أهم الأخبار

مجيد الصيد: صورة وحكاية

مجيد الصيد | 2016/08/04 على الساعة 10:59

في قيلولة يوم من أيام الصيف الشديد الحر، جلس فتحي على فراش المندار في الدارالعربية لبيته، توسّد المخدة وبدأ يتصفح هاتفه الذكي، هاتف أخرموديل إقتناه منذ يومين،... خارج البيت، إكتسحت درجة الحرارة  حاجز الاربعين درجة مئوية  ولولا وجود المكيف لكان يوماً كاريثياً، يبدو أن الجميع تعوّد على التكييف فأصبح كالاكسيجن الضروري للحياة،... كان فتحي يتنقل بين المواقع الالكترونية كمن يسابق الزمن، يبدو أنه يريد إستغلال الفرصة قبل أن ينقطع التيار الكهربائي من جديد، كان بقربه أبنه الصغيرفؤاد ذو الخمسة سنوات من العمر، حبيب ابويه وإخوته، ليس فقط لانه صغير العيلة، بل لانه يعاني من مرض التوحد، لحسن الحظ تم تشخيص المرض مبكراً، فأدى ذلك إلى تدارك المرض من خلال العلاج والمتابعة ليجعل من حالة فؤاد في تحسن مستمر،... يبدو أن الطفل يملك قدرات تكاد ان تكون خارقة، أهمها تنحصر في إستخدام أجهزة التكنولوجيا و منها العاب الفيديو المختلفة،... هاهو فؤاد جاساً أمام شاشة البلازما الضخمة، يلعب بالبلي ستيشن بجميع حواسه، يتحرك يميناً ويساراً، أحياناً يصرخ ويحتج على كل مرحلة يقوم بها في لعبته المفضلة "إقبض على اللص"، دخل طارق (الابن الأكبر) إلى الحجرة، (مراهق ومشاكس من الدرجة الاولى)، بحث قرب التلفزيون، سأل  فؤاد عن جهاز الشحن الخاص بهاتفه، لكن الصغير لم يجبه لسبب إنشغاله بلعبة الفيدو، أعاد طارق سؤاله، " فؤااااد، وين درت جهاز الشحن يا فؤاد"؟
لم يأبه فؤاد بسؤال طارق، ليس لسبب إلا لإنشعاله بالتصويب على اللصوص،... نفذ صبر طارق فوقف أمام شاشة التلفزيون وحجبها عن عينا فؤاد، وسأله للمرة الثالثة "وين درت جهاز الشحن"،... حينها إنتبه الصغير إلى أخوه، وبنرفزة عابرة أشار بسبابته إلى فيشة موجودة بالركن المقابل للحجرة، حيث تتدلى خيوط المكيف.
"غادي، تحت المكيف!،... حوّل من قدامي، بابا قوله يحوّل من قدام التلفزيون".
إلتفت طارق إلى الركن فرأى جهاز الشحن، إبتسم ولم يخرج من الدار إلا بعد أن صفع أخيه فؤاد صفعة لطيفة على "العنفقة" مازحاً ومستفزاً إياه، هرب بعدها ضاحكاً تاركاً أخاه يصرخ مستنجداً أباه.
"آآآآآييي، قوله يا بابا!.
عاد الهدؤ إلى الدار فلا يُسمع سوى دوي الرصاص الصادر من لعبة البلي ستيشن، بعد لحظات، إقترب الاب من فؤاد ليريه صورة وجدها في أحد المواقع الليبية، عبارة عن صورة قديمة لطفل ليبي وهو يلعب بعجلة بشكليطة قديمة (دراجة).
شوف الصورة يا فؤاد!
نظر فؤاد لوهلة إلى الصورة، لكنه ما لبث أن عاد إلى لعبته، فقد كان منهمكاً في مطاردة لص خطير،...
شوف شوف!، أصر الاب ليلفت نظر إبنهأأأأأ، تمتم فؤاد وإستمر في مطاردة اللص على الشاشة.
لما كنت صغير زيّـك، هاذي كانت أحسن لعبة عندي!، قال فتحي محاولاً جلب إنتباه إبنه.
نظراً لاصرار والده، وضع فؤاد اللعبة في وضع ستاند باي، والتفت إلى الصورة على الهاتف،...
- شن هذا؟، سأل فؤاد والده.
- لعبة!
- هاذي لعبة؟؟؟؟، كيف يا بابا وين عجلة البشكليطة الثانية، مش طالعة في الصورة!
- بعجلة وحده!، أجاب الاب.
- كيف؟، أأأ، هكي كانت بشاكليط قبل، بعجلة وحده بس؟
- لا يا فؤاد، هاذي لعبة مش بشكليطه...يعني عجلة بشكليطة يلعبوا بيها.
نظر فؤاد الى الصورة، في هذة المرة بتمعن وسأل والده...
- وكيف تلعبوا بيها؟
- بعصا!، أجاب فتحى على سؤال إبنه.
- كيف بعصا؟ (مستغرب).
- إيه بعصا،... أو نربطوا العجلة بتل غليض وندفوها ونجروا وراها!
وعلق المشاكس طارق على كلام والده وهو فايت أمام الباب، "هههه بتل زي تل جعودة!.
مسك فؤاد هاتف والده ونظر إلى الصورة، خمن قليلاً وأطلق ضحكة عالية...
- ههههههه، هادي لعبة؟!، ما فيهاش جو، وين المتعة؟
- إيييه أمالا شنو، كنا نديروا بيها في سباقات!
- هههه، مش زي سباقات العاب البلي ستيشن... علق فؤاد ورجع للعبة الفيديو.
أنسحب فتحي من الجدل مع إبنه، كانت علامات الهزيمة تحوم حوله، لقد فشل في توصيل المعلومة لابنه من خلال محاكات ذكريات الطفولة،... قال لنفسه "إنها سُنة الحياة، لقد تغير الحال، لكل جيل طريقته في اللهو واللعب، تنفس الصعداء وهو ينظر إلى تلك الصورة، ومنها إلى إبنه الصغير، هذا حال الدنيا، ربث على رأس إبنه وعاد إلى مكانه".
فجأة، إنقطع التيار الكهربائي فإنطفأت البلي ستيشن والتلفزيون وجهاز التكييف... غضب فؤاد،... "حيييييه الضي هرب"!
- يا والله حالة وخلاص، في هالبلاد بنرجعوا نتنقلوا عالحمير ونطيبوا عالحطب وممكن ناكلوا الفكريش!
دخلت زوجة فتحي قلقة،... "الغسالة وقفت، إن شاء ما انحرقش ماتورها زي الثلاجة!
مرت الدقائق، طلب فؤاد الهاتف من والده ليعلب به، رفض فتحي  محذراً إبنه... "لا يا حبيبي، ما تمساش، كان تلعب بيه الشحن يكمل بسرعة، الياتيرك هارب وإشبح أمتى يرجع"...
بمرور الوقت إزداد ملل فؤاد، لحسن حظه، طلت العشية بجوّها المعتدل، خرج فؤاد إلى جنان بيتهم بعد أن وضع جهاز البلي ستيشن في مكانه،... ولم تمر إلا لحظات حتى قرر فتحي الخروج للقاء الأصدقاء في قهوة المنتزة،... وعند عبوره حديقة المنزل كانت المفاجأة أمامه، حيث رأى إبنه فؤاد وبيده عجلة "بشكليطة" قديمة  كانت مركونة على سياج الحديقة، وما أن راي الطفل والده حتى إقترب متسائلا: كيف قلت يا بابا ؟، كيف كنتوا تلعبوا بيها!؟
إبتسم فتحي والتقط غصن يابس من جريد نخلة، كسر قطعة صغيرة من الغصن ووضعه على العجلة ودفعها أمامه، فهم فؤاد الفكرة بسرعة وشغف، أمسك بالعصا والعجلة وبعد محاولات قليلة أستطاع ان يتقن الركض بالعجلة، وما هي إلا لحظات حتى إنطلق بها بإتجاه مدخل البيت ومنه إلى الزنقة الترابية، فرحاً وهو يصيح بأنداده: "حول أنت وإياه، حوّل من الطريق، جاكم فالينتينو روسّي!

مجيد الصيد
* الصورة من أرشيف جريدة ميادين، "يا حسرة، ليبيان اولد ستاف"

 

كلمات مفاتيح : مجيد الصيد، قصص قصيرة،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل