أهم الأخبار

لماذا نحن متخلفون؟

د. ابوبكر خليفة ابوبكر | 2016/08/11 على الساعة 17:06

إن التطور منظومة متكاملة، فالتطور الاقتصادي والحضاري لايأتي عبثاً أوصدفة، فالأمم التي تبوأت هذه الهضاب الشاهقة، من الرفعة والعلو كرست القيم الإجتماعية والسياسية والتي هي القاعدة الصلبة التي انتصبت عليها هذه المنظومة من التقدم والتطور،وكلما زادت عوائد هذا الاقتصاد المتقدم سكبت الميزانيات لتعزيز هذه القيم... هذه القيم التي تأسست أولاً في النواة الاجتماعية الأولى، ألا وهي الأسرة، وتترسخ هذه القيم أكثر عندما يخرج الفرد من إطار الأسرة قوياً إلى التعلم عبر مراحله المتعددة، وعن طريق الإحتكاك بأقرانه وزملاءه.
أما القيم السياسية، فتعني قيم الحرية والديمقراطية وآلياتها، في الدول المتقدمة، والتي تعززها شرعية قانونية ودستورية، والتي تؤتي أوكلها في ترسيخ مبدأ المواطنة عند الأفراد، والنتيجة مواطنون متكاملون لا يشعرون بالغبن والضيم، وقادرون على الدفع بعجلة تقدم دولهم بكل حماسة وإجتهاد، ووفقاً لما تؤهلهم لذلك تخصصاتهم وقدراتهم.
وبالتالي لو بحثنا في سر تقدم هذه دول "العالم الأول” لوجدناه -حسب وجهة نظري- في النهضة المتكاملة التي تبدأ من بناء الفرد وصولاً إلى بناء الدولة. أما الدول المتخلفة، فتخلفها أيضاً هو في إطار منظومة تكون أجزائها الصورة الكاملة لتخلفها الكلي، فالقيم الإجتماعية والسياسية والأخلاقية متخلفة ومتدهورة. فأغلب الدول العربية مثلا يكتفي فيها الناس من الدين بممارسة الشعائر، والتي لاتعكس إيماناً عميقاً متجذرا بدين هو أرقى الأديان وأسماها، بقدر ماتعكس إتباعا لممارسة عبادات واجبة موروثة من الآباء والأجداد.. أما على صعيد التجسيد العملي لماجاء به الدين الأسمى في واقع الحياة ومعاملاتها، وماتمارسه فئات كبيرة من المسلمين، فنجد غالباً أن الدين في واد والدنيا في واد آخر، حيث يفترض أن الدين هو إصلاح للدنيا من أجل العبور الآمن للآخرة. فالكذب والتزوير والتزييف والتضليل أصبح شطارة وسياسة، سواءاً فيما بين بعض الأفراد، أو بين السلطات والأفراد.. فلا يعبأ التجار بتزوير بضائعهم وصلاحيتها من أجل الربح، ولا يهتم المزورون بتزييف المستندات للأفراد الذين ينتشون بورقهم المزيف حتى يكادون يصدقون أنفسهم.
كما أن الحكومات لاتنفك تضلل وتزيف وعي الشعوب بتسويق الأوهام الكاذبة، والانجازات الورقية، وتزييف نتائج صناديق الاقتراع، لخلق أتباع آليين، ومن أجل توطيد الاستبداد والاستمرار في السلطة... وحدث ولا حرج عن ترسيخ ثقافة الفساد وإستباحة المال العام، عن طريق مقولات تصبح نصوصا لقانون الغاب المتوحش. وعلى رأس هذه المقولات هي "رزق حكومة ربي يدومه" والتي تسوغ نهب موارد الدولة من طرف المسؤولين الذي يتولون المناصب العليا في الدولة، وحتى من هم أدنى، إلى أن تصل إلى الفرد، فكل ماهو حكومي "شعبي عام" لا تجريم لسرقته ولا ضير في الاستيلاء عليه؛ من الأملاك العامة إلى السيارات وحتى سلك الكهرباء… وصولاً إلى تبرير قبول الرشوة تحت غطاء مسميات عديدة من مثل مصاريف تسهيل خدمات وغيرها.
وبالإضافة إلى ذلك تكتمل مشهدية هذا التخلف العارم بتمجيد الكثير من الناس للصوص والسارقين، وخصوصاً الذين يتمكنون من نهب أموال كبيرة، وهؤلاء يصبحون حديث المجالس، ولا يحلو السمر إلا بالتغني ببطولاتهم الإجرامية، والتي تصاغ للمخيلات بأسلوب سينمائي من طرف الجهلة والمرضى. أما المتميزون الذين يشتغلون ويكافحون بضمير، ويعلو عندهم منسوب الوطنية، فهؤلاء غالباً لامكان لهم في هذه المجتمعات الموبوءة، والسلطات هي أول من يحاربهم، وحتى لو وصلوا إلى مراتب متقدمة في المجتمع، غالباً مايتم إزاحتهم بوسائل وأشكال متعددة.
إن من أهم أسباب فشلنا دولن هي عقلية النقد الهدام والنميمة، والتي هي نتاج عقد ومركبات نقص، وتعكس الشعور بالدونية تجاه الأشخاص المميزين، أو الإحساس بالحسد المقرون بالعجز عن مواكبة أو اللحاق بإنجازات المحسود.. ولن تفلح أمة أفواه أهلها تلوك النميمة أكثر من لوكها للطعام، وتعقد فيها مجالس القدح والتشهير بدلاً من مجالس الحل والتدبير.
د. أبوبكر خليفة أبوبكر
الرباط - المغرب 9/8/2016

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
بدر عمر الشريف | 14/08/2016 على الساعة 17:53
ليبيا برقن
بسم الله الرحمن الرحيم لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم, ولن تعلو الاقوام التي تعتمد على الباطل لان ما بنية على الباطل هو باطل ان من اشد معجبي هذا المقال لانه مثل الدوى الذي يعالج القلوب الفاسدة وبل يمضى الي اكثر من ذلك ليصل الي الشعوب الفاسدة لكن ان عنونت هذا المقثال لهذا نحن فاشلون
د. أمين بشير المرغني | 13/08/2016 على الساعة 07:51
متطلبات التقدم
التقدم "الاقتصادي" له طريق واضح تسلكه الشعوب بشكل مستمر لا تراجع عنه أساسه العلوم والبحوث والانفتاح وتوظيف الموارد والتنظيم والادارة والعمل والاجتهاد والاخلاص فيه ، ومسيرة اجتماعية راشدة تؤسس لحقوق المواطنة ورفعة "الوطن" بتحقيق الأمن والاحترام والحرية والمساواة أمام القانون كخيار مجتمعي سلمي. إن المجتمع الليبي يغلق أمام نفسه طرق الوصول الى التقدم إذا استمر في التمسك بالقبلية " التي بقيت هي الوحيدة محل اعتبار في ليبيا بالضرورة" والوساطة والرشى والكسل والأنانية والتسلط والجبر والاقصاء وحرمان الفرد من حريته وضعف كليهما التراحم واحترام القانون .
محمدالبزم | 12/08/2016 على الساعة 09:18
كلام جميل
مشكور يادكتور على الكلام الجميل .وبالتوفيق انشاءالله.وربي يكون فعون هالشعب المسكين.وربي يولي علينا خيارنا يارب العالمين..تحياتي.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل