أهم الأخبار

الأيديولوجياً... شقاء الإنسان

علي المقرحي | 2016/08/26 على الساعة 17:13

{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)} [البقرة]... {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)} [الأعراف]
في وقت كانت اللغة فيه لمّا تزل بَكراً، والكلمات عذارى  كفى أوديب، وهو يواجه أُحجية أبا الهول أن ينطق بكلمة ((الإنسان)) ليخر الوحش على وجهه هالكاً... وأن يقرر هيراقليطس أنه (من المضجر اأن يظل الإنسان يكابد نفس الأشياء كي يصير محكوماً)، بما في هذا القول من تنبيه للإنسان، وتذكير له بأنه لم يخلق ليكون عبداً للأشياء بل للتسيد عليها، وأنه لايحتاج إلى يخضع لها لتحده أو تحدد له معاني وقيم وجوده، بل هو بالأحرى المخول بأن يحدد لها أبعاد وجودها وأن يمنحها معانيها ويضفي غليها قيمها. وذلك ما أكده رأس التنوير اليوناني، فقد أعلن بروتاغوراس أن (الإنسان مقياس الأشياء جميعاً، مقياس الأشياء الكائنة بما هي كائنة، ومقياس الأشياء غير الكائنة بما هي غير كائنة).
ولكن كان لابد لهذه الأفكار التي تؤكد على تميز الإنسان عن غيره من الكائنات وعلى حريته ومسؤوليته الوجودية، أن تنتظر مجئ سقراط التلميذ النجيب للتنويريين الأُوٓل، وفي جعبته مفتاح الباب المفضي إلى عوالم الحرية والمسؤولية، والذي حملته دعوته الخالدة (أيها الإنسان أعرف نفسك)، ليدفع الفكر الإنساني خطوة متقدمة، وليضيف لمداميكه لبنة معرفة الذات، التي غدت مذذاك حجر الزاوية في بنيان الثقافة الإنسانية.
حدث ذلك في رحم اليونان التي نبتت فيها الثقافة الأوروبية وتكونت لتكتسب ملامحها الإنسانية، ولتعلن ذاتها عبر صرخة الميلاد التي أطلقها أوديب وأردى بها وحش طيبة، والتي ظلت تتردد على ألسنة الفلاسفة والمفكرين والأدباء والفنانين والمبدعين، لتكون صدىَ لذاتها وامتداداً للنفس الأول لتلك الثقافة. ولتنساب من هنالك نهراً إبداعياً رائقاً، مواصلة عطاءاتها الفكرية (الفلسفية والعلمية) والأدبية والفنية والإجتماعية والسياسية مثرية الإنسانية في مختلف جوانب حياتها، ولكن، وكما لو أن هيراقليطس كان يستشرف مصير تلك الثقافة ومصير الإنسانية التي كانت ترتوي من معينها، عندما تحدث بلغته الغامضة عن فعل الصيرورة بالموجودات وأثرها عليها عندما قال مخاطباً الإنسان: (أنت لا تستطيع أن تنزل مرتين إلى النهر نفسه، لأن مياهاً جديدة تنساب فيه بإستمرار).
فقد إنسابت في ذلك النهر مياهٌ جديدة لم يعرفها مجراه من قبل، لكنها كانت مياهاً ملوثة وذات نكهة لا يستسيغها ذوق الإنسان، وتنفر منها الفطرة السليمة.. لعل ذلك حدث مع غزوة الإسكندر للشرق ومحاولات فيلون  توظيف الفلسفة اليونانية لخدمة اللاهوت اليهودي .. التقى نهر الثقافة الأوروبية بما عرف بالتراث اليهودي، ليتلوث بأدرانه ولتُدْهٓى تلك الثقافة المتقدمة بالنكوص إلى الأزمنة الأسطورية التي كانت قد خلفتها وراءها، والأدهي أن نكوصها لم يعد بها إلى تراثها الاسطوري الخاص الذي نبتت في تربته وتمكنت بفعل نسغه الساري في أوصالها من أن تتطور وتنمو وتحقق ما حققته من نضج، بل فُرض عليها تراث غريب جاءها مبتوراً ومشوهاً، فلم يكن فيما دعي بالتراث اليهودي من الرسالة الموسوية التي يُزعم أنه يحمل لواءها ويجسدها شئ سوى إسمها المنتحل منها، أما على حقيقته فقد كان خليطاً غير متجانس وخال من الإنسجام من الأساطير المنتحلة هي الأخرى من تراث شعوب الشرق الأوسط القديم التي سرقها كتبة التوراة من كهنة وأحبار اليهود الموتورون لتوافق ما سعوا إليه من تنفيس عن الغل الذي كان يضطرم في صدورهم إزاء الشعوب التي عاشوا بينها في شتاتهم، ولاستدرار شئ من الاتزان للذات اليهودية وتغليبها على انهزامها وتخنثها وذلها نتيجة ما لقيته من احتقار وإذلال تلك الشعوب لها، ومن قسوة عليها بلغت حد السبي الجماعي والاستعباد، مثلما كان الشأن في بابل ومصر. ذلك الهدف الذي دعا أولئك الكتبة إلى تبني الرؤية الذكورية الموبؤة بالقصور وضيق الأفق والصدر والى التماهي بها، والإصرار على تأكيدها وتبرير ميولها الشوفينية ونزوعاتها الاستحواذية التسلطية، ولتبرير ما اقترفوه من تحريف للنصوص التي حملتها ألواح موسى، إنتحلوا لها الصيغة الأقنومية التي كانت تسم الأديان الوثنية في العالم القديم، وادعوا لها قداسة كاذبة، لينتهوا بالتوحيد الذي بشر به موسى والأنبياء من قبله ودعوا إليه، إلى وثنية واضحة وصريحة جسدوها في أقانيم (رب الجنود - الشعب المختار - أرض الميعاد) ليزعموا من ثم أن الخالق تعالى رب لهم وحدهم دون غيرهم من الخلق، وأنهم تبعاً لذلك شعبه المختار وابنه الحبيب والمدلل، فيما لا يرتقي غيرهم من البشر إلى مستوى الانسان بل هم بمنزلة الحيوان، كما أدعوا أن فلسطين هي وطنهم القومي وبالإمعان  في المغالطة التاريخة والعقدية واصرار صفيق عليها زعموا أنها الأرض التي وعدهم الخالق بها لأنهم شعبه المختار.
بهذه الكيفية صاغ كهنة وأحبار اليهود الأيديولوجية التوراتية، لتجسد أنضج ثمار شجرة الزقوم ونبت التعصب والعنصرية، ولتكون البذرة التي تتفتق عن كل اشكال التعصب والعنصرية اللذين جاءا ويجيئان بعدها متدثرين بثياب جهوية أو إثنية أو ثقافية (أيديولوجية، وحتى فلسفية وعلمية).
فمنذ أسطورة الخلق في الإصحاح الثاني من سفر التكوين أول اسفار توراتهم، ودقهم إسفين التمييز العنصري في بيت الإنسان وفي ذاته، بزعمهم خلق الأم البشرية الأولى من ضلع زوجها وباختراعهم إسم حواء وإطلاقه عليها بهدف التمييز بينها وبين زوجها الذي احتفظوا له بالآدمية دونها وشرعنوا له الاستحواذ عليها واحتكارها، ولتبرير تحميلهم إياها تبعات وأوزار الأكل من الشجرة التي نهاهما الخالق (كليهما) عن الاقتراب منها، وهو  ما يعرف بالخطيئة الأولى، وحتى أسطورة برج بابل في الاصحاح الحادي عشر من نفس السفر اكتملت الصيغة الأسطورية لأيديولوجيا أحبار اليهود العنصرية وبدت ملامحها واضحة لا تخطئها القراءة المتمعنة، وغدت منذ برج بابل متناً لما يسمى بالكتاب المقدس بعهدية القديم والجديد، ومحوراًتدور في فلكه كل عنصرية وتعصب في ذلك الكتاب أو في خارجه، بحيث لا يتهدد خطرها من يصدقون بفحوى ذلك الكتاب ويؤمنون بما يقول وحدهم، بل يجاوزهم إلى البشر جميعاً.
فلتلك الأيديولوجياً بمرجعيتها المريضة  وإجادتها العزف على أوتار الميول والنزوعات الدنيئة في النفس البشرية  وبتمحورها حول (الأنا) اليهودية المتورمة إلى وهم (الشعب المختار) من القدرة على التلون والخداع والمغالطة ما يؤهلها لإفساد البشرية برمتها، ولعل أوضح مثال يمكن أن نستدل به هنا، ما أقترفه كهنة وأحبار اليهود في حق السيد المسيح عليه السلام وما أحدثوه من تحريف وتزوير في رسالته التي كانت ثورة ثقافية، عملت على تعرية تزويرهم للرسالة الموسوية وما نتج عنه من تشويه لها وحرف لها في منحىٓ وثني مناقض لحقيقتها، وهدفت إلى تحرير الذين غرر بهم أولئك الأحبار وخدعتهم تلك الأيديولوجيا وإعادتهم إلى سراط التوحيد الموسوي.
فبعدما رُفِع المسيح استحوذ بولص الذي كان فريسياً.. أي مجرد كاهن يهودي.. متعصباً، دأب على محاربة الدين الجديد واضطهاد أتباعه،  استحوذ بولص على رسالة عيسى ليدخلها في مرجل برج بابل ويخرجها منه في صيغة أقنومية جديدة قوامها (الآب - الإبن - الروح القدس) لتكون استئنافاً للأيديولوجيا التوراتية،  إن اختلفت عنها ظاهريا فلهدف توسيع مدى هيمنة تفكير الكهنة على غير اليهود، لكنها جوهريا ظلت استنساخاً حرفياً لروح تلك الايديولوجيا، وتأكيداً لاستحواذها على رسالة عيسى وتمكنها من إفسادها.
وبذات الآلية التي أفسد بها أحبار وكهنة اليهود رسالتي موسى وعيسى وحرفوا فكر وحياة أتباعهما عن سواء الفطرة، تحقق الأيديولوجيات التي تعُبُّ من مستنقع برج بابل الآسن (ودون استثناء) سواء علم أتباعها ومعتنقوها ذلك  أم لم يعلموا به،  للكهنة والاحبار المتخلفين هدف السيطرة على البشر بالتغرير بالجهلة والساذجين والقاصرين ومتدنّي  الوعي ودفعهم إلى الإنحراف عن سنن فطرتهم الإنسانية، من خلال عزفها على أوتار نزوعهم إلى التملك والاستحواذ والتسلط  وتضخيمها  في نفوسهم، إذ لا تجاوز تلك الأيديولوجيات جميعها كونها مواخير عقائدية، تفسد الفكر البشري، باغتصابها بكارة اللغة ومومستها، وتحويل كائناتها إلى سبايا في قصور الطغاة وبغايا في المدن الخالية من الفضيلة، لتصاب اللغة بالبكم فلا تعود قادرة على التعبير عن حقيقة الواقع والأفكار، ولا الكلمات تعي أو تعني ما تقول. ليقضى من بعد على الإنسان بأن يفقد كل ما منحه الله وميزه به عن بقية خلقه، بما في ذلك فكره ولغته، عقله وضميره وكل ما يصله بنفسه وبأخيه الإنسان. لينتهي به ذلك إلى أن يخر ساجداً عند حوافر عجول السامريين وبراثن آباء الهول.
علي المقرحي‎

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
جمعه الدويب | 26/08/2016 على الساعة 21:10
.
الكاهن في الكنيسة والفقيه في المسجد. الكل لدية فكر يعمل على تسويقة
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل