أهم الأخبار

التنازل التاريخي

د. وداد عاشوراكس | 2016/08/11 على الساعة 17:20

ها هي أمريكا التي من اهم وابرز سياستها الخارجية هوالحرص الشديد علي فرض بأسها وسلطتها وهيمنتها وضغوطها علي دول العالم وخاصة الصغيرة منها، نجدها داخليا لم تفلح في إخماد اكبر قضية لها المسببة في  تفكك كيانها الوطني منذ نشأتها وهي مسألة التمييز العنصري. فهي  تعيش حاليا ما يشبه  بثورة  شعب مهما قد  تكون صغيرة وفرعية بالنسبة لنا، ولكنها قضية هامة لها ولا يستهان بها. فهناك احتقان شعبي باقل تقدير والذي له دواعي نفسية التي تكدست عبر قرون عدة مما جعلته يظهر بحدة علي السطح ويزداد جرأة عن ذي قبل، حيث تتفاوت شدته بمعدل درجات  المعاناة في كل ولاية علي حدة.
فقناع  سياسة  المساواة  والعدل التي تبهر به العالم أصبح يظهر وينقشع بوجهه الحقيقي ويعلي صوته من خلال هتافات غضب تتمثل في صورة التمرد العنصري الذي  كان قد دُفنت أنفاسه  منذ قرون ولكنه  في واقع الأمر كان مجرد بركانا خامدا! فتلاحظ موجة السخط والاستياء هذه من جانب الأفارقة  الأمريكيين  تخرج  في شكل مواجهات شرسة قاتلة مع رجال الشرطة معلنين بذلك عصيانهم ومناشدين بمسألتهم التي لقبوها بقضية "مسألة حياة السود". وبها رجت ريح غاضبة  ناشرة أجواء مشحونة ومفصحة عن حنق متراكم  بقضايا  لم تُحل بالكامل  معبرة عن ضيق وإرهاق نفسي يعيشه اكثر من 38 مليونً من الأمريكيين الأفارقة، اي ما يقارب من اكثر من 12% من تعداد البلد الكلي بتفاوت أعمارهم  ومشاكلهم!  فعلي الرغم من تحقيق بعض الانتصارات علي مدار القرون المنصرمة، اي  منذ القرن الثامن عشر الي الألفية،  فالتحيز العنصري لم يتغير كلية ولذا  تشاهد إصرارهم الدائم  بالمساواة في كل شيء لم يخفت اويتوارى... فهم ينادون بنفس المساواة  والحقوق  في فرص العمل والرواتب والتعليم  مع نظرة الاحترام والإنسانية  كما  للأمريكيين البيض بدون تحيز، وبان إنسانيتهم هي نفس الإنسانية والعدالة لا تنقسم شطرين! ولكن العنصرية داء تجده متغلغلا في جذور بناء هذه الدولة من العالم وبشكل مخيف حتي اصبح جزء كبيرا من نسيجها وبدون هوادة! فهذه التفرقة وعدم المساواة تسري في جوانب كثيرة من المعاملات اليومية  في بلادهم مما اثر في حياة معيشة جدود أسلاف هذه الفئة من السود، وانعكاسات ذلك  وانطباعاته تجده واضحا في سلوك حياة أهلهم وأولادهم وأحفادهم  بشكل يؤجج غضب اغلبيه الشباب من السود في كل هفوة ومعاملة من رجال  الشرطة ومن الإجراءات القانونية التي يعتبرونها استفزازية وتميل الي العنصرية القاتمة.
فهذه الفئة تشعر بين نفسها بان حقوقها مهضومة وكأن انتمائها لهذا البلد  الذي بني بيد أجدادهم جريمة  في حقهم ويعيشون كالغرباء في وطنهم في أحيان كثيرة لسوء المعاملة والتحيز البين. فالتصادم القديم من قتل واستعباد واستخدامهم  كخدم وكالأمم، ومنعهم من أداء حقوقهم الإنسانية  كأي مواطن حر في نفس البلد قد تحول الي غضب وقلقلة أمن!  وبهذا تجد الأمهات اضطراريا تسعي بان  تربي أولادها علي كيفية  التعامل مع فئة البيض  مما زاد من  درجة  النفور عندهم وخلق  نوعا أخر من التحيز والتمييز العنصري  ايضا بين صفوف فئة السود تجاه البيض، اي  تربية  فعل وردة  فعل ولا عجب!   فبقي  اغلبهم  لهم احياء معينة  للسكن تجمع فئتهم، ومدارس لا تقاس بالمقارنة  بما للبيض من معدات وقدرات في مستوي المدارس والمدرسين فيها،  مما يتفادى البيض تلقائيا من التقرب من هذه الأحياء!  فاصبح لهم ثقافاتهم وعاداتهم، بل اخترعوا لأنفسهم  لغة إنجليزية أخري تناسبهم ولعل لا يفهم استعمالها غيرهم. فيتعاملون بها فيما بينهم  تسمي  "ايبونك" التي تستعمل بين السود البسطاء، اوعادة بين الذين  يفتقرون الي سبل ومراحل التعليم  الأساسية اوالحياة  الطيبة وما شابه. فالأن نتيجة  لقرون عدة من التمييز العنصري الذي لم يتبدل انقلب الي غيظ جائح اكثر منه حزن وأسي، وتمرد وعصيان  اكثر من  مسكنة وتعايش  وتقويم، وتصادم ومواجهات طائشة ووجع اكثر من احترام لقوانين البلاد، خاصة التي تتمثل  في رجال الشرطة، بحجة انهم يصطادونهم قبل غيرهم  لمجرد اللون والهيئة!  وبالطبع عند التحري تجد اغلب ظنهم مجرد شعورهم بالتفرقة العنصرية التي تعيش معهم  في  تفكيرهم وفي سلوكياتهم  كمركب نقص!   
فقد تقول لا يعنينا ما تعانيه أمريكا... من هذا  التذمر وتكراره من جانب هذه الفيئة  الكبيرة من السود علي شرطتهم، اوما يعقبه من أذي وفوضي امنية في بعض الولايات التي يكثر فيها السود، ومن هذا التضارب في سياستها  الداخلية... ولكن نحن في كوكب واحد ومفتوح ولذا كل حادثة  فيه بهذا المستوي الحساس وخاصة في عصرنا هذا هو بمثابة  مؤثر بفعل وفاعل وتأثير ما يدور فيه من  أضرار ومشاكل ستتسرب رويدا الي من يعيش في هذا الكوكب الدائري الكبير!  انظر  الي تحركات الدواعش الأخطبوطية فيه كمثل خطير يجري علي الارض الان، فهم  من كل صوب ويستخدمون كل آلية مهما كان نوعها لمجرد زعزعة السلام في العالم كله! ولذا حساسية قضية عدم المساواة هذه في بلد قوي اذا ما اشتطت شدتها  ستهز من مكانة  وسمعة ومصدقيه سياسة حقوق الإنسان  فيها  كقضية عالمية  بشكل اوباخر، والتي  لا شك قد تمس الأوطان  الأخرى بطرق عدة من قريب اوبعيد، هذا  خاصة  اذا ما تطرفت  الأحوال  السياسية  من خلال تجدد الأحداث فيها  ولا سيما  اذا ما انتهت  بفوز رئيس عرقي الاعتقاد وديكتاتوري المنهج!
وها نحن  نراها  ايضا تعيش موجة من الانتخابات الحادة المتناقضة بين حزبيها الديمقراطي والجمهوري للتصويت علي رئيس لها، وهذا لا شيء  فيه وغير جديد عليها اوعلي  العالم، لان هذا  هوالمعتاد  لكل أربعة سنوات من الحكم، ولكن ما يدعي الي ان نلفت اليه اهتمامنا  وانتباهنا  اكثر من ذي قبل  هوعلي ما يحتوي عليه جوانتخاباتها هذه المرة من تهديم لقوانين دستورها وهدم  قيمها  التي تسعي علي الحفاظ عليها، وما ينعكس ذلك  سلبيا علي استقرار العالم  من خلال سياستها  الخارجية وعلاقاتها مع دول العالم واهمها العربية والإسلامية بالتحديد، وخاصة من  من  يمثل حزبها الجمهوري المعاكس  لدولة  تريد دائما ان تكون قوية وذات مبادئ  إنسانيه علي الأقل  في نظر العالم لتفرض أحكامها  وسيطرتها عليه.  فتجد بأن هناك ريحا غير عابرة  تتنسم في  ثورة انتخابية  مدنية لا باس بها  التي  قادها "بيرني ساندرس"  من الحزب الديمقراطي واهم مبادئها بان يكون التعليم الجامعي مجانيا وتغيير الرواتب للفرد  لمعيشة  افضل. فالتف الملايين بالطبع من الشباب حوله ضد "هيلاري" التي لها حصة كبيرة فيما انتهي به حال ليبيا  المقلق الان!  فمع  قلة أعداد أصوات "بيرني"  التي تحصل عليها  كان  يريد في استمرار حملته حتي النهاية. ولكنه بالرغم من وجود  تلاعب علي أصوات حملته من جانب فريق "هيلاري" كما هوشائع تجده  قد  اضطر أخير وفي أخر مطاف حملته  بالتنازل. واعتزم علي ان يلتحم معها في سبيل انقاد  وتقوية  وفوز الحزب الديمقراطي  ضد مرشح الحزب الجمهوري المتهور وليدعم  وفائه لوطنه...فهذا هوالنضج  السياسي  باعلي تقدير!   
ونري بان هناك ظاهرة  تفتح  لها  الأفواه  تنكرا  واستغرابا  لكونها  تميل نوعا ما الي "أفكار هيتليرية" شاذة  ذات المنبع الخطير من مرشح الحزب الجمهوري" ترمب". حيث  ظهر علي الساحة السياسة بمذاق  أخر وجريء وساذج  جدا في خطط برامجه، ليدغدغ  بها إحساس وعقول نوع أخر من الشعب!  ظاهرة  تكاد تكون معكوسة عن الربيع العربي الذي حارب زعماء الديكتاتورية بكل أعلامهم ويناشد  حتي الان  بالديمقراطية  ويحارب من يحارب مسيرته! فالمتنافس "ترمب" بدأ حملته بالاستياء علي كل شيء ولا يعجبه اي شيء، مما استساغ اليه الكثير من الشعب وأكثرهم من البيض  ذومستوي تعليمي ضئيل، فتشجع بهم  واستمر في تسويق حملته بهذا النمط الاستفزازي!  فداوم علي تهييج العقول  بفلتات لسان  بعيدة عن  ما يجب ان يكون علية من حنكة لأي مرشح لرئيس دولة كبيرة! فقد نهج  العنصرية والعداء والكراهية والقذف بالألفاظ  في خطابه كمثل تصغيره  لذوي الإعاقات كحادثة  الصحفي من نيويورك، والتقليل من جمال زوجة من كان  ينافسه في انتخابات  رئاسة البيت الأبيض، ثم التفوه بمصطلحات ذات صفات عنصرية علي دولة  المكسيك حيث يريد ان يبني سياجا مانعا بين بلاده وبينهم ولكن علي حسابهم!
وهناك اتهامات إرهابية  وإجراءات  عدائية  تجاه المسلمين  بمنعهم  من الدخول الي أمريكا، فكل مسلم إرهابي في نظره! فكر عدواني وبعيد عن اي قيم ومبادئ إنسانية وتلك هي خطته في الحرب علي داعش!  هذه هي لمحات خطة سياسة ترمب التي  ليس بخطة  وليس لها اي حدود اجتماعية أخلاقية اوحتي سياج سياسي لبق  والأمثلة  الأخرى علي الساحة!
فهذا هوترمب  من غير رتوش... المعادي والمشاكس لكل شيء بحيث  يعتقد مثلا بان جهاز سياسة  بلادة  ومؤسسة الجيش  كل شيء  فيهما مزيف ومزور علي حسب ظنه، مما جعل الملايين من اتباعه من الشعب  في استمرار تأييده والالتفاف حوله  وكأنهم يأسوا من سياسة الخطاب السياسي المنمق "تزويق" الكلام  المدبج  والغير صريح  والذي لا يعبر عنهم  ولم يحقق لهم ما تمنوه في أغلب فترات القيادات السابقة! فترمب خلق جوا جديدا في حملة الانتخابات حتي جعل منتخبي حملته  يتشوفون  ويتلهفون  الي رئيسا مثله ويتكلم  بمثل مستوي كلامهم اوذوعقلية  مكابرة كالتي تشجع  سياسة العرق والتمييز الديني مثله. وكأن ما تعودوا عليه  من رؤسائهم من التمسك  بقيم  بلادهم ونظم  وقواعد  دستورهم  والحفاظ علي أهمية  نظرة العالم الي بلادهم كقوة كبيرة  لا  يعنيهم!
سأل  احد الخبراء يوما ترمب عن رايه في الأسلحة النووية فإجابته  كانت صاعقة إذ قال "اذا عندنا... فلماذا لا نستعملها" حتي ولوكان هذا الخبر مشكوكا فيه فهوفي اغلبيه الظن  يتميز بهذا النوع  من التفكير المتهور المزاجي والمرعب! وطبعا هذه الأسلحة المدمرة  ستكون موجهة أولا علي  العراق وسوريا  في صورة الحرب علي داعش كحجة...اي سيجدد ما حصل لهور يشما في 1945 تلك المأساة  التاريخية في حق الإنسانية الي اليوم. هذا اذا ما فاز بمفاتيح الحكم في يده.... انه هتلر أمريكا! اليس هونفسه يعيش في وطن  نتج وتكون بعرق المهاجرين  كل باختلاف  زمنه  وسبل الرحيل  وأسباب  اللجوء إليه؟!  وطن يضم علي ما يقارب من 324 مليون  نسمه من كل  شكل ولون وعرق  ولغة ولهجات ودين ومذاهب ومنطق وقيم  وعادات وتقاليد وأخلاقيات وثقافات واعتقادات حتي يكاد ان يكون فريدا في كل شيء! ثم لعله ايضا تجاهل بان منهم والده ومن ضمنهم ايضا زوجته الحالية... آهذا ترفعا ام  تنكرا  بتاريخ بلاده! فحتما سيكون وجوده في البيت الأبيض  له مخاوفه. فتأثير أسلوب  قرارته  الهوجاء الغير مدروسة النتائج، وأحكامه السلبية المباشرة والغير مباشرة ستكون لها نتائج  هدامة وستتغير بها موازين كثيرة في سياسة  البلاد  داخليا  وخارجيا مما سيهدد من سلامة امنها  وامن وموازين دول العالم  ككل، اي إرهاب بدون ستار!
هذا الطابع الاستفزازي من التفكير قد اقلق واربك الكثير من رؤساء الحزب الجمهوري ومنع الكثيرون من الوجهاء والنخبة  الخيرة الذين  ينتمون الي الحزب من إعطاء أصواتهم  لحملة ترمب، بل فئة منهم سحبوا تأييدهم ووصرحوا بعدم مناصرتهم  له  واسندوها الي هيلاري علي الرغم من عدم تصديقهم  لها.  ولكن كان هذا  تنازلا من اجل الوطن الذي لم يحدث مثله منذ زمن  بعيد، ولصيانة الدفاع عن قيم  ومُثل واعتقادات الوطن التي بنيت به وعليه، فوفائهم  له  اكبر من حزبهم،  فهذه  ظاهرة تستحق الانتباه ولربما التبجيل!  فالالتفاف حول مستقبل وطنهم وقيم  الدستور اجدر بكثير من الوفاء للحزب... فإن هذا ارقي أنواع التنازل ودرسا سياسيا يدونه التاريخ!
وعلي الرغم من هذا ومن كثرة موجة الاستياء من الحزب له لم يجبر ترمب علي تغيير طريقة خطابه الانتخابي الهجومي وحملته المحرضة، اوحتي ان يتراجع عن طريقة  معالجته  للآمور، لان مشجعيه  يتكاثرون  بالملايين من وراءه  وهذا  يثيره ابتهاجا! فهذا الرجل  الألماني النسب ولا عجب  لا يسلك الدبلوماسية  المعهودة من من يريد رئاسة البلاد  برشادة عقل، فسرعة  لسانه كما سبق اسرع من عقله لفراغ منهجه ويتكلم  ويعبر عن أفكاره  ببساطة وسذاجة  كطفل في الابتدائية وبصراحة نقيصة، ويتنمر علي عامة الناس حتي علي جنود حروب بلاده الأحياء منهم والأموات مستعملا عبارات غير مناسبة  لا لشيء الا لمجرد التصغير من شأنهم!  فلسانه  الهجومي هوعدة  شغله ويستعمله  أداة  للتسويق والفوز بنفسية المواطن عند صندوق الاقتراع، والاستحواذ علي الأصوات  بالعهود الملفقة والمعاهدات  الموعودة  في قضايا  سياسة البلاد الغير معززة بخطط مدروسة النتائج. حيث انه يسوق سياسته بنفس مذهب سوق العقارات التي افلح  في صنعتها!  فبالتمعن  في ثنايا هذه البرامج  السياسية  المتطرفة  ستجدها  نفاق سياسي!
شخص غره كثره فحش ماله  فقرر ان يسلك السلك الدبلوماسي ويرشح  نفسه  لكرسي الرئاسة  ليكافئ غروره بأعلى كرسي  نفوذ  في عالمنا اليوم! هذا كملخص مقتضب ما يحصل الان في أمريكا من تغيرات  متلاحقة  تدعي الي الحذر والترقب! فترمب  اذا ما فاز سيفعل ما يريد وكما يريد  بدون  العودة  لأي قانون اومراعيا  لأنظمة بلاده  التي يتهمها  بالتزوير، ولا سيستمع  لأي استشارة  من مستشاريه اوالتشاور  مع  نائبه  خاصة  وذلك  إشباعا لغروره  بنفسه وبانه هوالعالم والمتعلم  بينهم. ولعل  حتي وعوده لمنتخبيه سيتغاضى عنها وكأنني أراه يفعل ذلك! وبمأن  ترمب المرشح الوحيد في حزبه  فبهذا هناك شعور من الجزع  ينتاب الحزب الجمهوري بسبب  فقدان الثقة فيه، ولربما يتوقعون بانه سيرخي  الحبل بهم  في أخر المطاف!  هذا  اذا ما شعر بعدم  فوزه،  لان الفوز شأنه وهوايته  مما قد  يجعل  انتخابات  بلاده في محك  خطير تاريخي  ومن ثما سيكون الوقت  ليس في صالح الحزب اوفي إيجاد  بديل له. وايضا هناك فكرة مطروحة علي الساحة ولا يستبعدونها  كبقاء أوباما  لفترة رئاسية ثالته!
ليبيا أزمة غير سياسية... ازمه ثقافة سياسية! فكيف إذن بحال بلد قد تميز بكبر مساحته  وبسحر صحراءه  وبوحدة  لغته وديانته وعاداته وأعرافه وعمق تراثه  وتاريخه مع صغر تعداد شعبه... فكيف لبلد لم يعرف معني الديمقراطية  اوالإحساس بها منذ قرون اومعرفة علم السياسة نظريا وعمليا، اوحتي التعامل بها في مسائل بلده الحساسة التي اصبح الخطر يهددها من الداخل بسبب الفوضى الغير سياسية والمستمرة  مما سهل  بالخطر الخارجي ان  يتلاعب بعقول  البعض السذج ويفرض أحكامه علي حكومة "(عدم) الوفاق" الغير شرعية  والتي تتصدر الساحة الليبية،  وكوبلر يلقن شروطه عليها منتهكا  بذلك سيادة  ليبيا!
فلماذا الإصرار من من يتصدر الساحة الليبية علي عدم احترام الشرعية والقوانين  أينما  أسست  في كل إيماءة  اوخطوة الي الأمام.  فليبيا تفوق اي بلد  في العالم في كثرة الحكومات التي تحكم في آن واحد لبلد الستة مليون نسمة، والتي تتسابق مع بعضها البعض والوطن ليس هو  محور الحوار الموضوعي اوفي الميزان  الثقيل  والشعب هوالشاهد علي ذلك حائرا! وبالتالي فهي كلها أخذت وتأخذ من قوة الوطن وترهقه  وتمتص من روحه  ولا تعطيه  شيئا  في المقابل  ليقوي بها وبهم  ومعهم!  هذا يحدث بأيادي  من يعتقد انهم يريدون إصلاحا  كمن يقلع شجرة صالحة مثمرة  كانت  تعطي خيرها  للناس عامة  لمجرد ا نها تزاحمه في طريقه! ثم مؤتمرات ومجالس الثرثرة من غير ملل ولوكان للكلام جدوي اوقيمة مالية  لنهض به الوطن وانتعش حال الشعب منذ ما يفوق من الخمس سنوات من مآسي تغضب أطفالنا... وبرلمان  شرعي  مستهان بشرعيته ومنقسم في ذاته لوجود خصم يلبس اقنعه إخفاء  له يدعي المؤتمر الوطني العام السابق  والذي لا شرعية له باي ميزان كان، حيث انه مصر علي البقاء فيخلق لنفسه وجودا  لؤما وسخريةً  بليبيا مهما  اعتقد أعضائه بغير ذلك. فكلما وجد عقبة  يغير كنيته  بقبعة أخري والان هوباسم المجلس الاستشاري الاعلي استخفافا  بالشعب! فيا تري استشارته  العليا هذه  لمن وما أساس ذلك قانونيا... وماذا عنده من رشد...؟! فهم نفس الوجوه التي تعيش الفوضى باعلي مسمياتها. مصيبة ليبيا في رجال الكراسي. ولذا عندما نصحوهم بعض العقلاء بالتنازل أبشم له الكثيرون  وقرنوه  بعزة  النفس ولضعف التفكير...! اي عزة نفس هذه وعزة الوطن في أحط  قاع عاشه بسببهم  ولا زال ضائعا وهالكا ومتفرقا  بسبب البلاهة الجماعية مع احترامنا للعقلاء فيه.َ  التنازل ثقافة  لفكر ناضج للمصلحة العامة ويستعمل أداة من أدوات الوصول الي الحلول والاتفاق لمشاكل معقدة وخاصة عندما ترجح كفة الوطن حيث يكون التنازل  وفاء  له بامتياز!
فمبادئ الثورة  لغوها ونسوا أفضال شهدائها عليهم وما هم فيه من رغد العيش والحرية التي لم تكن مسموحة في يوم ما وهذا علي حساب شعب شقي، اوكأن الثورة  لم تكن فاعموا مسارها وكسروا قواعدها.  فاصبح معظم الشعب من كثرة المعاناة  يعتقد للأسف بانها نقمة لاستغلالها  كأحدي الشمعات الرخيصة التي يتبناها كل احد ويسمي نفسه ثائرا،  ذلك عندما يريد  الوصول الي مراده الشخصي بدون تنازل وكانه ورثه الذي ضاع منه!  وهناك أناس بقوة السلاح  والمال المسروق  والوافد الي  ارض الوطن... والا من أين لهم هذا الزخم من الأسلحة  بأنواعها والعيشة الرغيدة... والشعب لا مال ولا نور ولا طعام سهل المنال لغلاء المعيشة وهوائه به غبار يعتم حياته. هؤلاء  قناصة  الحروب غايتهم  الاستيلاء علي مراكز وثروات  من غير احترام لقوانين البلاد، وهذا لا غرابة  فيه لان اذا انعدمت الأخلاق وغابت الضمائر تجد هذا النوع متغطرسا  بسلاحه، وسلوك الفوضى والخطف والسرقة  المستمرة  والقتل  هو  قانونه الأمثل، والإرهاب هومن جزء العمل اليومي فبقي  صناعة! فالسيولة  لا وجود لها في البنوك لخوف التجار والأشخاص من الإيداع ترهبا من التعرض للسرقة، لعدم وجود مؤسسة  الجيش والشرطة  كمؤسسة واحدة  للشعب كله مع فاعلية قوانين البلاد ليضمن حقه.  فغلت الأسعار كردة فعل للاقتصاد المنهار وتبعته تغيير سعر تسعيرة العملات الأجنبية.  فجوالحروب هذه هي نقمة علي كل شيء إنساني، حتي اصبح  لقب المسكين والفقير والمحتاج  ينطبق تماما علي المواطن الليبي الذي لم يعرفه سابقا ولم يعيشه بهذه الصورة المهينة  لكرامته! ثم يُقذف الوطن في ساحة  ليس ساحته بعد انتهاء  مشاوير الذهاب والإياب من الصغيرات الي ارض الكنانة وكأنك يا وطن تربتك ليست للوئام والوفاق بل للمناورات وضرب الأخر بالأخر والتقليل من شأنك وعزتك انت. وهذا كله بسبب العقول الجوفاء  لتضييع وقت البناء ...فالسياسة هنا ليس لها مطرح!
ومن سمع نداء الوطن فأسرع  مستهلا  بالشرق  لشقائه المستمر ولينظفه من أنياب الإرهاب  باقل العدة والعتاد وعدد الجنود الأوفياء لعزة الوطن ثم ليستمر الي كل أراضي ليبيا المغتصبة إرهابيا، أهانوه شخصيا في نفسه بدلا من تشجيع انتصاراته بموضوعية الحكماء والمصلحين. فأي إنسان ليبي مثله  يعمل لصالح الوطن  وليس لغاية الشهرة والكراسي  فأهلا به! لماذا السلبية في التفكير ونعمي أعيننا علي النتائج التي اغتبطت بها ليبيا  (كلها)  وخاصة  شرقها... وكيف لهم فعل ذلك وهم بنفس العجز في القدرة الفكرية والإيجابية والرشد!  نسوا وتجاهلوا بان عزتك وكرامتك  انت يا وطن يكمن  في الالتئام  ووحدة الحلول والكلمة والالتزام حول إنشاء مؤسسات قوية في الجيش والشرطة  تحت  قيادة  قوية الأركان أولا ومع فصل القضاء كمؤسسة عادلة حيادية... هذه اقوي سياسة الوحدة الوطنية، وليس التحيز واختيار الأسماء  والألقاب  بعينها كسياسة  فرق  تسد لصالح غاية  ومحسوبية معينة (إرضاءً  لمعرفة  فلان اوصلة أقارب اولمجرد  الكراهية للشخص ذاته...الخ)..فهذه لبست بسياسة  فهي تفرقة ومحسوبية.
فالتمسك بحجج ضعيفة  لمجرد السيطرة التي أجت الي الحروب الأهلية  بذريعة أن (فلان ما  كان في عهد النظام الأخضر فهوإذن يعتبر عميلا، اوجندي في الجيش ما قبل الثورة  فهو  بالتالي عدوا، اوكان  يشغل  مناصب  في ذاك الزمن  فهوتلقائيا مشبوها فيه) فيا لغرابة النظر... وانتم من؟! اليس كلكم كنتم تحت مظلة حكم وجبروت  الكتاب الأخضر ام ماذا  ام كنتم تعيشون في بلدة مجاورة  في قلب ليبيا!  اليس هونفس البلد الذي عشتم علي ومن أرزاقه... فكلكم  أكلتم من نفس الطبق اسمه  الوطن! فما دام أياديي هؤلاء الذين لا "تحبونهم" غير ملطخة بدماء الأبرياء  اوليس لهم سوابق، اي كانوا غير مسجونون  بجرم ما... هذا كما حاول بعض العقلاء فيكم تفسيرها لكم... فليس لأي احد الحق  ان يتعدى علي القضاء  ويريد ان يكون هوالقاضي والسجان!  فظواهر هذه  الاعتبارات السلبية  والأمراض السلوكية  في السلطة عبارة عن معوقات التقدم  في اي مؤسسة كانت  فما بالك  بوطن!  هذه ليست بسياسة انها الآخذ بالثأر... والثأر مرفوض!
فإذن كلكم يدعوكم وطنكم الوحيد- ليبيا- بالالتفاف حوله بدعوة عامة  لكي ينهض من غيبوبته المفروضة عليه ومن الشلل بسبب أفكاركم السلبية وظنونكم المهدمة له  وخاصة  الحوار الأجدب.. الذي اصبح عدوا شرسا  للنجاح.  ولا تجعلوا الوطن نكرة  حتي اصبح مرتعا  لجيوش  فرنسية  تارة وطائرات  أمريكية  بدون طيار من غير شرعية  باسم الإرهاب! انزلوا الي ارض الواقع وتنازلوا لأقوي مبدأ هوالوفاء... هذا هوالتنازل  لأجل  عزة وسلامة الوطن الذي وقته  قد أزف. فالتنازل من أجل ذلك هو مصطلح سياسي راقي ومفهوم منطقي لن يضركم فلا تهابوه... فالجهل مصيبة لقوم لا يرون النور! كفانا تخبط... اليس فيكم مهتدي وبصير؟!
د. وداد عاشوراكس

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل