أهم الأخبار

قصص من الواقع (1) تضاريس دموع تلميذ على كراس الرسم

د. محمد الصغير الهوني | 2016/09/02 على الساعة 15:16

انه دمع بلل الكراس وآخر يبلل المنديل كلاهما سال على الخدين الاول ظلماً والآخر ندماً... بمناسبة تنفيذ بعض الاعمال في المنزل التقيت مع شاب ليبي يعمل في مجال الاعمال الفنية، والحق يقال لقد كان مثلٌ في الالتزام من حيث دقة المواعيد والصدق والاتقان والابداع في العمل وتقديم الحلول والنصائح لما يقدمه، حتى وان كان ذلك يكلفه زيادة في الجهد، ولهذه الاسباب دار بيننا الحديث في ارتياح كل للآخر، وكنت دائماً اسئله لماذا فعلت هكذا او لماذا لم تكن هكذا وفي كل مرة ومن مبعث صدقه تكون اجاباته مقنعة وناجعة بل في بعض الاحيان تكون شافيه، ولا يفوته ان يطلعك على ما تبقى من مواد او اشياء يمكن ان تستفيد منها مستقبلاً وايضاً يحيطك علماً بما انكسر او تلُف اثناء العمل، وكان الحوار والحديث دائماً يدور بيننا، وقد اطلعني طواعية منه عن تجربته المتواضعة في الحياة، غير ان ما لفت انتباهي وشدني وحرك شجوني للكتابة، قصته تلك مع امتحان مادة الرسم، فقد يظن الكثير ان مادة الرسم من البساطة التي لا يمكن لاحد ان تحدث له مشكلة فيها او تحوم حوله دائرة الغش او شِباك الاتهام او ظنون الشك، فقد سرد عليا قصته المؤلمه والمليئة بالعبر والتي تستحق منا ومن المسؤولين على البرنامج التعليمي الوقوف عندها، فقد كان صديقي هذا متواضعاً من حيث المستوى في المواد الدراسية، الا مادة واحدة فقد كان مبدعٌ  فيها ويتحصل فيها دائماً على درجة عاليه، تكون في اغلب الاحيان الدرجة القصوى، والى ان كان ذلك اليوم وقد ظنه صديقي انه يوم الغنيمة ويوم فرحه الذي سيعبر فيه عن ابداعه وهو اليوم السهل لديه الذي تنفرج فيه اساريره عن باقي مواد الامتحان، ولكن المفاجئه لم تكن كما توقع وقد اتت الرياح بما لا يشتهي السَفن، فقد صار يوم نكد ودموع من الطرفين، اذ استعد تلميذ الاول الاعدادي لآداء امتحان مادة الرسم وقد وزعت عليهم اوراق الاجابه ثم تلتها ورقة الاسئلة لكل تلميذ، وقد كان السؤال المطروح للاجابة عليه، ان تقدم رسماً يعبر عن عاطفة الامومة وقد بدأ التلاميذ في الرسم وكل منهمك عبر خياله بين عناق الامهات ورضيع الخدج ومنهم من اوقعه خياله في ذكرى فقدان امه فقد كان الفصل يعج بالعواطف والذكريات واحياناً بعض الآهات وكل ذلك في صمت فلا احد يفكر في استراق الاجابة ولا السؤال ولك ان ترسم بما تريد من الالوان وان شئت تقديم ابداعك باللون الابيض والاسود عن طريق التظليل، استعد صديقنا وقد تأهب واستراح من توهِ السؤال وما الذي سيكون في الامتحان وهو تلميذ غضٌ بض فلا حاجة له بمحفزات الابداع لدى الكبار، فلا شاي يعوز ولا جنزبيل ولا قهوه كل ما يحتاجه كان لديه وبحوزته، ورقة الرسم وقلم الرصاص والتألق والابداع فقد كانا ماثيلين في حضرته، فكر وامعن النظر والتأمل فيما سوف يقدم فهي مادته المحببه وفرصته في التفوق على اقرانه، جاءت الفكرة وحضر قرصان الرسم، ان في بيتهم حائطية معلقة، تتوسطها فرس يافعة ترضع فلوها المتودد اليها وهي حانية عليه تشم رائحته تؤوم عليه بعطفها وحنانها وهي مزهوّة به تكاد تلتهمه من شوقها وخوفها عليه، انها هي الفكرة والرسمة المعنية والمطلوبة في الامتحان، انه الظفر والتفوق والنجاح، وقد استرسل تلميذنا المؤدب الوادع النجيب في يومه هذا، وهو يرسم لوحته من خياله، وماكان خياله، انه ينسخها من ذاكرته، فقد كان في بيتهم دائم التطلع الى تلك اللوحة يمعن النظر اليها يحدق فيها حتى حفظها عن ظهر قلب وباطن، وما ان كانت اللمسات الاخيرة وهويزيد من التظليل قليلاً هنا وقليلاً هناك، يميل رأسه ميلة الفنان، يبعده ليرى الصورة من علٍ ثم يعيد وضع لمساته، عندها كانت المفاجئة فقد دخلت الابلة الكبرى بنظراتها الحادة وهي تملؤ المكان عويلاً اوامر وصيحات انها كما كنا نسميها قديماً " الكنترول" وقد مرّت بين صفوف التلاميذ الذين انتابهم الخوف والذعر والهلع والى ان وصلت عند صديقنا وقد انهى رائعته الجميلة وهي تحدق في الناظرين اليها، انها آية من الرسم والتظليل والابداع وقد وقعت عينا الكنترول عليها وهي تصرخ "مش قنّا معاش حد ايجيب رسمات واتيات من الحوووش" وهي تتناولها وتقطعها ارباً، يا لهول ما وقع على هذا الصبي من الظلم وكيف له ان ينطق امام هذا الجبروت الطاغي ومن الذي سيهدّي ثم يكلّم ثم يُسمع ثم يُفهم تلكم هكذا بركان، صُعق التلميذ وأُذهل فقد كان يتوقع عبارة من الاطراء او حتى صمت عابر غير آبه، ليس له من امره شيئاً وما كان بمقدوره، الا لغة واحدة لها حرف واحد انه حرف الهاء ومداد ليس له لون، يعرف طعمه الصادقون، له دفء خاص ليس بالملح لكنه للذين لا يعرفونه من قسوة القلوب نقول لهم انه مالح، تأوه تلميذنا وانتحب في شهيق وبكاء بالغ،  وانحفرت في وجدانه تلكم الذكرى المؤلمه التي ظل يرويها حتى وصلت الى القارئ الكريم، لقد كان بكائه مؤلماً معبراً عن موجعته، بينما يظن الكنترول انه قبض على المجرم متلبساً وانه ضبط حالة من حالات الغش التي تعج بها المدارس... لمثل هكذا مصائب جُعلت لجان الامتحان والتفتيش انه يبكي من هول الفضيحة امام زملائه انه يغش في مادة الرسم . استاذ؟٣؟ حرروا محضر ضبط حالة غش دبسوا هذه الاوراق الممزقه مع ورقة الاسئلة مكتوب عليها اسم الطالب ورقم جلوسه وساعة وتاريخ الامتحان واسماء المراقبين واسم المدرسة ولجنة الامتحان، شمعوها بالاحمر، عند الاحصاء وثّقوا عدد الممتحنين ناقص واحد، تُبلغ غرفة عمليات الامتحانات بالوزارة، هكذا يجب ان تسير العملية الامتحانية" فاتحين افامكم" الكنترول يوبخ المراقبين تابعيه، علناً جهاراً امام الطلاب، ! تلميذنا منكباً على منضدته ملتصقاً على كرسيّه، لقد استنزف ماء جسمه النحيل بكاءً وما عاد في حلقه ريق ولا في خياله ابداع... بشر ليس للفن مكان عندهم، يظنون ان كل من حولهم كاذب، لانهم كذلك، يفترضون الاساءة ويفترشون الخنس ويستظلون ان غيرهم سيباغتهم "يخالج نفسه"، في حوار غير متوازن استجمع التلميذ قواه وقال، ابله انا الذي رسمتها، بين الآهات والنبرات، هنا في الامتحان... احضروا ورقة رسم، دعوه يرسم دعوه يبدع، الى فم الدار، تلكم آخر تعليمات الرئيس الكنترول، ناولت احدى المراقبات التي طالها ايضاً التوبيخ وخوفاً من المسؤولية، ناولت التلميذ الورقة واخرى رحمة منها ناولته كأساً من ماء، تحلق الجميع من حوله، وهو يرتجف والدمع يتساقط  منهمراً فوق كراس الامتحان الجديد، يرسم قبله تضاريس الواقعة، بدأ صديقنا يخط فوق القرطاس رسمة الفرس، رسم الظهر والذيل وهو يهم برسم العنق كانت الكنترول تمسك بفاها تحدق بعينيها تنكمش تغالب شهيقها وزفيرها الغدد بدأت تفوح، وصل الرسم الى الفلو الصغير وهو يلتقم حلمة ثدي امه، انتقل القلم الى عين الفرس... الفرس يحدق في الكنترول يسأل لماذا هذا الظلم، يعيد السؤال على الحاضرين... الساكت على الظلم شيطان اخرس، الطفل ينتحب تعالى صوت شهيق زفير الكنترول ما عادت تحتمل، اجهشت بالبكاء العنيف، لقد فجر رسم التلميذ كوامن نفس الكنترول، انها ظالمه ظلمت هذا التلميذ الصادق دونما تريث وافترضت فيه الغش والخبث والدهاء وتجرأت على من حولها دون عناء السؤال، غير ان الطفل والرسم والبكاء كشفوا عن سر بعض الخبث والدهاء لدى البعض علّهم من النساء، ان الكنترول كانت ايضاً مظلومة انها تفتقد الى عاطفة الامومة وفي شوق الى الطفولة، نكأت مدرسة الرسم جرح المديرة فكان المشهد، الطفل يبكي مظلوماً وهي تبكي ندماً على ما فعلت، تلكم هي صورة مصغرة من البوم الذكريات، لما يحدث في مؤسساتنا التعليمية، بل درس من حياة واقعنا المعاش، يتضمن الحكم على الاشياء قبل التروي، هذا وليس الا، فهل بالعقل يمكن ان نتعظ.

د. محمد الصغير الهوني

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل