أهم الأخبار

صندوق "أم البنين" الليبي

الصديق بودوارة | 2016/08/28 على الساعة 07:28

يوماً ما، سنشعر بالحرج، وربما سنعلن حالة القوة القاهرة للحرج المطلق، وسنجد أنفسنا شرقاً وغرباً وجنوباً مضطرين إلى الجلوس على طاولة حوارٍ حقيقية، لا يديرها مبعوث أممي بقدر ما يفرضها منطق الوجود ذاته.
يوماً ما، سوف نسأم من الجري كالمجانين في محاور قتال حربنا الأهلية، وسوف ينفذ مداد البيانات العاجلة وتخفت أصوات الصراخ الزاعق، ويصبح الرصاص كابوساً يثقب فروات رؤوسنا بلا رحمة، ويصل العالم من حولنا إلى درجة الملل من مجرد عبورنا خبراً باهتاً على نشرات أخباره.
يوماً ما، سنفاجأ بأن المجتمع الدولي صار يعتبرنا نوعاً من الصراصير المنقرضة منذ ألف عام، تسربت بدون سابق انذار من بالوعة مجاري نسيها التاريخ، وأن الأمم المتحدة صارت تفكر في أن تمنح مقعد ليبيا الشاغر لنوعٍ مثابر من الحشرات لم يكتشفه العلماء بعد.
يوماً ما، سيقبل ذلك اليوم، وعندها سوف نشعر برغبة حقيقية في إنهاء كل هذه المهزلة السخيفة، وعندها، سوف نجد أنفسنا مضطرين لتوجيه شكر عميق للسيد "ليون"، ومن بعده "كوبلر"، ولتوديعهما على باب طائرتهما الخاصة، ثم التوجه بكل هدوء إلى أول صالة مناسبات متواضعة لنجلس معاً، بدون شروط مسبقة، ودون مطالب متبجحة، لنصل إلى حل يرضى به الجميع، ويتنازل من أجله الجميع، لكننا لن نصل إلى هذا الحل دون أن نصحب معناً إلى طاولة الحوار ذلك الحل السحري الذي وجده "الوليد بن عبد الملك" منذ 1307عاماً من الآن، أن نصحب معنا "صندوق أم البنين "، فهل أروي لكم الآن شيئاً عن صندوق "أم البنين" و "وضاح اليمن" و"الوليد بن عبد الملك"؟
"وضاح اليمن"، عبد الرحمن أبو اسماعيل الخولاني، كما تقول بيانات بطاقته الشخصية في العصر الأموي، أيام كان حاكمه وطاغيته وولي أمره هو "الوليد بن عبد الملك"، وما أدراك من هو "الوليد بن عبد الملك".
وخولان حي من صنعاء لازال ذكره قائماً إلى اليوم، وإن غاب وسط ركام القات وغبار معارك الحوثيين وأوهام علي عبدالله صالح بالعودة من جديد.
لكن "وضاح اليمن" لم يكن مجرد رجل من اليمن، لقد كان الفتى وسيماً كآلهة الأساطير، إلى حد أنه كان مضطراً لتغطية وجهه بقناع من قماش كما يبدو اللثام، ولا أدري مصدر هذه الوسامة فأنا لا أرى هذه الصفة سائدة هناك، أم أن وكالات الأنباء ونشرات الأخبار لا تنقل سوى البشاعة كما اعتدنا مؤخراً.
"وضاح اليمن" كان وسيماً كآلهة الأساطير، ولأنه كان كذلك فقد أبى إلا عشقاً اسطورياً يليق بوسامته الخارجة عن مألوف الاعتياد، لقد عشق الفتى " أم البنين"، وما أدراك من هي "أم البنين".
إنها "حبابة بنت عبد العزيز بن مروان"، سليلة البيت الأموي العتيد، وقد تزوجها خليفة المسلمين بعد ذلك لتصبح "السيدة الأولى" حسب المتعارف عليه في عصرنا هذا.
أحياناً يصبح من سوء التدبير أن تمد أصابعك إلى ذيول العقارب المتأهبة، لكن "وضاح اليمن" فعل ذلك، فما كان من السم إلا أن فعل فعله، فهل نلوم السم هنا أم نلوم سوء التدبير؟
في قصة "وضاح اليمن" ثمة عبرة مدسوسة، عظة خبأها التاريخ في صندوق امرأة منذ ألف وثلاثمئة وسبع سنوات من الآن، غير أن هذه الأمة ليست مهتمة في الغالب بالتنقيب عن صناديق النساء الفاتنات.
في قصة "وضاح اليمن"، وصندوق "أم البنين"، معنى لم يأت به صندوق انتخاب، ولم يفسره سياسي أو محلل استراتيجي، مهما تفنن الساسة في تغطية وجوههم بالأقنعة، ليس لحجب وسامتهم كما كان يفعل وضاح اليمن، بل لإخفاء قبحهم كما نراهم يفعلون الآن.
"وضاح اليمن" يقع في المحظور، ويتورط في علاقة غرامية مع زوجة الخليفة شخصياً، بل ويتمادى في علاقته إلى حد اقتحام مخدعها بالتراضي، وزيارتها هناك في غياب زوجها المشغول بهموم الحكم.
أحياناً، حتى رأس الدولة لا يستطيع منع رجل مقنع من إغواء زوجته، فلا شيء يمكن أن يمنع المرأة من التمادي سوى ما بداخل رأسها فقط.
يتمادى الشاعر العاشق، زيارة، ثم غيرها، ثم العديد منها، ومع تكرار الزيارات تتعاظم متعة اللقاء، وإذا تعاظمت المتعة تضاءل العقل، وإذا تضاءل العقل فقد ساء التدبير، وإذا ساء التدبير، فإن ذيول العقارب تكون دائماً قد استعدت بالسم.
تمادى العاشق في زياراته، وفي آخرها وقع المحظور، لقد فاجأ الخليفة زوجته بزيارة، ربما كان جهاز مخابراته قد استفاق فجأة، وربما كانت وشاية عابرة من جاريةٍ غيورة، وربما كان رأي سوء من عبد مخصي يشعر بالقهر، وربما هذا كله معاً، لكن الذي سجله التاريخ أن الخليفة فاجأ زوجته بزيارة على حين غفلة، بينما كانت بين ذراعي عشيقها الشاعر، فاضطرت على عجلٍ إلى أن تخبئه داخل صندوق ثيابها الخاص، وأن تغلق الصندوق، ثم تجلس عليه لتتصنع دور الأنثى المدللة التي أسعدتها زيارة رب البيت بعد طول غياب.
لكن "عبد الملك بن مروان" ليس مبتدئاً، فالرجل داهية محنك، وإذا كان صندوق ثياب زوجته قد أصبح موضع شك بالنسبة له، فصندوق عقله العامر لم يخل من التدبير والحكمة، وفي أقل من لحظة حسب حسابه، وحلل موقفه، فكان أن استقر على رأي في غاية الدهشة والقسوة معاً.
لو أنه أرغى وأزبد، وهاج وماج، وأمر عبيده وحرسه بالقبض على العشيق المختلس لأصبحت الفضيحة مدوية، وربما لم يكن في الصندوق شيء فكانت خيبة الأمل ضربة قاصمة له بين خصومه السياسيين، إن الفارق هنا يوضح لنا المسافة بين من يأتي به صندوق انتخاب، وبين من يجلسه على السلطة صندوق حكمة.
لقد قرر "عبد الملك بن مروان" أن يستر الفضيحة بالصمت، وأن يدفن الأمر برمته في رحم التراب، فإذا كانت الوشاية صحيحة فالتراب، وإذا كانت كاذبة فهو التراب أيضاً . فماذا فعل الخليفة في تلك اللحظة؟
لقد طلب من زوجته أن تهبه صندوق ثيابها الذي تجلس عليه، فهو فاخر ومذهب وثمين، وهو يريده لأنه يعشق الفاخر والمذهب والثمين.
طبعاً، لم يكن باستطاعة الزوجة أن ترد طلباً لخليفة المسلمين، فوافقت والحيرة تستبد بها، وفي أقل من اللحظة، كان الخدم ينقلون الصندوق المغلق بما فيه ويحفرون له حسب طلب الخليفة حفرةً في باطن الأرض يوارونه فيها إلى الأبد، وسط نظرات الزوجة وذهولها، وتحت سمع وبصر الزوج الذي لم يأت به صندوق انتخاب.
دفن "الوليد بن عبد الملك" سره في التراب، صندوق "أم البنين" لازال إلى اليوم حبيساً في باطن الأرض، وبه ما به من سر، فلا "وضاح اليمن" سيبوح بشيء، ولا "أم البنين" ستعترف في نهاية المطاف، ولا الصندوق الكتوم سيفشي سره لأحد.
هكذا هي الحكمة يا افرازات صندوق الانتخاب الرديئة، فلو أنكم تقرأون التاريخ فقط.
لا أحد يقرأ التاريخ، ولا أحد يغطي وجهه الآن بقناع، ولا أحد يستشعر اليوم حرجاً من قبح أفعاله ووجهه معاً، الكل صار فخوراً بالبشاعة، متمادياً فيها، لكننا سنحتاج إلى صندوق أم البنين حتماً  إذا ما قررنا أن نجلس على طاولة حوار حقيقية ذات يوم.
إنه الحل السحري لأزمتنا هذه أيها السادة، فلا مناص من الاعتراف الآن بأننا تورطنا جميعاً في الخطأ، وأننا ارتكبنا الموبقات شرقاً وغرباً، وأننا أخطأنا الهدف في كل مرة، وأننا أضعنا بوصلة الاتجاه الصحيح، وأننا أعدنا انتاج مفردات كل الأنظمة البشعة التي مرت على بلادنا منذ أيام التحنو والمشواش إلى هذه اللحظة.
لا مفر من الاعتراف بأننا أحرقنا الوطن بأفعالنا، وأن لا أحد منا بريء من أفعاله، وأن الحل الوحيد الآن هو أن ندفن كل هذا القبح في صندوق محكم، وأن ندفنه في باطن الأرض وأن نبدأ من جديد.
أليس رائعاً أن نقرأ التاريخ من آنٍ لآخر؟ وأليست رائعة حكمة الصناديق أحياناً؟
الصديق بودوارة

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
جمال | 01/09/2016 على الساعة 15:22
تحتاج إلى براعة لكي تتكلم وإلى براعة أكثر لكي تصغي
احسنت يأخي الصديق على هذه القصة الرائعة وما تعنيه من معاني ولكن اخي كما يقال لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي .
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل