أهم الأخبار

عن الثورة... والثورة الثقافية

علي المقرحي | 2016/08/25 على الساعة 12:54

ليس بمقدور الانحيازات الأنانية (فردية كانت أو متورمة) إلى عصبيات اثنية أو جهوية أو أيديولوجية أن تصنع ثورة، ولا أن تنخرط فيها إلا لتفسدها وتنحرف بها عن السواء، فبحكم افتقاد تلك النزوعات للعقلانية والموضوعية ولضمور الحس الإنساني لديها، تظل قاصرة عن الإرتقاء إلى مستوى الاستجابة لدواعي المبادئ والقيم الإنسانية السامية، وعاجزة عن تجاوز الإنصياع لمهاميز النزوعات التملكية الدنيئة التي لا هدف لها غير الإستحواذ والتسلط، وذلك يضع تلك الانحيازات في موقف النقيض للسواء الإنساني الذي لامعنى للثورة بالنسبة إليه إلّا باعتبارها قيمة إنسانية سامية تتبوأ مكانها اللائق بها في منظومة قيم الحياة والحرية والمساواة والعدالة والكرامة والحكمة والشورى والمواطنة وغيرها من القيم التي تضفى على الوجود والحياة قيمهما، والمؤسسة على مبادئ الوجود الجوهرية التي تمنحهما معانيهما.
كل ذلك يضيّق أفق تلك الإنحيازات ويحصر أقصى ما يمكن لها تحقيقة في مصب ينتهي بها إلى إحدى قناتي الديكتاتورية أو الفوضى، اللتين تفضيان إلى واقع شبيه بعملة زائفة تشكلان وجهيها وتجسدانها، ونحن نجد فيما عشناه وعايشناه في ليبيا.. ولمّا نزل للأسف.. ما يكفي للتدليل على ذلك فتحت مسمى الثورة، وبدعاواها وادعاءاتها، أمكن للقذافي أن يبسط سيطرته على ليبيا والليبيين في صيغة من أسوأ صيغ الديكتاتورية التي عرفها تاريخ البشرية، وعلى إمتداد أكثر من اربعين عاماً، مورست خلالها بتخطيطه ومباركته وتحت إمرته،  في حق البلد وأهله كل أساليب الفساد والإفساد، من قهر وقمع وتزوير وتشويه وغسل دماغ، وتجهيل بأكثر الحقائق بياناً، وبأبسط البديهيات وضوحاً.
وكما هو شأن كل الديكتاتوريات والنظم القمعية ابتدعت سلطة القذافي بيئة تغريبية فقدت فيها الثقافة كيانها وأضاعت ذاتها، فما عادت وسيلة تلاقٍ وحوار وتفاهم وتعارف بين الناس بل أداة لسؤ التفاهم .. بل لإساءته المتعمدة.. ومن ثَمّٓ للقطيعة والعداء، وما عاد بمقدور الكلمة أن تعبر عن حقيقة ما تُطْلٓقُ عليه لتتُسمّيه، بل غدت قناعا يخفي وراءه ما يناقض تلك الحقيقة، وضُيَّقَت على المواطن الليبي سبل العيش والتفكير والإختيار وأرغم على الانصياع لدواعي الأنانية والجشع والحسد وكل الأدواء النفسية والأخلاقية التي هي نتاج مباشر لذلك التضييق وما وازاه من تجهيل واستهانة واغراق في مشاعر الدونية والنقص وبخس القيمة.
وكانت تلك عملية ترويض ممنهجة نجحت إلى حد ما في ارغام كثيرين على اعتناق الأفكار الظلامية والعدمية التي كان القذافي وببغاواته يروجون لها ويدعون إليها، وارغمت غيرهم على الهروب منها باعتناق أيديولوجيات لا تقل عنها ظلامية وعدمية، لكن دون جدوى فأي من الخيارين لم يكن مؤهلاً لتمكين المواطن الليبي من الخلاص مما كان يعانيه من اغتراب عن نفسه وعن إخوته ومواطنيه، لأن ذلك لا يتحقق بالهروب، ولا بالتقلب بين صيغ واشكال الإستلاب التي لا معنى لعا إلا كونها وجوها لصيغه العديدة، بل بمواجهة الإغتراب وبالثورة على الواقع الذي أنتجه، وذلك ما كان يجب أن يحدث، بل كان لابد له من أن يحدث، ولأنه بقدر براءة الآدمي من ملوثات الانحيازات المتدنية تكون أهليته للثورة التلقائية والمنزهة عن حسابات الربح والخسارة ومثالب التجار والمرابين، فمن حسنات تلك البراءة وبركاتها تنامي الحس الإنساني عند من يتمتع بها ونقاءه، وذلك ما رأيناه متحققاً في خروج أمهات وارامل وأبناء شهداء مذبحة ابي سليم مع الشباب الأنقياء الذين أخفقت دعايات ومزاعم القذافي في تلويثهم والمثقفين المهمومين بقضايا ليبيا وإنسانها إلى ميادين وشوارع بنغازي ليضرموا جذوة الثورة التي أرغمت القذافي.. عند تأكده من نقاءها وصدقها اللذين يؤكدان حتمية نجاحها.. على أن ينفث في وجهها ووجوه صانعيها، آخر فحّات حقده وغله على ليبيا وأهلها، بأن أمر بفتح مخازن السلاح الذي لم يكن يكدسه على امتداد زمن تسلطه من أجل الدفاع عن ليبيا وحمايتها، بل لحماية نفسه واتباعه من ثورة ليبيا عليه والتي كان على يقين أكثر من أي أحد غيره من حتمية مجيئها وتحققها.
وبذا فلم يكن أمره ذاك وليد اللحظة التي صدر فيها، بل من الواضح أنه كان مخططاً له ومبرمجاً ومعداً له سلفاً، وهو إن دل على شئ فإنما على إصرار من أصدره على ما عاش به وعايش الليبيين من الفساد والإفساد، وعلى عزمه على مواصلته والإمعان فيه والإبقاء عليه حتى بعد أن يرحل، وذلك ما يدعو إلى أن نأسف فعلاً على نجاحه فيه، وهو نجاح ليس فيه ما يشرّف بل يرشح صاحبة لأن يدون في أشد صفحات التاريخ قذارة وانحطاطاً، كما أنه لا يعني فشل الثورة ولا إخفاق من صنعوها، ولا يبرر أن نتحدث عن أنها وُئدت أو أجهضت أو اغتيلت أو سرقت، فما من معنى من ذلك يوافق الواقع مثلما لايوافقه أن نردد على طريقة الببغاوات الكلام عن ثورة مضادة، فالثورة لا تضاد نفسها ولا تنقسم أو تنقلب على نفسها، بل الذي يضاد الثورة ويتهددها بالفساد هو نفسه ما يتهدد الإنسان بالإستعباد وامتهان الوجود وتبخيس القيمة، وما ذلك سوى النزوعات الاستحواذية التسلطية الدنيئة بمختلف تجسداتها.
لم تفشل الثورة بل الثقافة.. التي لمّا تزل محكومة بالمتاح والمتداول من مفاهيم وأفكار ومواضعات تتمحور حول تلك النزوعات وتعمل على تبريرها بل وشرعنتها.. هي التي فشلت في فهم الثورة واستيعابها وهي التي تحتاج إلى نرتقي بها إلى معراج الثورة.
وتبقىي بهذا حاجتنا إلى ثورة ثقافية حقيقية تحرر ثقافتنا وتحررنا من برج بابل المتاح والمتداول قائمة.
علي المقرحي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل