أهم الأخبار

أزمة الثقافة في ليبيا

د. علي اعبيد | 2016/08/08 على الساعة 17:17

إذا قدر لك أن تزور واحدة من بلاد الله المتقدمة، ستلاحظ أن الكثير من أهلها من الذين يجلسون في الحدائق، والذين يستعملون وسائل المواصلات العامة، والذين ينتظرون دورهم في العيادات، وحتى أولئك الذين يستمتعون بمناظر الطبيعة كشواطي البحار والجبال يمارسون طقس القراءة والاطلاع. يفعلون ذلك لمتعة القراءة أولاً، وثانيا لاكتساب المعرفة والاحاطة بتفاصيل العالم الذي يعيشون فيه. إنهم أشخاص يمارسون تثقيف الذات، وبحكم الزمن أصبح أغلبهم من المثقفين. تبسيطاً يمكن القول أن هذه الشعوب مثقفة وراقية ومتحضرة. وفي المقابل قد تجوب بلاداً أخرى طولاً وعرضاً فلا تجد مواطناً واحداً يستمتع بقراءة كتاب في حديقة أو يقتل ملل انتظار دوره في حلاق بقراءة مجلة. انتشار الثقافة وتثقيف الذات يمثل واحدة من سمات المجتمعات المتحضرة.
يعرف البعض الثقافة على أنها الحصيلة المعرفية العامة التي يكوّنها الشخص عبر عملية متواصلة لاكتساب المعرفة بوسائلها المتنوعة، وبالنتيجة المثقف هو الشخص الذي يعرف بعض الشيء عن كل شيء. لكن الثقافة في الواقع أعمق وأوسع من مجرد التخزين الساكن للمعلومات. أنها استخلاص السياقات المنطقية والأنساق العقلانية من المعلومات المقرؤة، واستعمالها في بناء قدرات ذهنية فاعلة تساعد على التفكير السوي عبر آليات الاستقراء والاستنباط والتحليل والاستنتاج. الثقافة في معناها الشامل هي عملية استقلاب ذهني لبناء هياكل معرفية وقواعد منطقية تمثل الأفكار. ولعل أبسط مثال توضيحي لها هو عملية التغذية ودورها في بناء جسم الانسان؛ فالطعام يمثل المعلومات، وما يحدث له من عملية هضم وتفكيك لينتج مواد أولية تساهم في بناء الجسم وتجديده، مشابه تماماً للعملية الذهنية لتحليل وتفكيك المعلومات، ثم تركيبها في هياكل وانساق منطقية تمثل الحصيلة المعرفية والقدرة الفكرية للإنسان. مصادر الثقافة هي مصادر المعرفة، لكن الثقافة تنشأ من عملية الفهم والاستيعاب للمعرفة وليس مجرد الحفظ والتخزين.
تلعب الثقافة دوراً محورياً في حياة المجتمعات المتطورة، ولا يعتقد أن أي مجتمع يستطيع أن يحقق أي قدر من الرقي أو يحافظ عليه مالم يكن المثقفون والمفكرون في صلب عملية الحراك المجتمعي، وعلى دفة القيادة السياسية والاقتصادية. المفكرون والمثقفون هم من يخلق الرؤى، ويبلور الأهداف، ويضع الخطط لتحقيق الرؤى في عملية طويلة وشاملة ومعقدة.
فرنسا الحديثة أسس لها مثقفون كبار من أمثال ديكارت وفولتير وجان جاك روسو وباسكال، وبريطانيا أسس لها بيكون وديكنز وراسل واليوت وشكسبير، وألمانيا أسس لها كانط ونيتشه وشوبنهور. والواقع أن ما من أمة حققت قدراً من التقدم إلا وكان مثقفوها في الطليعة، وهي قاعدة ليس لها استثناء حتى في عالم اليوم الذي وحدته العولمة. الشواهد التاريخية أكثر من أن تحصى على أن حضارات الأمم قامت على أفكار وابداعات وابتكارات المثقفين والمفكرين والعلماء. ورغم الاختلاف النسبي بين المثقف والمفكر والعالم الناتج عن طبيعة المعرفة التي يكتسبها كل منهم، ومدى التركيز عليها في الإتجاهين الأفقي والرأسي، إلا أن السمة المميزة لهم جميعاً هي القدرة على استعمال المعرفة في عملية التفكير والعقلنة. ويصبح الفرق بينهم غير مهم وظيفياً ما دام جميعهم قادراً على تبصر الطريق إلى تقدم ورقي المجتمع.
الأمم المتقدمة تفاخر بمفكريها ومثقفيها وعلمائها، وتعتبرهم رأس مال حقيقي لا يقدر بثمن، لهذا تتيح لهم فرص الإبداع الفكري والإنتاج المعرفي، وتسن القوانين وتضع النظم التي تشجع المواهب على الظهور والتميز. ولا تستنكف من تطويع البنى الاجتماعية ومنظومة القيم وهياكل الدولة لتسهل على الفئات المثقفة الانخراط في عملية فرز ارتقائي يؤدي إلى بروز العناصر الأحسن والأفضل، ويمكّنها من تقلد الأدوار الريادية والقيادية في المجتمع.
وعلى الجانب الآخر، لا ينكر عاقل وجود ارتباط قوي بين تخلف الأمم واهمال الثقافة والمثقفين. ومن النادر جداً أن نسمع بمفكر أو عالم متميز ينتمي إلى بلاد متخلفة لا يهجرها إلى بلاد أكثر رقياً تحقق له ذاته وتستفيد في المقابل من مقدرته وابداعه. وما هجرة العقول التي يعاني منها العالم الثالث إلا عاملاً أساسياً في تقدم الدول المتقدمة، كما هي عاملاً أساسياً في تخلف الدول المتخلفة. ولعل ذلك أكبر دليل على أن الثروات الطبيعية والكتلة البشرية، مهما تعاظمت لدي أي أمة، لن تكون ذات قيمة حقيقية مالم يمارس المثقفون دورهم في عملية استغلالها والاستفادة منها عبر التخطيط والتنظيم والإدارة.
من سؤ حظ بلادنا أنها عبر تاريخها بكامله لم تهتم بالثقافة، لا على المستوى الفكري ولا على المستوى الاجتماعي؛ فمنذ تشكّل ملامح الكيان الليبي قبل نحو ثلاثة قرون لم تحض الثقافة والمثقفون بأي أهتمام. فقد انحصرت المعرفة في تعليم ديني تلقيني لا يخرج عن إطار حفظ واستظهار ما قاله الأولون عن المظاهر الدينية وطقوس العبادة، لا دور للعقل فيه إلا دور الحافظ والناقل والمجتر. كان المجتمع الليبي، كما بقية المجتمعات العربية الاسلامية، يعيش حالة من الهمود الحضاري المتواصل عبر عملية تكرار رتيبة لا تجديد فيها لما جاء في كتب الأقدمين، لا يخرج عنها أبداً. حتى أن تداول القرون الطويلة لم يكن له أي تأثير، ولا يكاد يغير شيئاً في حياة الناس. أما على الصعيد الاجتماعي، فكانت رتابة المنظومة الاجتماعية وقيمها المتكلسة لا تسمح لأي نوع من الأفكار الجديدة بالتوطن والانتشار، وكان المجتمع كالآلة المبرمجة مسبقاً لا يمكنه الخروج عن المألوف والمعروف والمعتاد الذي تحول مع الزمن من عادة وتقليد إلى شيء مقدس. حالة الجمود الاجتماعي شكلت غلافاً متيبساً لا يسمع للثقافة، وما تحويه من تفاعل الآراء والأفكار، بالنفاذ إلى قلب المجتمع والتحول إلى فعل تغييري وتطويري. في الوقت الذي كانت فيه مجتمعات الضفة الشمالية للمتوسط تحقق قفزات هائلة، وتنفض عنها غبار القرون الوسطى في عمليات تجديد وإبداع متواصلة، مست كل شيء بما في ذلك الهياكل الاجتماعية والسياسية، وأساليب الحياة وطرق التفكير.
ولأن الثقافة تخلق الفضول وتدفع صاحبها إلى طرح الأسئلة، بما فيها الأسئلة الصعبة، من نقد للواقع وتوق إلى مستقبل أفضل، سرعان ما أصبح المثقفون، على قلتهم، في حالة تصادم مع قوى الجمود والتخلف والاستبداد التي يهمها عدم الخروج عن المألوف، ومنع التنور، ومحاصرة وعي الناس وادراكهم لبؤس واقعهم، من أجل مصالح هذه القوى ومآربها الضيقة.
في حربه الشعواء على الثقافة كان نظام القذافي متميزاً في شططه، فلم يترك وسيلة إلا واستعملها؛ من وصم المثقفين بالعمالة للأجنبي، إلى الاتهام بالزندقة والخروج عن الدين، إلى الإدعاء بإنتماء المثقفين إلى مدارس فكرية هدامة، وهذه الأوصاف والاتهامات تستدعي الاعدام أو السجن أو النفي والتشريد. ولم يتورع في ابتكار مناهج وأنساق لثقافة مشوهة مزورة ومدجّنة حاول أن يغرسها بديلاً عن الثقافة الحقيقية، ويصنع عبرها أتباع وأشياع يحارب بهم البقية الباقية التي أصرت على تحدي السجون والتنكيل والمطاردة.
إثر ذلك ظهرت فئة جديدة من مثقفي السلطة مع بداية الثمانينات سِمتها الغالبة تواضع الحصيلة المعرفية، وضعف البعد الفكري، وهشاشة التحليل والتقييم، وفوق ذلك أنها تتلقى الإلهام عبر الهاتف وتفعل ما تؤمر، ولا تقول لا، أبداً. شكلت هذه الفئة عماد الكتّاب في الصحف المعدودة التي أسسها النظام وحافظ عليها لتمثل أبواق للاطراء والتطبيل، وطواقم الاعلام الجماهيري، وبحّاث ما يسميه النظام بالمركز العالمي لأبحاث الكتاب الأخضر.
 إينما ظهر هؤلاء المثقفون المزورون أثاروا السخرية والازدراء؛ فمن فرقعات أحمد ابراهيم، إلى بذاءات فوزية شلابي إلى خزعبلات امبيرش إلى أساطير بودبوس. هؤلاء وآخرون مثلهم جعلوا المتلقي يتساءل: ألا يستحي هؤلاء؟ كيف لهم أن يورطوا أنفسهم في حرج يندى له جبين الثعلب؟ ولعل المومياء المتحركة حمزة التهامي، الذي أتحف الليبين بسطحية منقطعة النظير في عروض مثيرة لمسرح اللامعقول وفن القراقوز الهابط، هو واحد من نتائج هذه الثقافة المشوهة المزورة.
أدت الحرب على الثقافة والمثقفين في ليبيا إلى إنحسار ساحة الثقافة انحساراً شديداً، ودفعت من سَلَم من المثقفين من البطش إلى الانكفاء والتقوقع. وبالمقارنة كان المشهد الثقافي الليبي في الستينات يعج بالحركة والنشاط في المسرح والنوادي الأدبية والصحافة وحركة النشر، وتنتشر المكتبات والمراكز الثقافية في كل مدينة وقرية ليبية. تلاشى كل ذلك باضطراد حتى أصبح هذا المشهد مع نهاية التسعينات قاعاً صفصفاً، وخلاءً موحشاً يعج بالبابغاوات والغربان التي تنعق بمناسبة وبلا مناسبة في جوقات التطبيل والمدح التي لا تنتهي لسيد الاستبداد ونظامه. أختفت المراكز الثقافية، والنوادي الأدبية، وتقلصت الحركة المسرحية، واضمحلت حركة النشر حتى أن عدد عنواين الكتب المنشورة سنوياً في مطلع التسعينات لم يتجاوز المئة عنوان، بينما نشر لبنان الذي كان لايزال يعاني من الحرب الأهلية آنذاك، وفي نفس الفترة نحو خمسة ألاف عنوان (بريطانيا كانت تنشر 80 ألف عنوان). هذا مع أن المفترض أن تكون الثقافة في التسعينات أكثر انتشاراً وتوطناً مما كانت عليه في الستينات بسبب التطور التقني والمعرفي وما وفره من وسائل لإنتاج ونقل ونشر المعرفة.
ومن المفارقات أن انحسار الثقافة ومحدودية الحصيلة المعرفية شمل خصوم النظام السابق أيضاً. فرغم جهودهم في تأجيج الثورة واستمرارها حتى اسقاط الاستبداد، إلا أنهم لم يكلفوا أنفسهم تثقيف الذات وتنمية القدرة على التبصر والتفكير وحسن التدبير. وعندما وجدوا أنفسهم يتحكمون بمفاصل الدولة لم يكن أمامهم إلا الاجتهاد الساذج فدخلوا في حلقات من العشوائية والتخبط. فقدان الرؤية، والجهل بفن إدارة المؤسسات، وسوء اختيار العناصر القيادية، وعدم القدرة على ترتيب الأولويات وإدارة الآزمات أدى إلى أخطاء كبيرة وأهدر ثروات هائلة، وكان أن ولدت معالجة هذه الاخطاء أخطاءً أخرى، لتنتج فيما بعد ظاهرة الحلقة المفرغة.
يمثل ما حدث للثقافة في تلك الحقبة السوداء من تاريخ ليبيا سبباً رئيساً في حالة الفوضى التي تكتنف ليبيا اليوم منذ خمس سنوات؛ فلو كانت في ليبيا حركة ثقافية مزدهرة ونخب مثقفة راقية لما انتشر هذا الكم من الفوضى بهذه السرعة، وربما لتقدم المثقفون والمفكرون لقيادة الجموع إلى تحقيق دولة القانون والمواطنة والديمقراطية.
اليوم تحتم الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها ليبيا أن تولي مؤسسات الدولة اهتماماً خاصاً بالثقافة، ادراكاً لما فات واستثماراً في المستقبل. لابد من استحداث مشروع وطني لنشر الثقافة، تطرحه الدولة بالمشاركة مع مؤسسات المجتمع المدني والجامعات والنخب المثقفة. تحدد فيه الأهداف والمراحل، والخطط التنفيذية لكل مرحلة. يرتكز استراتيجباً على رعاية الفنون والعلوم والآداب، وعملياً على نشر المكتبات والمراكز والنوادي الثقافية والمسارح، وتسهيل حركة النشر ودعم الكِتاب. وفي ذات السياق تؤسس المتاحف والنوادي العلمية والرياضية وفرق الفنون في كل مدينة وقرية، وتقام مهرجانات وكرنفالات الثقافة على مدار العام وعلى امتداد االجغرافية الليبية. ولعل كل هذا يبدأ بتخصيص وزارة حقيقية للثقافة، وليس وزارة ورقية لا تكفي ميزانيتها كاملة لبناء قاعة مسرحية واحدة.
د. علي اعبيد
وزير التربية والتعليم السابق
طرابلس

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
ليبي ليبي | 09/08/2016 على الساعة 13:25
فعلا مشكلتنا الثقافة
لقد نسى كاتبنا ذكر اكبر عالم ومثقف صال وجال في التلفزيون الليبي وانارنا بفكره وعلمة انه خادم ملك ملوك افريقيا وشاعره الذي لايشق له غبار ( العزومي).
مختار الرابطي | 09/08/2016 على الساعة 06:24
فشل ادارة الكتاب
منذ قيام الثورة الملعونة ووزارة الثقافة التى تولاه من انصاف المثقفين الذين ليس لهم علاقة بالثقافة من بعيد او قريب وهؤلاء لم يصدر في عهد اي كتاب مفيد على الرغم من ان ادارة الكتاب سلم لها عشرات المخطوطات الثقافية والادبية ولكن مدير الادارة الاستاذ محمود اللبلاب يقول الوزارة عاجزة عن دفع رواتب الموظفين فما بالك باصدار الكتب وبهذا ماتت الثقافة في ليبيا نحن فعلا كما قال الاستاذ الفاضل البهلول في حاجة الى رؤس جديدة .
Ghoma | 09/08/2016 على الساعة 01:36
People Producr Culture not States
Maybe some of what you said is there, but not because of the reasons you mentioned. Libya, and in fact, the whole parched dry statelets in the desert, have always scraped merely a life of subsistence, never enough to produce culture in its material or otherwise manifestations. If you notice there're no major historical cities, monuments nor art in general, philosophy, or much of literature either, and dearth of thinking in general. Now, this poverty cannot be overcome overnight, nor the state is the right one to address it. It's rather to come from you and me and everyone else. Public libraries, theaters, stadia, and the endless others nooks and crannies that may encourage thinking and creativity have to be established by the people through each and every means they can muster. Thus not through bureaucracy or nanny states but rather let one hundred flowers bloom, let freedoms take hold to unleash the energies of each and everyone and you'll have America in every corner of the planet,
د. عمارة علي شنبارو | 08/08/2016 على الساعة 22:34
عبق الزمن الجميل
من بين ثنايا هذه السطور .. يفوح عبق تاريخ ليبياالمشرق قبل قدوم الطوفان المدمر.. هل لتلك الأيام الخوالي أن تعود .. لتزدهر الثقافة وينطلق الفكر .. يبدع ويتألق ويرسم للأجيال مسار زمن جميل قادم.
البهلول | 08/08/2016 على الساعة 20:25
بلاد كل الازمات
ليبيا دون بلاد العالم هي بلاد كل الازمات ازمة في السياسة وفي الاقتصاد والصحة والتعليم والكهرباء والسيولة والدواء واستخراج جواز السفر وازمة في الرواتب وازمة في الامن وازمة في الاخلاق وازمة في الفهم ازمة في الثقافة وازمات في كلشي ماهو الشي في ليبيا الذي ليس فيه ازمة ؟ حتى نتحدث عن ازمة الثقافة ليبيا كلها غلط في غلط نريد ان نتحدث عن كيفية اخراج ليبيا من ازماتها القاتلة والله سمعنا ان هناك عملية نحجت وهي نقل راس من جسد مريض الى جسد اخر والله ياريت هذه العملية تتم بشكل جماعي في ليبيا استبدال رؤسنا برؤس من نوع اخر ربما يمشى الحال فما راي الدكتور على اعبيد الذي ترك لنا ازمة في التعليم سترافقنا مدى الحياة فهل تجرب عملية نقل الرؤس ؟
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل