أهم الأخبار

إستعارة الخروف الأبيض

نورالدين خليفة النمر | 2016/08/08 على الساعة 17:20

تتميز تركيا فيما يرى الكاتب (جانكيز تشاندر)، بعدة خصائص لتلبية متطلبات سياسات "لعبة الأمم" كـ: الميّزات المزدوجة للهوية الثقافية، والإسلام الديموقراطي المعلمن!، والمواصفات الجيوبوليتيكية في الفضاء الإقليمي، ومقتضياتها من ارتباطات مؤسسية مع العالم الغربي.
كل هذه الخصائص دفعت الرئيس الأميركي باراك أوباما فور انتخابه، اختياره (نموذج الشراكة التركي- الأميركي) وطرفه حزب العدالة والتنمية أن يكون أداة إنجاح جهود الإدارة الأميركية- رغم جذوره الإخوانية الراديكالية- لإعادة بناء أو جسر الهوّة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط على وجه خاص، وبين الغرب والإسلام بشكل أعمّ.
ولكن السياسة والسياسة الدولية- كما تقول الماركسية- ليست صياغات نظرية مسبقة بل هي بناء فوقي ينعكس عن البناء التحتي، أي القاعدة المادية وطبقتها الاجتماعية.
الباحث حميد بوزارسلان مؤلف كتاب "تاريخ تركيا" في مقالة بترجمة الحياة عن«لكسبريس» يرى أن الكتلة التي انبنت عليها الهيمنة المتصاعدة لحزب العدالة والتنمية، قوامها البورجوازية المتدينة ذات الأصول البلدية أو الطرفية المناطقية، التي نمت وترعرعت قبل عشرين سنة في تربة (المناقصات العامة) وما درّته المشروعات التي مُوّلت من أثرياء (تنانين الآناضول) من أموال هائلة كفلت تأطير المحافظين من الأتراك السنّة وتحشيدهم مدينين بالولاء لأردوغان وحزبه كونه العلامة الوحيدة على الطريق في عالم خسر علاماته، مهددا في الداخل التركي بحرب العصابات الدائمة لحزب العمال الكردستاني، وتفجيرات "داعش" الانتقامية، وأخيرا انقلابات العسكر المستعادة هذه المرّة بتآمر الإسلام على نفسه، وهو مادفع الجماهير التي بنى حزب العدالة والتنمية ولاءها على خوفٍ لحمتُه الاضطراب الاقتصادي والسياسي الذي خبرته تركيا في الماضي. أن تخرج صباح الانقلاب 16-07-2016 مستنفرة بغرائزها الوحشية للتنكيل بالجنود المستسلمين والمصدومين من فشل قادتهم.
تداعيات الأزمات المفتوحة في بلدان الربيع العربي وغيرها وضعت سياسات (زيرو مشاكل) التركية مع دول الإقليم على المحكّ، بل بذرت الشكّ في المقدرة السياسية لحزب العدالة والتنمية على إدارة التوجّه الأميركي- الشرق أوسطي.. مضافة إليها سلوكيات وعشوائيات مواقف الرئيس رجب الطيب آردوغان وردود أفعاله غير المحسوبة في السياسات الإقليمية التي ساهمت في إرباك الترتيبات الأميركية في المنطقة، بل أحرجتها سياساته الداخلية الضد ديمقراطية والاستئصالية لكل المعارضات الكابحة لتوجهات استبداد الحزب الأُحادي، وهو ما أبانته الإجراءات الحكومية المتخدة أخيرا ضد منظمة "جماعة الخدمة" الإسلامية التي ألصقت بزعيمها فتح الله غولن تهمة تدبير الانقلاب الذي ما انفك ينفيها من ليلة الانقلاب حتى اليوم. وإذا ما كانت المفارقة في ثوراث الربيع العربي، كما ذكر أحد الكتاب، أنها ثوراث بلا ثوار، فجريا على سنة المفارقات يمكننا القول أن الانقلاب التركي الأخير هو انقلاب بلاقائد أوزعيم، فالانقلابية فيه هي من مكينيزمات الانقلاب ذاته.
التنظيم الموازي أو الكيان الموازي،هو الإسم المخفض القيمة المتداول لجماعة "الخدمة" التي يتزعمها الداعية المقيم في الولايات المتحدة الأميركية منذ 1999 فتح الله غولن المُريد الأبرز من أشهر الدعوة التقوية للمتصوف التركي سعيد النورسي الذي جعل وِردَ طريقته "التعوّذ بالله من الشيطان الرجيم والسياسة" وهو ما تبنّاه له شعاراً الشيخ غولن فلم يؤسس حزبا سياسيا، بل كرّس نشاطه لمحاربة الجهل والأميّة، مدشّنا لجماعية تربوية دعوية تعنى بالتعليم وخدمة الطلاب، لكنها تحولت مع الزمن إلى إمبراطورية ضخمة تضم- فيما قدرته عريضة الدعوى القضائية المقدّمة في حق التنظيم- خمس شركات قابضة عملاقة ضمن أكثر من 9 آلاف شركة وعدد من المصارف، إضافة لعشرات المؤسسات الإعلامية بمختلف أنواعها و17جامعة و96 وقفاً، و900 جمعية وعشرات المدارس خارج تركيا، وميزانية كاملة بـ 150 مليار دولار أميركي!.
المال والمشي المتسلل في ظلال السياسة التي تُركت بالكامل لصدارة حزب العدالة والتنمية مكّن جماعة الخدمة من التغلغل الناعم في كل دواليب الدولة، وفي مقدمتها المصالح الأمنية والشرطية والقضاء وجهاز الاستخبارات، والجيش وكل المؤسسات التي طالتها- حسب الحصيلة النهائية التي أعلن عنها رئيس الوزراء التركي- إجراءات التطهير التي شملت 62 ألفا، تم توقيف 58 ألفاو611 منهم، أُقيل منهم حتى الآن 3 آلاف و400 شخص. فيما صرّح الرئيس التركي بعزم الدولة على متابعة تطهير مؤسساتها من وجود عناصر الكيان الموازي معلنا انتهاء مرحلة التشكيك بإرهابية التنظيم، وبداية مرحلة مكافحته.
مايرشح من تصريحات الرئيس آردوغان الأخيرة أن معركة مميتة لتركيا ستنفتح بين حزب العدالة والتنمية ورفيقه، وشريكه السابق تنظيم "الخدمة" وستكون هذه المرة ساحتها "المدارس الغولنية" ووقودها أبناء شرائح المجتمع الدنيا، الذين يتلقون العلوم الدينية منها والذي يطلون اليوم برؤوسهم في مخيال الرُهاب الأردوغاني جنوداً في ماكينة الانقلابات القادمة.
ما هو متحقق، منه الدور الذي لعبته "المدارس الغولنية"، في مدّ أردوغان وحزبه بالأطر المتعلّمةالتي كانت جسره للاستيلاء على الدولة، فلولا الغولنية لافتقرت الأردوغانية حسب بوزارسلان إلى الدماغ أو الرأس التي بُدئ التفكير في حزّها نهاية عام 2013 حين وجه المحققون والمدعون القضائيون انتباههم إلى المقربين من الرئيس الوالغين في قضايا الفساد. وصبت "الخدمة" أو المنظمة الشقيقة السابقة الزيت على النار وأججت حريق الخلاف، ولكنها لم تعد بنفس قوتها السابقة بعد أن أغلقت الحكومة مدارسها وصحفها، وصرفت 15 ألفاً من موظفيها.
قبل أن تطرأ التوجّهات الفلسفية والصوفية على دراستي في الجامعة عام 1976 حتى انتهائي من بحث الماجستير عام 1986 قادتني اهتماماتي الأدبية المبكرة يوما إلى (مكتبة المدينة) بميدان 9 أغسطس سنة قبل"الثورة الثقافية" التي أستأصلت الثقافة في ليبيا منذ عام 1973 وحتى اليوم، وطالت بالقفل المكتبة المفتتحة حديثا، قرب محطة الأتوبيسات العامة المقضي عليها فيما بعد بالعاصمة طرابلس. ومن الأرفف التقطت مسرحيتين مترجمتين للعربية صادرتين في كتاب عام 1971 عن الهيئة المصرية (الاشتراكية) للنشر والتأليف، كتبهما باللغة الروسية من منفاه السياسي، شاعر تركيا العظيم (ناظم حكمت) الذي بدأ عبر اهتماماتنا السياسية والأدبية المبكرة يبرز أسمه وشعره ونضاله الذي دفع ثمنه سجنا مدة 17 سنة ضد الدكتاتورية العسكرتارية التركية في الخمسينيات، وبدايات الستينيات من القرن 20.
في المسرحية الأولى واسمها (سيف ديمقليس) يورد ناظم حكمت على لسان "ابنة المُشحّم": حكاية أو نادرة (Anekdote) سمعتها من إذاعة "شركة الفواكه المتحدة" تحكي أسطورة شرقية عن عصير التفاح، بطلها أمير شاب جماله باهر الأنظار، أخوته حسدوه كالنبي يوسف فألقوه في بئر. بسرعة البرق، عثر على خروفين أحدهما أسود إذا امتطاه أودى به في القاع، والثاني أبيض عليه اللحاق به ليخرجه من البئر فيقتل أخوته ويلتقي حبيبته فيجلسان على عرش والده الملك و يشربان عصير " شركة الفواكه المتحدة".
غالبا ما لفّقت المؤسسة العسكرية، المهيمنة على الحكومات التركية اليمينية لعقود تُهم المؤامرات لـ"الشيوعيين الأمميين"الممثلين في تركيا بالحزب الشيوعي- الذي نشر الكاتب عمرأبوالقاسم الكللي في صفحته على الفيس بوك بيانه التحذيري للجماهير في 17-7-2016 بشأن الانقلاب- وناظم حكمت الذي اقتبسنا حكايته المستبصرة كان منتميا قبل رحيله عن دنيانا عام 1963 إلى اليسار، التوجّه الذي عادة ما امتطي "خروف حظ أبيض" لتمرير السياسات الإمبريالية في حقبة الحرب الباردة التي انتهت بنهاية الاتحاد السوفياتي. فإذا أهملنا دعاية عصير الفواكه مهنة الرئيس التركي (آردوغان) قبل انخراطه في دهاليز السياسة، وحكاية النبي المحسود من أخوته يوسف، وتمسّكنا فقط بـ "خروف الحظ الأبيض"الاستعارة المتواطئة مع مصير (فتح الله غولن) الذي امتطاه(رجب الطيب آردوغان) بسرعة البرق ليخرجه من بئر الانقلاب نكون قيدنا فكرة المقال بالنهاية وربطنا خروفين بحبل أو حبلين بخروف.
نورالدين خليفة النمر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل