أهم الأخبار

عالمٌ جديد

نور الدين السيد الثلثي | 2016/11/09 على الساعة 09:39

وصل قطار الانتخابات الأمريكية إلى محطته الأخيرة بنتيجةٍ قلَبت كلّ التوقّعات: سيدخل دونالد ترامب البيت الأبيض رئيساً لأكبر قوة على الأرض اعتباراً من يناير القادم. دامت الحملة لانتخاب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية ثمانيةَ عشر شهراً من التنافس داخل الحزبين الرئيسيين ومن ثَم بين الحزبيْن ومرشحيْهما هيلاري كلينتون ودونالد ترامب.

أفرزت العملية التنافسية داخل الحزب الديموقراطي مرشّحةً من أركان المؤسسة الحاكمة، كلنتون، صاحبةَ الخبرة الطويلة في مواقعَ ساميةً بالجهازين التنفيذي والتشريعي وفي البيت الأبيض صحبةَ زوجها الرئيس السابق. واجهت كلنتون - التي تفتقد ثقة الناس إلى حدٍّ كبير - حملةً تشكيكيةً كبيرةً نتيجة الإهمال الجسيم وسوء التقدير حين اختارت أن تستخدم حساباً بريدياً خاصاً في مراسلاتها كوزيرةٍ للخارجية. كلنتون مثّلت ثباتاً واستمراراً لسياسات أوباما، وفي انتخابها رأَى أوباما محافَظةً على منجزات رئاسته.

وفي ترامب اختار الحزب الجمهوري مرشحاً عنصرياً ديماجوجياً لم يُخْـفِ تعصّبه ضد السود والمسلمين وذوي الأصول الأسبانية والمهاجرين واللاجئين؛ دعا إلى "استعادة عظمة أميركا" وكأنها قد انتُهِكت نتيجة ثماني سنوات من رئاسة أوباما الأسود، وخاطب السود يصف سوءَ حالهم في كل شيء ويطلب تصويتهم لصالحه قائلاً "ماذا لديكم تخسرونه؟". رأى في تجنّب دفع الضرائب ’شطارة‘، وفي ثروته و’نجوميّـته‘ مبرراً للاعتداء كل النساء ببذاءاته إن لم يكن أكثر. وعد ببناء سورٍ - جدارٍ عازل! - يحمي الولايات المتحدة من الهجرة من المكسيك، كما وعد بإلغاء برنامج أوباما للتأمين الصحي العام، وإعادة النظر في علاقات أمريكا الدفاعية مع حلفائها وأصدقائها وفي الاتفاقيات التجارية واتفاقات وسياسات مواجهة التغير المناخي والحفاظ على البيئة.

علاقاته النسائية ونظرته للمرأة كلّفته أصوات قطاعٍ كبير من النساء. لم يؤيده المتعلمون والسود وذوو الأصول الأسبانية، وخسر تأييد قطاعٍ من حزبه الجمهوري نفسه. رجل أعمالٍ جمهوري بارز التقيته في تكساس منذ أسابيع قال لي إنه لم يصوّت في حياته لغير الجمهوريين، ولكنه لا يدري كيف سيصوت هذه المرة. ونجح ترامب رغم ذلك في تكوين جمهورٍ عريض من المؤيّدين المتحمسين له من المتعصبين البيض والأقلّ تعليماً والمنتمين للطبقة الاجتماعية الأدنى، وانحاز إليه فريقٌ غيرُ راضٍ عن ’المؤسسة‘ بحكوماتها وإعلامها والفئات الاجتماعية والمالية والاقتصادية النافذة فيها. بعث ترامب في الأمريكيين شعوراً بالخوف من عالمٍ صوّره وحدَه المستفيد من علاقاته مع أمريكا، وصوّر أمريكا الخاسرةَ المستغَلّة. رفع شعار "أمريكا أولاً" في انقلابٍ على سياساتٍ خارجية وتجارية ودفاعية رآها مضِرّةً بمصالح أمريكا، وتوجَّهٍ نحو ’انعزالٍ‘ وانكفاءٍ إلى الداخل. وكان ترامب باعثاً على الخوف لدى آخرين في الولايات المتحدة وفي العالم الأوسع من مستقبلٍ تكون دفة القيادة فيه بين يديه.

تحدّت النتائج في تتابعها الليلة الماضية كل التوقعات والاستطلاعات، فقد اختار الأمريكيون التغيير نحو اليمين، بقيادة مليارديرٍ من عالم الاستثمارات العقارية، قادمٍ جديد في عالم الحكم والسياسة، في شَـبَهٍ بتصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي محتجّين على ممارسات ’المؤسسات‘ الحاكمة منكفئين إلى الداخل، وفي مفاجأة نتائج تصويتهم.

الحملة الانتخابية الأخيرة كانت الأشرس والأبعد عن اللياقة وآداب الخطاب؛ تمادى طرفاها في الغوص في خصوصياتٍ بعيدةٍ عن السياسات والمصالح الوطنية. البذاءة والسباب لم يكونا بعيدين عند ترامب على وجه الخصوص. كانت حملةً انتخابية مُشينةً نسبةً لما هو متوقعٌ من انتخابات رئاسية في واحدةٍ من الديموقراطيات العريقة الراسخة في عالمنا، وكانت للشعب الأمريكي في نهايتها الكلمة الفصل.

ستنتقل سياسات ترامب الخارجية بالعالم إلى المجهول، وفي افتراقٍ حادٍّ عن سياسات إدارة أوباما. ما يبعث على شيءٍ من الاطمئنان هو الضوابط والتوازنات التي تحكم أداء المؤسسات في الدول الديمقرراطية. وفي حالتنا ستستمرّ الإملاءات. الفارق هو أن النظام الذي صمَّمته ’المجموعة الدولية‘ وتحاول فرضَه قد يتغير.

نحن أيضاً بإمكاننا أن نغيّر ما بأنفسنا. لقد فقدنا القدرة على التأثير في شيء عندما سلّمنا مفاتيح حاضرنا ومستقبل أولادنا لدولٍ وشرعيّاتٍ تمنحها منظماتٌ دولية وبعثاتٌ ومبعوثون. نستحقّ أفضل مما نحن فيه، حالاً وقادةً وطريقاً؛ ليس في كلِّ ذلك قَـدَراً محتوماً.

نورالدين السيد الثلثي
9 أكتوبر 2016

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار