامل الديني والمذهبي والعرقي الذي ظل، حتى الآن، خارج معادلة الاستقطاب الحاد، وهو العامل الأشد تدميرا للتماسك الاجتماعي أو ما بقي منه، من خلال تحويل المعركة بين الفرقاء من معركة سياسية يمكن الوصول فيها إلى حلول وسطى وتسويات وترضيات وتقاسم للمصالح إلى معركة بين فسطاطي الإسلام والكفر لا حسم فيها إلا باستئصال طرف والقضاء عليه واستباحة دمائه وأرزاقه وحرماته.

خطورة القادح الجديد دفعت أغلب الأطراف السياسية والدينية والقبلية إلى الاستنفار والرد على الفتوى من خلال بيانات وتحركات ومحاولات لإظهار تهافت الفتوى وتماسك المجتمع ووحدته، وهو الأمر الذي بادر إليه المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني والفعاليات القبلية في المنطقة الغربية وبعض الأحزاب السياسية والمرجعيات الدينية والكتاب والمثقفين والمنظمات الحقوقية ونشطاء المجتمع المدني، في حين التزمت الحكومة المؤقتة، والمحسوبين عليها سياسيا وعسكريا، الصمت حتى الآن، في ظل تواتر الحديث عن تصاعد تأثير التيارات والشخصيات الدينية المتشددة على مواقع صنع القرار بالمنطقة الشرقية، وهو ما يتجلى في الاستضافات المتكررة لشيوخ مثيرين للجدل وفي القرارات المقيدة للحريات الصادرة عن مسؤولين عسكريين وسياسيين وفي إصدار فتاوى تصنف المختلفين سياسيا في خانة الكفار.

يبدو أن موجة الاستهجان والاستنكار التي قوبلت بها فتوى تكفير الأباضية دفعت الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الاسلامية التابعة للحكومة المؤقتة إلى الإقرار بصعوبة الموقف الذي وجدت فيه نفسها، فاضطرت إلى إصدار بيان "توضيحي" على موقعها الرسمي، أمس السبت 22 يوليو، اتهمت فيه "طوائف من التكفيريين والعلمانيين" بـ"إثارة فتنة وتحريش بين المسلمين (أمازيغ وعرب) لإحياء نعرة جاهلية"، كما عرجت بالهجوم على قناتي الجزيرة والتناصح، وجماعة الإخوان المسلمين الليبية وهيئة علماء ليبيا، ومن أسمتهم ب"أرباب العلمانية العابثين في البلاد بالفساد، والمتحالفين مع الغرب"، فيما تحاشى بيان الهيئة ذكر الأباضية باعتبارها الفئة المستهدفة بالفتوى، واكتفى بالتأكيد على أن فتواه السابقة كانت "في حكم الصلاة خلف من يقول بأن القرآن مخلوق وينفي رؤية المؤمنين لربّهم في الآخرة"، مؤكدا أن "كلّ من يعتقد هذه العقائد لا تجوز الصلاة خلفه سواء كان عربياً أم أمازيغياً، إباضياً كان أم أشعرياً".




تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل: لم يكن المشهد السياسي والاجتماعي الملتهب في ليبيا بحاجة إلى قادح جديد لتتصاعد نيران الخلافات أكثر، غير أن الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية التابعة للحكومة المؤقتة رأت خلاف ذلك. فبعد جملة من القرارت والفتاوى "الدينية" المثيرة للجدل التي اتخذتها السلطات في المنطقة الشرقية على غرار منع سفر الليبيات من غير محرم ووجوب طاعة ولي أمر المسلمين عقيلة صالح، جاءت فتوى تكفير أتباع المذهب الأباضي وإخراجهم من الملة وتحريم الصلاة خلف أئمتم لتمثل تصعيدا في الشقاق الاجتماعي لم تشهده ليبيا خلال تاريخها.

فتوى الهيئة العامة للأوقاف بالحكومة المؤقتة، المنشورة على موقعها الرسمي، حاولت تأصيل ما ذهبت إليه من خلال الاستناد إلى رؤية عقدية وفلسفية وكلامية تصنف الأباضية كفرقة خارجية وتعتبر عقائدهم كفرية لقولهم بخلق القرآن وإنكار الرؤية، وهو تأصيل يعود إلى الخلافات والمعارك المذهبية التي شهدتها القرون الأولى من الإسلام في سياق الصراع السياسي الذي شق صفوف المسلمين، والذي لم يكن مقتصرا على الأباضية وباقي مذاهب السنة، بل شمل جميع فرق المسلمين من سنة وشيعة وخوارج ومعتزلة، حيث نزع كل فريق الشرعية عن الآخر واعتبر نفسه "الفرقة الناجية".

استحضار معارك التاريخ والخلافات القديمة واحتكار الحقيقة ليس بدعة ليبية، فالناظر في خريطة الصراعات التي تشق العالم الإسلامي شرقا وغربا وفي الدماء التي تسيل مدرارة وفي الأرواح التي تزهق في سوريا واليمن والعراق ولبنان والسودان ومصر والجزيرة العربية وأفريقيا وإيران وتركيا وأفغانستان وباكستان، سيكتشف أن الدافع الأساسي وراء ذلك استحضار عوامل الخلاف والفرقة التي مضى عليها أربعة عشر قرنا.. هذا التشخيص لحال المسلمين، اليوم، ليس تبريرا للفتوى موضوع الحديث، بقدر ما هو وضع للمسألة في سياقها، مع الإشارة إلى استثناء ليبي ومغاربي فريد يتمثل في حالة الوفاق الاجتماعي والطائفي والديني التي طبعت المنطقة منذ القدم، إذ لم تسجل أي وقائع تذكر لفتن واقتتال على أساس اختلاف المعتقد والمذهب.

يمكن الجزم أن الغالبية العظمى من الليبيين لم تكن تعلم شيئا عن مسائل خلق القرآن وإنكار الرؤية ولا تعير كبير اهتمام لعلم معقد ومثير كعلم المذاهب المقارن قبل صدور فتوى الهيئة العامة للأوقاف بالحكومة المؤقتة، ولم يكن يعنيها، أصلا، الخوض في مسائل تعتبر ضربا من الترف الفكري. كما يمكن الجزم أن الغالبية العظمى لم تطرح، يوما، على نفسها مثل هذه التساؤلات وهي تؤدي الصلاة في مساجد نالوت وكاباو وجادو أو مساجد طرابلس ومصراتة وبنغازي، كما لم تبحث في الأصول العرقية والمذهبية وهي تبيع وتشتري وتصاهر وتتزوج وتتجول وتسافر وتدرس في مدن جبل نفوسة والجبل الأخضر والساحل والمناطق الوسطى والشرقية والغربية والجنوبية.

لا تتوقف خطورة الفتوى عند استحضار مسائل فكرية وعقائدية وفلسفية وكلامية من أرشيف الماضي البعيد، بل تتعدى ذلك إلى إقحام عامل جديد شديد الخطورة في الخلافات السياسية التي تشق الساحة الليبية، وهو العامل الديني والمذهبي والعرقي الذي ظل، حتى الآن، خارج معادلة الاستقطاب الحاد، وهو العامل الأشد تدميرا للتماسك الاجتماعي أو ما بقي منه، من خلال تحويل المعركة بين الفرقاء من معركة سياسية يمكن الوصول فيها إلى حلول وسطى وتسويات وترضيات وتقاسم للمصالح إلى معركة بين فسطاطي الإسلام والكفر لا حسم فيها إلا باستئصال طرف والقضاء عليه واستباحة دمائه وأرزاقه وحرماته.

خطورة القادح الجديد دفعت أغلب الأطراف السياسية والدينية والقبلية إلى الاستنفار والرد على الفتوى من خلال بيانات وتحركات ومحاولات لإظهار تهافت الفتوى وتماسك المجتمع ووحدته، وهو الأمر الذي بادر إليه المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني والفعاليات القبلية في المنطقة الغربية وبعض الأحزاب السياسية والمرجعيات الدينية والكتاب والمثقفين والمنظمات الحقوقية ونشطاء المجتمع المدني، في حين التزمت الحكومة المؤقتة، والمحسوبين عليها سياسيا وعسكريا، الصمت حتى الآن، في ظل تواتر الحديث عن تصاعد تأثير التيارات والشخصيات الدينية المتشددة على مواقع صنع القرار بالمنطقة الشرقية، وهو ما يتجلى في الاستضافات المتكررة لشيوخ مثيرين للجدل وفي القرارات المقيدة للحريات الصادرة عن مسؤولين عسكريين وسياسيين وفي إصدار فتاوى تصنف المختلفين سياسيا في خانة الكفار.

يبدو أن موجة الاستهجان والاستنكار التي قوبلت بها فتوى تكفير الأباضية دفعت الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الاسلامية التابعة للحكومة المؤقتة إلى الإقرار بصعوبة الموقف الذي وجدت فيه نفسها، فاضطرت إلى إصدار بيان "توضيحي" على موقعها الرسمي، أمس السبت 22 يوليو، اتهمت فيه "طوائف من التكفيريين والعلمانيين" بـ"إثارة فتنة وتحريش بين المسلمين (أمازيغ وعرب) لإحياء نعرة جاهلية"، كما عرجت بالهجوم على قناتي الجزيرة والتناصح، وجماعة الإخوان المسلمين الليبية وهيئة علماء ليبيا، ومن أسمتهم ب"أرباب العلمانية العابثين في البلاد بالفساد، والمتحالفين مع الغرب"، فيما تحاشى بيان الهيئة ذكر الأباضية باعتبارها الفئة المستهدفة بالفتوى، واكتفى بالتأكيد على أن فتواه السابقة كانت "في حكم الصلاة خلف من يقول بأن القرآن مخلوق وينفي رؤية المؤمنين لربّهم في الآخرة"، مؤكدا أن "كلّ من يعتقد هذه العقائد لا تجوز الصلاة خلفه سواء كان عربياً أم أمازيغياً، إباضياً كان أم أشعرياً".