أهم الأخبار

ليبيا المريضة جداً

وفاء البوعيسي | 2016/08/08 على الساعة 17:19

ما هو مستقبل ليبيا بعد الحرب؟
يشغل هذا السؤال بال الليبيين كثيراً في مواقع التواصل الإجتماعي، ومراكز إيواء اللاجئين بأوربا، وبالردهات الضيقة لأحياء النازحين، وعلى جبهات القتال بكل مكان، وحتى في أواسط الليبيين الهاربين للخارج لأسباب مختلفة، هذا السؤال الملحاح يُباغَتُ في كل مرة بالجواب النكوصي ذاته، إنه بالعودة إلى الماضي.
عند مناقشة السوال يتمسك عددٌ من الليبيين بعودة نظام القذافي، مُحتجين بأيام الأمان ووفرة الخدمات والسيادة الوطنية، ويتمسك غيرهم بالعودة إلى حكم الملكية "الشرعي"،أما بقيتهم فيصرون على نموذج دولة النبي وتطبيق الشريعة الإسلامية، وما هي إلا لحظات حتى يشتبك الجميع في شجارٍ مر، حول الماضي الأولى بالإستعادة من غيره، ليتطور إلى عنفٍ لفظي، ويبدأ الكل في لوم الكل على الوضع الذي انتهى إليه، ويشرع كل فريق في تعداد ضحاياه، كمبررٍ أخلاقي لقتل ضحايا الآخر وتخوينهم وتكفيرهم.
معظم الليبيين اليوم (نُخباً وشعباً) واقعون بالكامل في قبضة الماضي، وبالكاد تجد ليبيّاً واحداً، يتمسك بحقه في حجز مكانٍ له بالمستقبل، واضعاً نُصب عينيه أخطاء ذلك الماضي المدمِر، وتجارب أمم أخرى نهضت من رماد حروبها، وحققت قدراً من الديموقراطية والشفافية، وحقوق الإنسان والمواطنة.
في ظني أن المواطن الليبي إنما يعاني من إنعدام الطموح، وتشويش في الذاكرة الوطنية، وضمور في العزيمة، وقِصر نـَفَس سرعان ما يدفعه للتوقف أمام الحواجز، عدا عن إصابته بفصام خطير في الشخصية، فأنصار القذافي يتباكون على الديكتاتورية، متناسين أن أمان القذافي كان كاذباً، يحرسه القمع و البطش والخوف من القتل، لمن يعارض حكماً دمر البلاد حضارياً واقتصادياً، بعد أن حوّلها لمزرعة تحكمها عائلة واحدة، وأن كذبة السيادة الوطنية، لم تصمد أمام بضعة أجانب مأجورين، حقنوا أربعمئة طفل ليبي بالإيدز في بنغازي، ولا حالت دون استيلاء أميركا على برنامجنا النووي "المزعوم"، أما وفرة الخدمات فإن ثلاثة أرباع مدن ليبيا تكذّب هذا الإدعاء.
إن الذين يصرون على عودة نظام القذافي، كانوا قد تخلوا عنه مرتين على مدى تاريخهم، لأنهم مجرد نفعيين بلا مبادئ، فعودة النظام معناه عودة مصالحهم التي انقطعت بسقوطه، وأول مرة تخلوا فيها عنه كانت بمنتصف الثمانينات، أثناء الغارة الأميركية على بنغازي وطرابلس، حين هرعوا لتمزيق ملفاتهم بمكاتب اللجان الثورية، حتى لا يتم التعرف عليهم لو سقط القذافي، والثانية حين انتفضت بنغازي وغيرها في فبراير، فعوض أن يثبتوا مع الرجل ويدافعوا عن نظامه، هربوا لتونس ومصر ونيجيريا وموريتانيا وفرنسا وقطر والإمارات، وتركوه يقاتل لوحده مصدقاً أن معه الملايين. عدا عن أن جبهتهم الداخلية متصدعة ومقسومة على نفسها، تتآكلها مصالح ضيقة وتصفيات داخلية لبعضهم البعض، ولو عادوا للحكم من جديد، فسنرى عمليات أنتقام داخلية وخارجية، وأياماً أشد سواداً من هذه.
أما المتباكين على الملكية "الشرعية"، فإن معظمهم لم يعاصرها ولم يشهد يوماً واحداً من أيامها، كما أنهم لا يقلون سذاجةً عن أنصار القذافي في فهمهم للحل، إذ يكفي عندهم عودة الأمير الغِر من منفاه المُنعم في بريطانيا، ليشق الصعاب أمام الليبيين بغمضة عين، بل لقد نسى هؤلاء أن إسقاطهم للملكية، كان سببه قناعة الليبيين وقتها بعمالتها للغرب، وتخاذلها عن نُصرة قضاياهم القومية والإقليمية، حتى أنهم فرّطوا فيها بسهولة شديده، لصالح حركة الضباط الوحدويين المشبوهة، وتركوا ملكهم الذي يتباكون عليه اليوم، مُبعداً ذليلاً هو وزوجته حتى ماتا في المنفى، وقد كان الملك نفسه ديكتاتوراً آخر نفى بعض معارضيه للخارج، وأنهى متعمداً وجود الأحزاب في ليبيا، التي تعتبر آليةً مهمة من آليات تحقيق الديموقراطية في العالم.
أما المتباكين على الشريعة الإسلامية، فقد سبق لهم وأن رفضوا تطبيقها مرتين، مرةً بزمن القذافي حين وافقوا في المؤتمرات الشعبية (بالتسعينات) على إقرار قوانين القصاص والدية والحدود، والميراث والوصايا وتحريم الخمر والربا، ثم رفضوا تطبيقها على أنفسهم واكتفوا بتطبيقها على الأجانب "الغلابى" ممن لا قبائل ولا وساطات لهم، لتحميهم من الجلد وبتر الأطراف، ومرةً حين رفضوا ممارسات داعش وحركة أنصار الشريعة، اللتان أعلنتا عن نيتهما في استعادة نموذج دولة النبي، وصرخوا في العالم يطالبون دعمه للقضاء عليهما.
لقد أطاح الشعب الليبي بثلاثة أشكال من الحكم، وجلس ليندب حظه بعد كل مرة، فقد رفض الحكم الإيطالي مطالباً بالإستقلال، دون أن يستفيد من نواة الدولة والأحزاب والمؤسسات التي تركها له، لينقلب بعدها على الملكية التي حققت له الإستقلال، رامياً إياها بالعمالة والتفريط في الشريعة، ليعود فينقض على نظام الجماهيرية الشاذ والهلامي، الذي أشاع فوضى إدارية ومالية عارمة في البلاد، وفي انتفاضته عليه كشف عن شخصية خاملة وفاسدة الضمير (إلا ما ندر)، فهو قد انتخب قريبه غير المؤهل، فقط كي يدبر لإبنه وظيفةً في الخارجية، أو في مكاتب وزارة الثقافة في مدن لا توجد فيها مكتبات حتى في المساجد، أو سارع لمنح بركاته لتيارات الإسلام السياسي المشبوهة كي ينجو من غضب الله، وحين طالب بمحاسبة المسؤلين، نسى أنه يتقاضى رواتب عن ثلاث وظائف دون أن يداوم في واحدة منها، أو داوم على لعن فبراير ليل نهار لكنه استعمل علاقاته، للحصول على مِنح ومزايا مالية منها، لينفقها على شاطئ النيل أو شقق تونس المفروشة.
