أهم الأخبار

نظام المجلسين في السلطة التشريعية

حراك المواطنة حقي | 2016/09/06 على الساعة 15:41

نظام المجلسين في السلطة التشريعية في ضوء التجارب الدستورية المقارنة

ومخرجات الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور

تقضي مبادئ الديمقراطية أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لتحقيق أهدافه، ولما كان ذلك عملا يصعب تحقيقه وخاصة في الدولة الحديثة، لذا فقد أخذت معظم دول العالم بمبدأ أن يختار الشعب ممثلين عنه، يشكلون ما يسمى بالمجلس النيابي (البرلمان) ليقوموا بتحقيق أهداف الشعب وهذا ما يطلق عليه الفقه الدستوري (الديمقراطية النيابية).

كما تقضي الديمقراطية أن يكون المجلس واحداً في كل دولة لكي يعبر عن إرادة ورغبة الشعب الواحد حيث أن هذه الارادة لا يمكن أن تتجزأ أو تتعدد وهذا ما تأخذ به معظم دول العالم حيث يسود فيها نظام المجلس الفردي (Unicameral System).

أي أن يتولى السلطة التشريعية مجلس واحد لكن في بعض الحالات قد يتكون سكان الدولة من مجموعات إقليمية ولكل منها ظروفها وأوضاعها الاجتماعية والعرقية الخاصة بها والتي تتميز عن غيرها وتشاهد مثل هذه المجموعات في الدول الاتحادية (الفيدرالية) حيث لا تبدى تلك المجموعات رغبة في الانصهار أو الاندماج كلياً في الدولة الاتحادية وتفضل الاحتفاظ ببعض حقوقها واختصاصاتها لذلك نشأت الحاجة لدى الدول الاتحادية أن تأخذ في تكوين السلطة التشريعية بنظام المجلسين (Bicameral System) فتمثل تلك المجموعات بمجلس ثان يعبر عن رغباتها ويدافع على مصالحها في مواجهة الدولة الاتحادية مع وجود هذا النموذج في بعض الدول البسيطة على سبيل الاستثناء لاعتبارات معينة، حيث يكون أحد المجلسين ممثلا للشعب ويسمى مجلس النواب أو مجلس الشعب أو المجلس القومي، والثاني ممثلا للولايات ويسمى مجلس الشيوخ أو مجلس اللوردات أو مجلس المستشارين إلى آخر تلك التسميات، والملاحظ أنه مع مرور الزمن بدأ التوجه إلى إلغاء نظام المجلس الثاني (مجلس الشيوخ) أو تناقص دوره وأهميته سواء في الدول الاتحادية أو البسيطة.

مزايا وعيوب نظام المجلسين:

إذا كان ازدواج السلطة التشريعية في الدول الملكية أو ذات الحكم الفردي أو في الدول الاتحادية (الفيدرالية) يثير نقاشاً ملحوظاً فإنه في الدول الديمقراطية البسيطة أو الموحدة يثير مناقشات طويلة وخلافات جوهرية ويظهر هذا النقاش غالباً أثناء مناقشة مشروعات الدساتير.

من يؤيدون نظام المجلسين يرون في مزاياه أنه يؤدي إلى الإجادة التشريعية وتجنب الخطأ في التشريع وأن نظام المجلسين ضروري خاصة في الدول التي تأخذ بنظام الاتحاد المركزي الفيدرالي الذي يتطلب تمثيل الولايات بالإضافة إلى تمثيل الشعب كله، وفي حين يرى معارضو نظام المجلسين بأن هذا النظام يتعارض من حيث الأساس مع مبدأ وفكرة تمثيل الشعب التي لا يمكن تجزئتها وبالتالي لا يمكن أن تعبر عن إرادة الشعب هيئتان أو مجلسان بإرادتين قد تكونان متعارضتين كما أن هذا النظام يؤدي إلى تصادم أحدهما مع الاخر لاختلاف الطابع بينهما فضلا عن كونه يعطل سير التشريع الى حد كبير مع ان موضوع التشريع قد يكون مسلماً به أو من الواجب الإسراع في إصدار القانون بشأنه وهو ما قد يؤدي إلى شلل عملية سن القوانين وتوقف المسار التشريعي في البلاد علاوة على ما يُحتمه وجود مجلس ثان من زيادة في تكاليف وأعباء الدولة لأنه يعني وجود عدد أكبر من السياسيين والموظفين والإداريين والداعمين والمزيد من المرتبات ونفقات السفر والإقامة وتوفير المقرات الأمر الذي يشكل ضغطاً كبيراً على الخزانة العامة التي يمكن أن تنفق أموالها بشكل أفضل على أمور أخرى.

لذلك يرى الكثير من المختصين والفقهاء الدستوريين بأنه يمكن الاستغناء عن التنصيص على مجلس ثان في السلطة التشريعية عبر تبني خيارات أخرى مثل أن تتم عملية الضبط الديمقراطي التي يرى البعض أن المجلس الثاني يقوم بها عن طريق الاستفتاءات التي تدعو إليها أقلية برلمانية (كما في الدانمارك على سبيل المثال) أو من قبل عدد معين من المقترعين (كما في لاتفيا) أو من قبل رئيس دولة منتخب مباشرة (كما في ايسلندا) وبشكل جوهري فإن هذه الترتيبات تجعل من الشعب بأكمله مجلساً تشريعياً ثانياً.

أو أن يستعاض عن خيار ازدواجية المجلسين من خلال إنشاء هيئات ومؤسسات أخرى شبيهة بالمجالس الثنائية تفتقر للصفة الرسمية والمكانة التي يتمتع بها البرلمان لكن يعترف بها دستوريا وتمنح دورا استشاريا في عملية صنع السياسات مثل المجالس الاجتماعية والاقتصادية الموجودة في فرنسا وايطاليا ولوكسمبرغ اضافة الى بلدان أخرى وفي بعض البلدان يمكن تمثيل الزعماء التقليديين أو زعماء القبائل في مجلس استشاري خاص مثل مجلس الزعماء في بوتسوانا أو المجلس الوطني للزعماء في فانواتو كما يمكن أداء وظيفة المراجعة التي يحتج بوجود المجلس الثاني لأجلها من قبل مجالس متخصصة مثل مجلس الدولة في هولندا أو المجلس القانوني في السويد الذي يتكون من خبراء قانونيين وإداريين مختصين.

وفي جميع الاحوال فإن خيار تبني مجلس تشريعي ثان يؤخذ في سياقه عند الاجابة على عدة اسئلة: هل بنية الدولة قائمة على المركزية أو اللامركزية وهل هي دولة فيدرالية أو أحادية؟ وهل الأولوية القصوى هي ضمان وجود حكومة مستقرة وفعالة ومسئولة؟ وهل المجلس الثاني هو الطريقة المناسبة والمثلى لتلبية الاحتياجات التي يراد تحقيقها؟ وهل تركيبته وصلاحياته مناسبة للغايات المرجوة منه؟

نظام المجلسين في التجارب الدستورية المقارنة:

1- في بريطانيا

تأتي بريطانيا في طليعة الدول البسيطة التي تأخذ بنظام المجلسين وقد ولد هذا النظام في منتصف عام 1215م نتيجة ظروف تاريخية وسياسية واجتماعية خاصة بها حيث كان الملك يستعين بهيئة ارستقراطية مكونة من ممثلين عن الاقاليم وبعض رجال الدين والإشراف واحتفظت هذه الهيئة بطابعها الارستقراطي حتى اليوم وهي ما تسمى بمجلس اللوردات (House of Lords) ويتكون البرلمان البريطاني حاليا من مجلسين هما مجلس اللوردات ومجلس العموم ومع تطور النظام الديمقراطي تراجعت سلطة مجلس اللوردات لصالح سلطة مجلس العموم الذي أصبح المعبر الفعلي عن دور البرلمان البريطاني لاسيما في الأمور التشريعية والمالية وقد تأكدت هذه السلطة بموجب قانون البرلمان الصادر عام 1911م أما مجلس اللوردات فقد اصبح دوره مقيداً ولم يعد له سلطة في مجال الرقابة على الوزارة أو منح الثقة كما تراجع دوره في المسائل التشريعية والمالية ولم يعد له سلطة سوى الاعتراض المؤقت على القوانين التي تتضمن إعتمادات مالية والتي يوافق عليها مجلس العموم لفترة لا تتجاوز 60 يوما.

2- في فرنسا

جاء تطبيق نظام المجلسين التشريعيين في فرنسا نتيجة لبعض الأخطاء التي أوجدتها ظروف تاريخية خاصة كما هو الشأن في مجلس الشيوخ الفرنسي حيث اعتبر البعض أن المجلس الثاني يحقق العقلانية والتروي في اتخاذ القوانين وسنها فإذا كان مجلس النواب هو مجلس الشباب فمجلس الشيوخ هو مجلس الكبار الذي به تتحقق عملية التوازن بين عقل الشيوخ وحماس الشباب ليأتي الدستور الفرنسي الحالي الصادر عام 1958 ليرسخ بقاء نظام المجلسين المجلس القومي (مجلس النواب) والجمعية الوطنية (مجلس الشيوخ) والغريب في الأمر أن المادة 24 من الدستور الفرنسي تنص على أن مجلس الشيوخ يمثل الوحدات الاقليمية أو المحلية في الجمهورية مع أنه من المعروف في فرنسا أن هذه الوحدات مازالت خاضعة بشكل ملحوظ للسلطة المركزية فيما يتعلق بالنواحي الإدارية والاقتصادية والمالية وأن مجلس الشيوخ لا يلعب دوراً كبيراً في المحافظة على استقلال هذه الوحدات التي لا تملك في غالبية الأحيان حرية القرار حتى في المسائل الخاصة بها (انظرJan Gicquel.ouvrge cite, ets 565) لذلك تعد مشكلة الازدواج التشريعي في فرنسا من أهم المشاكل التي يثار حولها الخلاف فيما يتعلق بالتنظيم السياسي للمؤسسات الديمقراطية فيها وقد انصبت المناقشات حول المجلس الثاني (مجلس الشيوخ) وهاجمت مبدأ وجوده من الأساس وكان أعنفها في عامي 1964 و1969 حيث جرت فيهما محاولات لإلغاء مجلس الشيوخ أو لتحديد وإضعاف اختصاصاته ومازالت هذه المحاولات موجودة حتى الآن ويقول الفقيه Jean Matias في هذا الشأن إن مسألة تعديل مجلس الشيوخ مسألة قائمة من وقت لآخر وخاصة في عهد الجمهورية الثالثة وكذلك في عهد الجمهورية الرابعة وحتى الآن كما تقدم الجنرال ديغول بمشروع تعديل للدستور ينص على أن مجلس الشيوخ ليس له إلا رأي استشاري وأن مجلس النواب هو الذي يصوت نهائياً على القوانين وهو ما يؤكد الرغبة الملحة في فرنسا للاستغناء عن المجلس الثاني والحد من اختصاصاته الدستورية.

3- في الولايات المتحدة الأمريكية

يشكل المجلس الثاني (مجلس الشيوخ) إلى جانب مجلس النواب السلطة التشريعية (الكونجرس) في الولايات المتحدة وفقاً لما نص عليه الدستور الأمريكي الصادر عام 1787 ويتكون المجلس الثاني من عضوين لكل ولاية من الولايات الخمسين حيث تم اعتماد هذا النظام لإرضاء الولايات الثلاثة عشر الأصلية بعد الاستقلال كي تحافظ على استقلالها وأن يكون لها عضو مركزي يدافع عن مصالحها نتيجة للطابع الفيدرالي الذي تبنته الدولة.

4- في ألمانيا

بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى وجود أقاليم بها أصبح لها حكوماتها وهيئاتها المستقلة حيث لعبت هذه الاقاليم فيما بعد الدور الأساسي لتوحيد ألمانيا إلا أن هذه الوحدة لم تؤد إلى اذابة كل رغبات الأقاليم في إدارة واحدة أو دولة بسيطة واحدة وقد حقق الدستور الألماني رغبة الحكومات المحلية في هذه الأقاليم فأعطاها شيئا من الاستقلال لتعمل بعدها ألمانيا على الأخذ بنظام ازدواج الهيئة التشريعية وأصبح البرلمان يتكون من مجلسين هما مجلس النواب Le Bundestag يتم اختيار أعضائه عن طريق الشعب ويختص بإصدار القوانين ومناقشة سياسة الحكومة والميزانية العامة واختيار رئيس الدولة الفيدرالية، ومجلس الدولة Le Bundesrat ويمثل الأأقاليم الداخلة في الاتحاد والذي لا يقوم على المساواة التامة بين الولايات الداخلة في الاتحاد وإنما لكل ولاية عدد معين من المقاعد وفقاً للتعداد السكاني لها حسب المادة 51 من الدستور الألماني.

5- في الدول العربية

تبنت بعض الدول العربية نظام المجلس الثاني في حين استغنت عنه بعض الدول مثل تونس ومصر بعد أن تبينت لها مساوئ هذا النظام واستمرت بعض الدول بالابقاء على نظام المجلسين فيها مثل الأردن لاعتبارات ترجع للنظام السياسي المعتمد بها وهو النظام الملكي بالاضافة إلى الجزائر وكذلك المغرب التي اطلقت عليه اسم (مجلس المستشارين)، ويعتمد في تشكيل ثلاثة أخماس أعضائه على تمثيل الجماعات الترابية بما يتناسب مع عدد السكان بها وفق نص المادة (63) من الدستور المغربي 2011م.

نظام المجلسين في ضوء مخرجات الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور:

قبل التعرض للنظام الذي اعتمدته الهيئة التأسيسية في مخرجاتها العديدة التي صدرت عنها يتعين الإشارة أولاً إلى أن الدستور الليبي السابق الصادر سنة 1951 والمعدل سنة 1963 كان قد تبنى نظام المجلسين حيث نصت المادة 93 على أن مجلس الامة يتكون من مجلسين: مجلس الشيوخ ومجلس النواب ونصت المادة (94) على أنه (يؤلف مجلس الشيوخ من أربعة وعشرين عضواً يعينهم الملك).

وهو ذات الأمر الذي عملت مخرجات الهيئة على تبينه من حيث اعتماد الإزدواجية التشريعية والأخذ بنظام المجلسين، غير أن الملاحظ بأن مخرج الهيئة الأخير - المطعون فيه حالياً امام القضاء والذي صدر حكم قضائي بالشق المستعجل بعدم دستوريته لمخالفته النصاب المحدد بالاعلان الدستوري - نص في المادة(85) على أن المجلس الثاني والذي اطلق عليه اسم "مجلس الشيوخ" يتألف من عدد 72 عضواً ينتخبون بالاقتراع الحر المباشر ويكون توزيع المقاعد به وفق أسس التمثيل في قانون انتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور ويراعى التوزيع الجغرافي داخل كل منطقة انتخابية " التساوي في التمثيل بين الأقاليم الثلاث"!! وهو ما يخالف تماماً ما كان عليه العمل في الدستور الليبي السابق الذي اعتمد نظام التعيين دون اشتراط التساوي في التمثيل بين الأقاليم الثلاث أو الوحدات الإدارية بالدولة.

ويلاحظ على هذا النص الضعف والقصور من حيث الصياغة حيث أحال في تحديد تشكيل المجلس على ما هو معمول به في تشكيل الهيئة التأسيسية ومن غير الواضح تحديد السبب والدافع وراء تبني التشكيل وفقاً لما هو معتمد في الهيئة، وكيف يمكن الاعتداد في تشكيل مجلس على أساس لجنة انتخبت لفترة معينة لأداء عمل محدد في صياغة نص دستوري دائم!! وإن كان السبب الراجح وراء اختيار هذه الصيغة هو عدم استثارة أو استفزاز المشاعر الشعبية عند ذكر الأقاليم على اعتبار أن تشكيل هيئة صياغة الدستور تم على أساس الأقاليم التاريخية الثلاثة برقة وطرابلس وفزان المنشأة بدستور 1951 بواقع 20 عضوا عن كل اقليم والتي استعاض عنها النص (85) في مُخرج الهيئة "غير الدستوري" بمصطلح (المناطق الانتخابية) الأمر الذي يطرح التساؤل التالي: اذا كان مصطلح التمثيل وفق الأقاليم الثلاثة أمراً مستفزاً ومستهجن شعبيا فلماذا لجأت الهيئة إلى اعتماده بل والخداع عند صياغته واستعمال ذات أسس التمثيل في الهيئة التأسيسية التي قامت على أساس المساواة بين الأقاليم الثلاثة على الرغم من العيوب الظاهرة لهذا التشكيل؟!.

أما من حيث المضمون فيمكن القول بأن التمثيل في مجلس الشيوخ وفقا لنص المادة (85) من مخرج الهيئة التأسيسية يتصادم مع ما هو معمول به في التجارب الدستورية المقارنة والمعايير الدولية للانتخابات، فمخرج الهيئة بداية كان قد اعتمد في تقسيم الوحدات المحلية على "نظام المحافظات" وفق الباب السادس من المخرج وبناء عليه كان يتوجب على التمثيل في مجلس الشيوخ أن يتماشى مع هذا التقسيم المعتمد في الحكم المحلي ويكون التمثيل إما "بحسب التساوي في التمثيل بين المحافظات" كما هو الأمر في التجربة الدستورية الأمريكية بأن يكون لكل محافظة عدد معين من الممثلين مهما كان عدد سكان المحافظة أو أن يكون التمثيل على أساس "المعيار السكاني للمحافظات" كما هو الأمر في ألمانيا التي تأخذ بالتمثيل حسب عدد السكان وهو ما نؤيده في حالة تبني نظام المجلسين، مع الأخذ بالاعتبار أن أمريكا وألمانيا دولتان فيدراليتان وأن مخرج الهيئة لم يعتمد النظام الفيدرالي للدولة الليبية.

 إلا أن الهيئة التأسيسية تبنت خيار التقسيم الإقليمي الثلاثي والتمثيل بالتساوي بين الأقاليم الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان) بواقع 24 عضوا عن كل إقليم مع أنها لم تشر إلى هذا التقسيم الإقليمي إلا فيما يتعلق بتشكيل مجلس الشيوخ وهو ما يشكل ازدواجية غريبة في تقسيم الدولة فهي من جهة تتبنى "نظام المحافظات" من حيث التقسيم الإداري ومن جهة أخرى تعتمد "نظام الأقاليم" فقط بالنسبة للتمثيل في مجلس الشيوخ في مسلك غريب وفريد من نوعه ينذر أن نرى له مثيل في باقي الدول التي تعتمد تقسيما ادارياً في دساتيرها خاصة فيما يتعلق بتحديد مسألة التمثيل في السلطة التشريعية حتى وإن تعددت مستويات الحكم المحلي كما هو الحال في ايطاليا التي تتكون من بلديات ومحافظات ومدن حضرية وأقاليم (م 114 من الدستور الايطالي) وتقسم التمثيل الانتخابي للسلطة التشريعية على أساس الأقاليم حيث ينتخب مجلس الشيوخ على أساس اقليمي وفق المادة (57) بما يتناسب مع عدد سكان الإقليم إلا أنها تعتمد أساساً واحداً في مستويات الحكم المحلي وكذلك في كيفية اختيار أعضاء السلطة التشريعية على مستوى الدوائر الانتخابية وهو ما يطرح تساؤلاً مهماً حول الدافع وراء هذا التقسيم الغريب الذي اعتمدته الهيئة ومدى تماشيه مع المعايير الدولية لتقسيم الدوائر الانتخابية والانتخابات بشكل عام؟.

يبدو من الواضح أن الهيئة قد لجأت إلى هذا التقسيم بناء على تحالفات إقليمية واضحة داخل الهيئة من مصلحتها تكريس هذا النموذج في نصوص الدستور وربما لتحقيق مكاسب لإقليمي "برقة وفزان" على حساب "إقليم طرابلس" باعتباره الإقليم الأكبر تعداداً من حيث السكان وهو الأمر الذي يتبين من خلال سياق العملية الدستورية التي قاطعها عدد كبير من أعضاء المنطقة الغربية داخل الهيئة وهو مسعى يهدف الى محاولة ترويض العملية السياسية والتشريعية في ليبيا مستقبلا لمصلحة إقليمين بعينهما بحيث يتم اسقاط اصوات معينة "لإقليم طرابلس" أو الحد منها وهو بلا شك أمر يتعارض مع معايير الامم المتحدة في هذا الشأن.

فالاقتراع العام بطبيعة الحال يقوم على عدة عناصر منها عنصر النزاهة وعنصر آخر يتمثل في مفهوم الاقتراع العام المتساوي وهذه الفكرة هي المعرب عنها تقليديا كمفهوم "لكل شخص صوت" وإجراءات تحديد الدوائر أو التسجيل أو الإقتراع التي ترمي إلى الإنتقاص من أصوات أفراد معينين أو مجموعات أو مناطق جغرافية أمر غير مقبول في ضوء القاعدة الدولية القاضية "بالمساواة في الإقتراع" وباختصار فإنه يجب أن يكون لكل صوت وزن متساوٍ قصد استيفاء عنصر النزاهة (أنظر معايير الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالانتخابات).

حيث ينص مشروع المبادئ العامة الصادر عن الأمم المتحدة لعام 1962م بشأن الحرية وعدم التمييز في مسألة الحقوق السياسية صراحة على أنه يجب أن يكون لكل صوت من الاصوات نفس الوزن وأن تقام الدوائر الانتخابية على أسس منصفة لتأمين أن تعكس النتائج بدقة عالية وعلى وجه شامل إرادة جميع الناخبين.

وبالنظر إلى ما تم اعتماده في مخرج الهيئة الأخير يتبين بجلاء أن القصد من هذا التقسيم المتساوي للأعضاء بين الأقاليم الثلاث هو إسقاط أصوات معينة بمنطقة جغرافية محددة "اقليم طرابلس" وإسقاط وزن الأصوات بها بحيث لا تتساوى مع وزن الأصوات في الأقاليم الأخرى فعلى سبيل المثال ستكون النتيجة الطبيعية لهذا التقسيم أن يكون لوزن الصوت في (إقليم فزان) الذي يشكل 7٪ من السكان قوة تعادل 10 أصوات (لإقليم طرابلس) الذي يشكل 63٪ من السكان وهو ما لا يمكن القبول به بأي حال من الأحوال في السياق الدستوري لأنه يكرس لمفهوم جديد للديمقراطية يقضي بحكم الأقلية على حساب الأغلبية وقد يزداد الأمر خطورة بعد هذا العوار الدستوري عند النظر في صلاحيات واختصاصات مجلس الشيوخ الواسعة وفق النصوص المطروحة في مخرج الهيئة الأخيروهي اختصاصات عديدة ومتفرقة داخل ثنايا مخرج الهيئة فمع نص المادة (60) التي تعطي مجلس الشيوخ الحق في اعتماد مشاريع القوانين المحالة من مجلس النواب وعدم سريانها إلا بموافقته وهو قوانين (النظام المالي للدولة، الحكم المحلي، الجنسية والهجرة، الانتخابات، الثروات الطبيعية والبيئة، التعديلات الدستورية) وكذلك فيما يتعلق ببعض الوظائف التي تجب موافقته عليها (أعضاء المحكمة الدستورية، رؤساء واعضاء الهيئات الدستورية المستقلة، محافظ مصرف ليبيا المركزي ونائبه) وفق نص المادة (91) من المخرج غير الدستوري المقدم من الهيئة، وتوجد اختصاصات اخرى تدخل ضمن صلاحيات مجلس الشيوخ حيث تنص المادة (103) على جملة من الاختصاصات التي تعقد لمجلس الشورى الذي يتكون من مجلسي النواب والشيوخ وتتعلق بالموافقة على إعلان حالة الحرب وإنهائها وإقرار حالة الطوارئ والأحكام العرفية والموافقة على ارسال قوة عسكرية خارج حدود الدولة، كما يكون من اختصاص مجلس الشيوخ إتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى في حالة الخرق الجسيم للدستور أو ارتكاب جناية عمدية (م 122) وكذلك مراجعة العقود والاتفاقيات المتعلقة بالثروات الطبيعية (م185) كما يتولى مجلس الشورى الذي يكون مجلس الشيوخ جزءاً منه المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بأغلبية إعضائه وفقاً للمادة (102) من مخرج الهيئة الأخير كما أعطى مجلس الشيوخ وفق المادة (83) حصانة كاملة من حق النقض الممنوح لرئيس الجمهورية الذي يجوز له الاعتراض على القوانين التي تدخل في اختصاص مجلس النواب في حين لا يحق له الاعتراض أو رد أي قانون يدخل في اختصاص مجلس الشيوخ علاوة على اختصاص رئيس الجمهورية وفق المادة (120) إصدار مراسيم بقانون في حالة عدم انعقاد مجلس النواب أو الشيوخ شريطة أن لا تكون من المسائل المتعلقة باختصاص مجلس الشيوخ!!

وبناء على كل ما تقدم فإن هذه الاختصاصات شبه المطلقة لمجلس الشيوخ التي تتيح له التحكم في مسار العملية السياسية والمالية والاقتصادية والمحلية والإنتخابية وفق مبدأ الإقليمية في ليبيا علاوة على التشكيل المعيب الذي ساوى بين الإقاليم الثلاث دون مراعاة الفوارق الصارخة في عدد السكان بها، يجعل من مقترح الهيئة الاخير فاقداً للأسس والمعايير السليمة التي تتطلبها عملية صناعة الدساتير المعمول بها في الدول الحديثة وبشكل يخالف كافة المعايير الدولية المعتمدة والتجارب الدستورية للدول الناجحة في العالم وفقاً لما تم تناوله في هذا التقرير.

حراك المواطنة حقي لن أتنازل عنه

عادل | 08/09/2016 على الساعة 11:44
رؤية بعين واحدة
هذا الكلام فيه خداع كبير ورؤية بعين واحدة فليبيا واسعة المساحة وفيها خلل في التوزيع السكانى ولذلك لا يمكن القيام فقط على السكان يجب ضمان تمثيل جغرافي متوازن واعتقد ان حل المشروع الدستوري حل ذكي جدا لانه يتفادى النظام الفيدرالي وفي نفس الوقت يحافظ على التوازن الجغرافي . انه حل ذكي ولم اتوقع ان تتوصل له الهيئة وهذا يدل على مهارات لم يدركها المقاطعون. كيف يمكن الحصول على توازن جغرافي دون الاخذ بالنظام الفيدرالي؟ هذا ما كنت افكر فيه كمتخصص اقوم بتدريس النظم السياسية ؟ لكن وجدت الاجابة عليه في مشروع الدستور. كما اننى الاحظ تحيز كاتب المقال لحيز جغرافي محدد يريد ان يستعمل مصطلحات ليضمن له السيطرة على بقية انحاء البلاد الجغرافية. ليبيا منطقة شاسعة وكانمت فيدرالية ويجب ايجاد التوازن الجغرافي فيها وهذا ما يحققه مشروع الدستور. عليكم بالحياد وعدم التحيز فلن يرضى لا اهل فزان ولا اهل برقة بسيطرة رقعة جغرافية محددة ضيقة لان فيها تكتل سكانى كبير وفيها اكبر القبائل على ليبيا بالكامل. انتبهوا لما تقولون انكم بعنادكم قد تدفعون الي التقسيم
مواطن والمواطنة حقي | 07/09/2016 على الساعة 00:53
تقرير محكم ودقيق
شكرا على المقال العلمي المفصل ولن يقتنعوا اولءك الجهوين الذين تهمهم مصالح قبلية وجهوية بحتة ولا تهمهم ليبيا كوطن وأم لجميع الليبيين سواسية لافرق بين مواطن واخر ولا عرباوي ولا برقاوي ولا فزانس جميعنا ليبيون اخوة ف وطن واحد حٌ,قوقنا واحدة وواجباتنا كذلك و تحياتي لكم حراك المواطنة اثبتم ان لدينا ناس واعية وفاهمة تشتعغل من اجل حقوق المواطن
ليبي | 06/09/2016 على الساعة 20:48
كلام عير مقنع
كلامك عير مفنع ..اعتقد ان نظام المجلسان النواب والشيوخ هو من افضل الحلول وانسبها وذلك لمنع احنكار السلطة والاغلبية والمركزية وتهميش الاقليات وخاصة ان ليبيا تمر الان بمرحلة الصراعات الجهوية والنجاذبات السياسية والعنف والصراع على النفط والمؤسسات السيادية كالمصرف والدفاع والخارجية زد على ذلك ان الليبيون لايثقون في بعضهم البعض ..وان من بطالب بالمجلس الواحد هو لغرض في نفسه و يهدف الى البجث عن السيطرة والمركزية وتركيز السلطة والثروة والسلاح في يد الاقلية بالعاصمة
فائزة بن سعود | 06/09/2016 على الساعة 17:26
جغرافيا الفراغ
هناك مشكلة ليبية عميقة جدا لا يلتفت حراك المواطنة حقي اليها.... وهي انه في ليبيا لا توجد هوية وطنية واحدة ..... كما هو الحال في مصر او تونس مثلا.... ليبيا تعاني رغبات الفيدرالية والانفصال منذ نشاتها ,وليس الان.... واهم اسباب هشاشة الكيان الليبي هو ما اسماه الحسن الوزان: جغرافيا الفراغ..... حيث ان مركزي الثقل الديمغرافي والسياسي والثقافي (بنغازي وطرابلس) تبعدان بالف كيلو جغرافيا..... وتنافر تاريخي وردود افعال وعدم تكامل(عكس القاهرة والاسكندرية مثلا)..... لذلك عمل الاباء المؤسسون على ايجاد الحلول المتعددة لمشكلة نفور بنغازي من التبعية للمركز..... الفيدرالية كانت وربما ستكون حلا...والمجلسان التشريعيان ايضا.... وان كان تغيير مكان العاصمة الى بنغازي ولو مؤقتا الى حين بناء عاصمة جديدة وسط البلاد هو الحل الافضل لتجنب مخاطر الانقسام..... عدد سكان طرابلس تضاعف زمن القذافي والمفروض اعادة التموضع الديمغرافي لليبيين في المفازة الشاسعة المسماة ليبيا... الاخوة الطرابلسيون طرابلس افضل وارقى لو تخلت عن العاصمة..اسطنبول الاجمل بدون لقب العاصمة الذي حكمت به نصف الدنيا .
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل