بنغازي.. حسم عسكري، وبعد؟

بإعلان "القائد العام للقوات المسلحة" التابعة للحكومة المؤقتة خليفة حفتر عن "التحرير الكامل" لمدينة بنغازي، منذ أيام، تكون مرحلة صراع عسكري دام ثلاث سنوات، قد شارفت على نهايتها بتفاصيلها وفاعليها وصورتها الحالية، غير أن مجريات الأحداث في ليبيا، منذ 2011، وما آلت إليه الكثير من الأحداث "الهامة" تفرض على المراقب ضرورة طرح أسئلة تتجاوز حماس اللحظة الراهنة وتخرق المسكوت عنه.

26 مقالات | 5 فيديوهات |

المزيد من الملفات الخاصة

تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل: بإعلان "القائد العام للقوات المسلحة" التابعة للحكومة المؤقتة خليفة حفتر عن "التحرير الكامل" لمدينة بنغازي، منذ أيام، تكون مرحلة صراع عسكري دام ثلاث سنوات، قد شارفت على نهايتها بتفاصيلها وفاعليها وصورتها الحالية، غير أن مجريات الأحداث في ليبيا، منذ 2011، وما آلت إليه الكثير من الأحداث "الهامة" تفرض على المراقب ضرورة طرح أسئلة تتجاوز حماس اللحظة الراهنة وتخرق المسكوت عنه.

هل كانت معركة بنغازي صراعا ثنائيا بحتا بين جبهتين ومشروعين أم كانت أكثر تعقيدا واختلطت فيها الأوراق المحلية والإقليمية والدولية؟ ما الأسرار وراء امتداد المعركة على ثلاث سنوات كاملة بما أفرزته من دمار كبير في البنية التحتية ونزوح عشرات الآلاف من المدنيين وشروخ اجتماعية أنتجتها الدماء التي سالت بغزارة؟ هل يمكن لمعركة بنغازي أن تنسحب على معارك أخرى مفترضة في مدن مختلفة أهمها العاصمة طرابلس؟ هل تكون معركة البناء والإعمار أسرع من المعركة العسكرية؟ هل يسمح المشهد المتخم بعوامل الشقاق والانقسام بـ"استثمار" المكاسب العسكرية لرفع الأسهم السياسية لهذا الطرف أو ذاك؟

عندما أعلن خليفة حفتر إطلاق عملية "كرامة ليبيا" لم يكن بإمكان المراقبين والمتابعين التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور، غير أن السياق المحلي والإقليمي، وخاصة بالجوار المصري، جعل مناصريها يعلقون عليها آمالا عريضة، ما سمح لها بإيجاد موطئ قدم في أغلب الجغرافيا الممتدة من طبرق إلى اجدابيا، وجنوبا إلى الكفرة، وهو الأمر الذي جرى بمواكبة وتحشيد إعلاميين لافتين. وعلى الضفة الأخرى من المشهد الليبي، كان المعسكر المقابل يخوض معركة "فجر ليبيا" التي ضمت أغلب مدن المنطقتين الوسطى والغربية ومثلت النقيض السياسي لعملية "الكرامة"، لينطلق صراع أهلي مرير لازال متواصلا إلى اليوم، وإن بعناوين وتفاصيل متغيرة.

لم يكن ما يجري في ليبيا بمعزل عن السياق الإقليمي، كما أسلفنا، فقد وجدت عملية "الكرامة" مناصرين في الخارج كما في الداخل، ولم تعد العديد من الدول تخفي دعمها السياسي والإعلامي والعسكري والمعلوماتي والعملياتي المباشر لـ"القوات المسلحة" وقيادتها وللمعسكر السياسي الداعم لها، وقد كان لهذا الدعم دوره الكبير في تحقيق الحسم العسكري في عدة محطات. وعلى خلاف مصر والإمارات والأردن التي كان دعمها معلنا وحاسما لعملية "الكرامة"، فإن دولا إقليمية أخرى كتونس والجزائر ظلت على حال من الحياد البارد من خلال مد جسور التواصل مع مختلف فرقاء المشهد الليبي، وهو الأمر الذي قوبل بهجمات إعلامية وتشنج سياسي من قبل معسكر "الكرامة" (الهجمات الإعلامية المتكررة على تونس ورفض خليفة حفتر دعوة من الرئيس السبسي لزبارة تونس، الهجمات الإعلامية على الجزائر والتي يعتقد أنها بإيعاز من أطراف على علاقة بالأذرع الإعلامية للكرامة...).

لاشك أن عملية "الكرامة" تلقى دعما اجتماعيا وقبليا في المنطقة الشرقية تجلى من خلال المشاركة العسكرية المباشرة وإسناد "القوات المسلحة" بالعنصر البشري، ومن خلال توفير الدعم السياسي، ولاشك أيضا أن لديها متعاطفين في المنطقتين الغربية والوسطى يصعب تحديد نسبتهم، غير أن المراقب المنصف لابد له من الإشارة إلى الشروخ الاجتماعية المتزايدة جراء الاقتتال الذي طال عديد المناطق والذي أدى إلى تدمير للمساكن وتهجير لعشرات الآلاف (نازحو بنغازي في طرابلس وغيرها من المدن...) وإحراق وتخريب للممتلكات الخاصة بدعاوى الثأر والانتقام من "الإرهابيين" وعائلاتهم. لاشك أن هذه التحديات ستضع أمام الفاعلين السياسيين والعسكريين في عملية "الكرامة" خيارات صعبة لاستعادة اللحمة الاجتماعية عبر مصالحة تطوي ملفات الماضي وتعيد الحقوق وتضع ضوابط لمنع تكرار ما حدث.

لم تكن أزمة النزوح القسري الانتهاك الوحيد الذي وثقته منظمات حقوق الإنسان في سجلات عملية "الكرامة"، فقد مثلت السجون غير الشرعية والتعذيب والتصفيات خارج إطار القانون ودون أحكام من القضاء أحداثا متواترة ومتكررة إلى اليوم، وصار مشهد القادة الميدانيين لعملية "الكرامة" وهم يطلقون النار على رؤوس الأسرى والمحتجزين بدعوى تصفية "الإرهابيين" يتخم اليوتيوب وشبكات التواصل الاجتماعي، كما صار مشهد الجثث الملقاة في مكبات القمامة بعد تعريضها للتعذيب الشديد أمرا معتادا في أحياء بنغازي.

الآن وقد شارف الحسم العسكري على التحقق، تبدو بنغازي مدينة أصابها خراب بالغ في بنيتها التحتية والاجتماعية والنفسية، كما تبدو في حاجة أكيدة لبرنامج طموح ومدروس لإعادة إعمارها من جديد. ويخطئ من يذهب في اعتقاده أن إعادة الإعمار تقتصر على المباني والطرقات والمساكن والمدارس، بل تتعدى ذلك إلى إعادة اعمار اجتماعي ونفسي من خلال تقييم ما جرى وتحديد المسؤوليات والمحاسبة والمصالحة وطي صفحة الماضي وبناء المؤسسات الأمنية والقضائية والسياسية التي تمنع تكرار المأساة.. كما لابد من الإشارة إلى أن الحسم العسكري لا يمنع تواصل الهشاشة الأمنية وحدوث المفاجآت، طالما لم يحصن بمصالحة وطنية شاملة تنأى ببنغازي والبلاد عن استحقاقات التحالفات والحسابات الإقليمية.



أخبار وتقارير - آراء وتعليقات

فيديوهات

ألبومات الصور

الزوي: فقدنا أكثر من 20 جنديا منذ الأربعاء، وعمليات التمشيط متواصلة

"لا للألغام ومخلفات الحرب" تدعو إلى عدم العودة إلى الصابري حتى تأمنيها

مصادر: السيطرة على فندق تاقرفت وشارع المهدوي ومستشفى الجمهورية في بنغازي

نائب رئيس البرلمان العربي: "تحرير" بنغازي حدث تاريخي في المنطقة العربية والعالم

الأمين: لتكن بنغازي آخر الحروب في ليبيا

مساهل يشيد بالانتصارات في بنغازي وربوع ليبية عديدة

سكان بنغازي يحتفلون بـ"تحرير" مدينتهم

الدباشي يدعو لتخصيص ميزانية أولية بخمسة مليارات دينار لإعادة إعمار بنغازي

البدري الشريف: "تحرير بنغازي" خطوة قد تخلق توافقات وطنية شاملة

السراج يهنئ الشعب الليبي بإعلان تحرير مدينة بنغازي

فضيل الأمين: بنغازي تُقبر مشروع الإرهاب في ليبيا

ميليت: تحرير بنغازي فرصة ثمينة للانتقال من الحرب إلى السلام

"القوات الخاصة": العثور على سيارات مفخخة وأحزمة ناسفة بمحور الصابري

الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا ترحب بـ "إعلان تحرير بنغازي"

مجلس النواب يطالب برفع حظر التسليح عقب إعلان السيطرة التامة على بنغازي

"القيادة العامة" تعلن السيطرة على منطقة الصابري بالكامل

الحاسي يعلن تحرير منطقة سوق الحوت ومنطقة البلاد ببنغازي بالكامل

المسماري: قواتنا تتقدم في معاقل الإرهابيين في منطقة الصابري

تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل: بإعلان "القائد العام للقوات المسلحة" التابعة للحكومة المؤقتة خليفة حفتر عن "التحرير الكامل" لمدينة بنغازي، منذ أيام، تكون مرحلة صراع عسكري دام ثلاث سنوات، قد شارفت على نهايتها بتفاصيلها وفاعليها وصورتها الحالية، غير أن مجريات الأحداث في ليبيا، منذ 2011، وما آلت إليه الكثير من الأحداث "الهامة" تفرض على المراقب ضرورة طرح أسئلة تتجاوز حماس اللحظة الراهنة وتخرق المسكوت عنه.

هل كانت معركة بنغازي صراعا ثنائيا بحتا بين جبهتين ومشروعين أم كانت أكثر تعقيدا واختلطت فيها الأوراق المحلية والإقليمية والدولية؟ ما الأسرار وراء امتداد المعركة على ثلاث سنوات كاملة بما أفرزته من دمار كبير في البنية التحتية ونزوح عشرات الآلاف من المدنيين وشروخ اجتماعية أنتجتها الدماء التي سالت بغزارة؟ هل يمكن لمعركة بنغازي أن تنسحب على معارك أخرى مفترضة في مدن مختلفة أهمها العاصمة طرابلس؟ هل تكون معركة البناء والإعمار أسرع من المعركة العسكرية؟ هل يسمح المشهد المتخم بعوامل الشقاق والانقسام بـ"استثمار" المكاسب العسكرية لرفع الأسهم السياسية لهذا الطرف أو ذاك؟

عندما أعلن خليفة حفتر إطلاق عملية "كرامة ليبيا" لم يكن بإمكان المراقبين والمتابعين التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور، غير أن السياق المحلي والإقليمي، وخاصة بالجوار المصري، جعل مناصريها يعلقون عليها آمالا عريضة، ما سمح لها بإيجاد موطئ قدم في أغلب الجغرافيا الممتدة من طبرق إلى اجدابيا، وجنوبا إلى الكفرة، وهو الأمر الذي جرى بمواكبة وتحشيد إعلاميين لافتين. وعلى الضفة الأخرى من المشهد الليبي، كان المعسكر المقابل يخوض معركة "فجر ليبيا" التي ضمت أغلب مدن المنطقتين الوسطى والغربية ومثلت النقيض السياسي لعملية "الكرامة"، لينطلق صراع أهلي مرير لازال متواصلا إلى اليوم، وإن بعناوين وتفاصيل متغيرة.

لم يكن ما يجري في ليبيا بمعزل عن السياق الإقليمي، كما أسلفنا، فقد وجدت عملية "الكرامة" مناصرين في الخارج كما في الداخل، ولم تعد العديد من الدول تخفي دعمها السياسي والإعلامي والعسكري والمعلوماتي والعملياتي المباشر لـ"القوات المسلحة" وقيادتها وللمعسكر السياسي الداعم لها، وقد كان لهذا الدعم دوره الكبير في تحقيق الحسم العسكري في عدة محطات. وعلى خلاف مصر والإمارات والأردن التي كان دعمها معلنا وحاسما لعملية "الكرامة"، فإن دولا إقليمية أخرى كتونس والجزائر ظلت على حال من الحياد البارد من خلال مد جسور التواصل مع مختلف فرقاء المشهد الليبي، وهو الأمر الذي قوبل بهجمات إعلامية وتشنج سياسي من قبل معسكر "الكرامة" (الهجمات الإعلامية المتكررة على تونس ورفض خليفة حفتر دعوة من الرئيس السبسي لزبارة تونس، الهجمات الإعلامية على الجزائر والتي يعتقد أنها بإيعاز من أطراف على علاقة بالأذرع الإعلامية للكرامة...).

لاشك أن عملية "الكرامة" تلقى دعما اجتماعيا وقبليا في المنطقة الشرقية تجلى من خلال المشاركة العسكرية المباشرة وإسناد "القوات المسلحة" بالعنصر البشري، ومن خلال توفير الدعم السياسي، ولاشك أيضا أن لديها متعاطفين في المنطقتين الغربية والوسطى يصعب تحديد نسبتهم، غير أن المراقب المنصف لابد له من الإشارة إلى الشروخ الاجتماعية المتزايدة جراء الاقتتال الذي طال عديد المناطق والذي أدى إلى تدمير للمساكن وتهجير لعشرات الآلاف (نازحو بنغازي في طرابلس وغيرها من المدن...) وإحراق وتخريب للممتلكات الخاصة بدعاوى الثأر والانتقام من "الإرهابيين" وعائلاتهم. لاشك أن هذه التحديات ستضع أمام الفاعلين السياسيين والعسكريين في عملية "الكرامة" خيارات صعبة لاستعادة اللحمة الاجتماعية عبر مصالحة تطوي ملفات الماضي وتعيد الحقوق وتضع ضوابط لمنع تكرار ما حدث.

لم تكن أزمة النزوح القسري الانتهاك الوحيد الذي وثقته منظمات حقوق الإنسان في سجلات عملية "الكرامة"، فقد مثلت السجون غير الشرعية والتعذيب والتصفيات خارج إطار القانون ودون أحكام من القضاء أحداثا متواترة ومتكررة إلى اليوم، وصار مشهد القادة الميدانيين لعملية "الكرامة" وهم يطلقون النار على رؤوس الأسرى والمحتجزين بدعوى تصفية "الإرهابيين" يتخم اليوتيوب وشبكات التواصل الاجتماعي، كما صار مشهد الجثث الملقاة في مكبات القمامة بعد تعريضها للتعذيب الشديد أمرا معتادا في أحياء بنغازي.

الآن وقد شارف الحسم العسكري على التحقق، تبدو بنغازي مدينة أصابها خراب بالغ في بنيتها التحتية والاجتماعية والنفسية، كما تبدو في حاجة أكيدة لبرنامج طموح ومدروس لإعادة إعمارها من جديد. ويخطئ من يذهب في اعتقاده أن إعادة الإعمار تقتصر على المباني والطرقات والمساكن والمدارس، بل تتعدى ذلك إلى إعادة اعمار اجتماعي ونفسي من خلال تقييم ما جرى وتحديد المسؤوليات والمحاسبة والمصالحة وطي صفحة الماضي وبناء المؤسسات الأمنية والقضائية والسياسية التي تمنع تكرار المأساة.. كما لابد من الإشارة إلى أن الحسم العسكري لا يمنع تواصل الهشاشة الأمنية وحدوث المفاجآت، طالما لم يحصن بمصالحة وطنية شاملة تنأى ببنغازي والبلاد عن استحقاقات التحالفات والحسابات الإقليمية.