إن الليبيين المتمسكين بالتاريخ، وقد جاءواجميعهم من الأمس بحلوه ومره، وماضيهم تاركٌ فيهم ندبات عميقة، سوف لن يتحرروا من الماضي بقرارٍ عقلي صرف، بل بعمل مدني وسياسي واعٍ وعلى المدى الطويل. نحن في ليبيا بحاجة ماسة جداً إلى حركة حقوقية مدنية، تؤسس القاعدة الفكرية للمواطنة، والإنتماء لدولة قانون، ومبادئ حقوق الإنسان العالمية، وأعني بذلك حركة علمانية مستنيرة ومنظمة تولد من رحم المعاناة، وتستعد لمحاربة تنين بعشر رؤس دفعةً واحدة، توقف رجال الدين عن حد الوعظ والإرشاد في المساجد، تربط نفسها بالجماهير وتنزل للشوارع، وتستوعب الكل ممن لم يتورط في سرقة مال عام، أو تحريض على العنف والمشاركة فيه، فبعد هذا المخاض الطويل وثلاث محاولات شعبية للتغيير بلا جدوى، لم يعد أمامنا إلا التنسيق لها من جهدنا الذاتي ومن جيوبنا، وإلا فلنستمر في القتال من أجل شريعة لن نطبقها، ومَلِك سنعيّره دائماً بأنه عاش بعيداً عن معاناتنا، وديكتاتورية فساد وجريمة لن تزيدنا إلا تأزماً، وقد يقودنا هذا العبث للإنتحار الجماعي البطيء.
وفاء البوعيسي
2016-08-08
* سبق نشر المقال بموقع هنا صوتك
* بامكان القراء التعليق علي المقال بـ (موقع الكاتبة)

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
متابع2 | 11/08/2016 على الساعة 20:17
هات من يسمع
اتفق مع السيدة وفاء فيما قالت ,انا ارى باختصار كلمة واحدة يمكن التعبير بها عن الحالة الليبية وهى : التخلف , اى عدم الخبرة والمتراكمات والموروثاث الثقافيةالسلبية على كافة الاصعدة (القبلية ,الجهوية ,الفهم الخاطىء للدين, الانانية, والتعصب والنفاق والرياء, وحب السلطة والتسلط ولو باسم الدين عدم احترام الاخر) للاسف نحن متخلفون ومظاهر التخلف عديدة لا حصر لها وبامكان المرء ان يدركها في كل مناحى حياتنا اليوميةخاصة بعد سقوط النظام السابق الذى كان يقودنا بالحديد . انظر حالياسلوكيات الافراد في الطريق العام وكيف يسوقون سياراتهم .نحن شعب لاندرك معنى الحرية ولا معنى الوطنية وبالتالى لا اعتقد اننا قادرون على انشاء دولة تزدهر فيها الحياة ونحن بهذه الصورة المقيتة.ربنا يقدر الخير.
berkawe | 10/08/2016 على الساعة 06:02
Libya
I was waiting for so many years for some one who is Intelligent, Gifted, Talented as you are Lady to articulate the Libyan Status as you did in this article. You Lady keep inspiring us. Without your Inputs and you alike in the Libyan affairs, we are so hollow. Keep coming Lady, we read we listen...
ممتعض | 09/08/2016 على الساعة 23:13
سياسة وحقوق وعلمانية ... ثم ماذا ؟ تكملة
وإلا فلن نغرس سوى أشجار وأزهار بلاستيكية ، قد تكون جميلة بل ومخيبة وباهرة ، لكنها دون روح ودون حياة ، فقبل الدعوة إلى التأسيس الحقوقي .. وهي ما يؤكد عبثيتها ولا جدواها ما يكتنف موضوع الدستور منك مماحكات ومماطلات وأعط بيزنطي .. نحن في حاجة إلى ثقافة عقلانية وأخلاقية ، فالقوانين لا تصنع أخلاقاً بل تفتق حيل الجريمة والمجرمين ، وهي تظل عاملاً مكملاً لمداميك البناء الاجتماعي ، ولا تصلح لأن تكون أساساً اللهم إلا .. في ظل ما نعيشه ونعايشه من تدن ثقافي وأخلاقي .. أن نختار أن نجعل البلد سجنا ، وذلك ما كان عليه وضعنا في ظل الاستعمار الإيطالي وفي ظل ديكتاتورية القذافي .
ممتعض | 09/08/2016 على الساعة 22:50
سياسة وحقوق وعلمانية ... ثم ماذا ؟
تخلص الكاتبة في مقالها إلى حاجة ليبيا إلى حركة حقوقية مدنية تؤسس القاعدة الفكرية للمواطنة والانتماء الى دولة القانون وحقوق الإنسان العالمية ، وتعني بذلك .. مثلما تقول .. حركة علمانية مستنيرة تولد من رحم المعاناة ، والواقع أننا قد نتعاطف مع تلك الرؤية ، خصوصاً إذا لم نفهمها كما ينبغي .. وتلك سمة كثيرين ممن يعلنون علمانيتها تبجحاً دون معرفة بما تعنيه حقا ولا إحاطة بتاريخ اللفظ ودلالاته العديدة والمتضاربة حد التناقض أحياناً .. والواقع أيضاً أن الدعوة إلى العلمانية في وسط إسلامي تنطوي على جهل بالعلمانية وبالإسلام معاً ، فجوهرياً ما من تناقض بين الاسلام والعلمانية مثلما يتصور المتأسلمون والمتعلمنون .. ويصورون ، بل هنالك فقط أختلاف في المنطلقات والمسار التطبيقي ، لكنهما معاً يتفقان .. وذلك هو المهم .. على هدف تحرير الانسان من كل ما يحول بينه وبين نفسه ويغربه عن ذاته وعن عالمه ، ثم أن الحقوق التي تريد الكاتبة أن تجعل منها أساساً للدولة المدنية ، تبقى هي نفسها في حاجة إلى رؤى معرفية وثقافية وإلى منظومات من المبادئ والقيم السامية تتأسس عليها ، وإلّا فلن نغرس غير أشجار وأزهار بلاستيكية . يتبع
wael krekshi | 09/08/2016 على الساعة 18:51
bravo
Bravo
د. أمين بشير المرغني | 09/08/2016 على الساعة 16:13
ربما مخرج منطقي
ويبقى سؤال. من يعلق الجرس ؟ من حيث فترةالحكم الملكي فلا أظن أحدا ينكر تواضع و زهد المرحوم الملك إدريس في الدنيا وفي الحكم. ولا أحد تابع فترة حكم القذافي ولا يشهد إن كان صادقا، بظلم وغرائب نظامه وتحيزه وتغليبه فئة على أخرى وسيلة لبقائه في الكرسى حتى يورّث الحكم لأبنائه. ويشهد كيف كانت ثورة فبراير انسياقا واستجابة لدعاوى "الربيع العربي" بقيادات خفية اختلطت واستفادت من انهيار نظام القذافي خاصة أمام التدخل الاجنبي فأساءت إدارة المرحلة الانتقالية حتى أفلست البلاد وسادها الهرج والمرج وانتهت ساحة للمخابرات الاجنبية . ربما ماجاء كتطلع لمستقبل منفتح في آخر فقرات مقالك يختصر الطريق نظريا لخروج البلاد من محنتها. ولكن عمليا لا أظن أن ثورة جديدة ( بتدوير حلبة المسرح) ممكنة أو سيكتب لها النجاح أمام ما هو واقع من تمسك بالمصالح الشخصية والصراع الشديد وانتشار السلاح. انقاذ ليبيا بحاجة الى ممسك. و العودة للشرعية الاصلية ربماهو ذاك الممسك لو طبق كما ورد في أحدى المبادرات بأن يتم استفتاء الشعب على تغيير شكل نظام الحكم أو استمراره كنظام ملكي بشكل سلمي على يد الوصي على العرش بعد خمس سنين انتقالية.
محمد علي المبروك | 09/08/2016 على الساعة 03:08
فخر نساء ليبيا
انت فخر نساء ليبيا ،الأفكار السديدة التي تسطع في مقالك لايملكها الكثير من الرجال والاسلوب المتين الممتع في طرح هذه الأفكار دلالة على طاقة عقلية صافية سامية ،حفظك الله يافخر نساء ليبيا
سراج الدين عينون | 08/08/2016 على الساعة 22:22
ابداع
رغم اختلافي الشديد مع بعض كتابات و اراء البوعيسي لكن لايمكن ولو لحظة التشكيك في براعة و رشاقة قلم البوعيسي. مقال اكثر من راىع شرح وفصل حالة الانفصام الهاىلة التي يعيشها الليبيون ومدى قصر النظر الفكري الذي اصبح متلازمة ليبية بامتياز. شكرا وفاء البوعيسي
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل