أهم الأخبار

اسرار كشفتها المحاولة الانقلابية في تركيا (1)

محمد بن نصر | 2016/07/30 على الساعة 11:40

قد يكون الوقت مبكراً جداً لدراسة هادئة لمضامين وعواقب المحاولة الانقلابية في تركيا، لأن الأمة انقسمت بشأنها بين متأسف لفشل المحاولة ومبتهج لذلك، وهوما يحول دون نقاش عقلاني مفارق للرؤى الاحادية!
ومع ذلك هناك من المواضيع ما يمكن مناقشته بهدوء حتى في اشد الاوقات حرجاً، لأنه موضوع علمي ولا علاقة له بنجاح أحد أوفشله، وفي هذا السياق سأناقش بعض الاسرار التي اذاعها الانقلاب بطريقة غيرة مباشرة، اذ لا فائدة في أن تظل هذه الاسرار طي الكتمان لأنها مسائل علمية، وليست مواضيع عاطفية، تراعى فيها مشاعر الموتور.
السر الأول متعلق بجوهر العمل السياسي وهو "الصراع"، وحقائق هذا السر غائبة عن الجميع تقريباً؛ والسر الثاني متعلق بازدواج الموقف من الديموقراطية، عند بعض الليبراليين العرب؛ وهذا الموقف انكشف بشكل لا لبس فيه لحظة فشل المحاولة! والحديث هنا عن "النخبة الليبرالية"، لأن رجل الشارع ربما لا يعرف الليبيرالية، ولا يأبه لها، فهومشغول بقوت عياله أغلب الوقت.
أولاً: جوهـر العمـل السيــاسـي (الصراع)
لا توجد مدرسة تؤهل المقدمين على العمل السياسي، فبإمكان أي سباك أونجار أن يترك السباكة أوالنجارة ويتحول إلى العمل السياسي مباشرة! وهوما لا يمكن تصوره في المهن الأخرى؛ فلا يستطيع سباك أونجار مثلاً أن يتحول بين عشية وضحاها إلى جرَاح، لأن الطب مجال لا يُفتح إلا أمام أهل الاختصاص الحاملين لشهائد علمية تثبت تأهلهم وخبرتهم. فتح مجال من المجالات أمام الناس كافة هوما يجعله ميدان صراع، وهذا هوشأن السياسة، فهي ميدان مفتوح للص والأمين، للصادق والكاذب، للعاقل والسفيه، للمتعلم والجاهل!
من جهة أخرى؛ قد يعمل إنسان بسلك التعليم أوالصحة لاربعين سنة، فقط ليرى عسكرياً (أحياناً عريف أورئيس عرفاء) يعين وزيراً للتعليم أوالصحة بحجة أن الوزارة منصب سياسي، فالخبرة قد تساعد صاحبها في ارتقاء السلم الوظيفي، لكنها ليست معتبرة وحاسمة في الميدان السياسي حيث يعتمد الصراع على القوة وليس الخبرة!
وقد يكون من المناسب هنا التذكير بأن مصطلح "السلطة" في المدرسة الأوربية/الغربية يحمل معنى "القوة"  في اللغة الانجليزية Power والصراع على السلطة يمكن فهمه على أنه صراع قوة أوصراع على القوة-السلطة power struggle أما في اللغة الفرنسية فمصطلح السلطة يحمل معني القوة والقدرة !Le pouvoir فالمفردة الفرنسية تعبر عن السلطة اصطلاحاً، لكنها أسم إذا عُرفت، وفعل اذا سلمت من اداة التعريف.
أما في البلاد المتخلفة، فإن الصراع السياسي يعني ليس الصراع على السلطة تحديداً، وإنما على الثروة كذلك، فالسلطة في البلاد المتخلفة تعني "عدم المحاسبة في باب الثروة"! وهكذا يتجاوز حجم الفساد في مصر مثلاً خمسمائة مليار جنيه سنوياً، يستولي الجيش على أغلبها لأن ميزانية الجيش المصري لا تخضع للرقابة، ولا تناقش، لا في البرلمان ولا في غيره!
ما معنى أن يكون الصراع هو جوهر العمل السياسي؟
الصراع كجوهر للعمل السياسي معناه أن وسيلة الحسم في هذا الميدان هي القوة، ويستوى في ذلك أن يكون الصراع على السلطة فقط (كما في البلاد المتقدمة) أوعلى السلطة والثروة (كما في أوطان التخلف)... وتتدخل القوة في حسم الصراعات السياسية بثلاثة طرق: الاغتيال، والانقلاب، والصندوق:
1) الاغتيال:
وهو أسوأ وسيلة من وسائل حسم الصراع السياسي، فما تم اغتيال سياسي إلا وكان ما بعده أسوأ مما قبله، مثلما كان اغتيال امبراطور النمسا الشرارة التي اشعلت الحرب العالمية الأولى. أما في تاريخنا السياسي فتمتد الاغتيالات من قتل عثمان رضي الله عنه إلى قتل السادات رحمه الله، فكل ما بعد هذه الاغتيلات كان أسوأ مما قبلها. ولا يقف ذلك عند قتل القادة السياسيين، وإنما يشمل قتل أصحاب الرأي من المعارضين أوالخصوم كذلك (عبد القادر عودة في مصر والمهدي بن بركة في المغرب) فالقتل ليس حلاً لا للحكومة ولا للمعارضة ولا للأمة، فهوتنفيس مؤقت لا يحل مشكلة لا للحاكم ولا للمحكوم. وأسوأ نوع من أنواع هذا القتل هوالذي يتم بموجب محاكمات صورية يتم فيها إلباس الظلم ثوب العدالة (سيد قطب في مصر، وعلي بوتوفي باكستان)!
2) الانقلاب:
وهوتعبير سياسي عن التخلف، فالإنقلاب، وحتى الثورة، تعبير عن جهل عمومي يجعل مجتمع ما غير قادر على حل مشاكله بغير القوة/العنف؛ وفي هذا السياق تتساوى الثورة والانقلاب على اعتبار انها وسائل دموية للتغيير في مجتمع وصل إلى نهاية طريقه المسدودـــ انتظروا الانفجار في الجزائر، فهي في طريق مسدود بلغت فيه الأمور نهايتها المحتومة! فبعد عشرية دموية اقتنع الشعب الجزائري بالاكتفاء بالبحث عن القوت كمعنى للحياة! وألآن تشرف الجزائر على مرحلة تقشفيه تجعل المساس بالقوت الخط الأحمر الأخير الذي تقطعه حكومة على رأسها مومياء فوق كرسي متحرك! قديماً كانت الجزائر سائرة في طريق النمو، أما اليوم فهي سائرة في طريق الانفجار - هذه هي الجزائر كنموذج معاصر للتخلف!
3) صندوق الاقتراع:
والحسم من هذا الطريق يعتمد على الاحتكام إلى الرأي العام كقوة مدنية تحل محل القوة المادية (السلاح) في حسم الصراع على السلطة. ويعتمد نجاح هذا السلوك على عاملين: أولهما نضج الشعب، وعلى النحوالذي شاهدناه في تركيا؛ فهي المرة الأولى، التي يتحرك فيها الشعب لصالح الحكومة المنقلب عليها، بعد تاريخ طويل من السلبية تجاه الانقلابات العسكرية. وثانيهما نضج النخبة واتحادها في الوقوف وراء خيار الصندوق، وهذا هوما شاهدناه من رفض الجميع في تركيا ( شعب وحكومة ومعارضة وصحافة) لمحاولة الانقلاب.
وهذا لا يوجد مثله في مصر، لا على مستوى الشعب ولا على مستوى النخبة، حيث رحبت الغالبية بالانقلاب، الذي خلص المصريين من الإخوان الذين عجزوا عن أن يصلحوا في سنة ما أفسده الجيش في ستين سنة. ولا تثريب على عامة المصريين (الذين يتجرعون مرارة العيش على مدار الساعة وأغلب همهم اليومي توفير القوت) في أن يقفوا بجانب المخلص: (الجيش؛ وهومجرد صنم من أصنام القبيلة؛ يُعبد بالرغم من مسؤليته عن الهزائم والأزمات)!
وعلى خلاف حال العامة من االمصريين، كانت المحاولة الانقلابية في تركيا المناسبة-الفضيحة للنخبة الليبرالية في مصر، التي أعلنت عن خفتها بالابتهاج بالانقلاب التركي قبل نجاحه، وبالأسف عليه عند اخفاقه. وهذه الخفة لا نجدها عند إدارة "الثورة المضادة" للربيع العربي، فقد أعطى بنيامين نتنياهوتعليماته الصارمة بعدم التعليق على ما يحدث في تركيا، حتى لا ينتبه الغافلون ويستيقظ النائمون فيعرفوا من هوصاحب المصلحة في الانقلاب على الربيع العربي وداعميه! وهذا يوصلنا إلى ازدواج الموقف عند الليبراليين العرب الذين أعلنوا قبل الأوان ابتهاجهم بانقلاب ان نجح لا يستفيد منه سوى دولة بني اسرائيل!
 ثانياً: موقف الليبراليين العرب (الازدواج)
لا خلاف في أن الليبرالية مدرسة غربية، وستظل كذلك وإن تبنى فكرها غير الغربيين! ومن شأن الفكرة الليبرالية، وهي تنتقل إلى البيئة الاسلامية، ان تحمل في طياتها خصائص الحضارة التي انتجتها ومن بينها "الفصل بين السياسة والاخلاق"، كمبدأ معتمد منذ مكيافيللي على الأقل.
الحضارة الغربية، وهي تعلم السياسة لابناء المسلمين، لم تعلمهم كيفية اخفاء انعدام الاخلاق في السياسة (المعبر عنه بالفصل بين السياسة والاخلاق). ولذا انكشف التلاميذ في الوقت الذي احتفظ فيه الاساتذة بوقارهم حتى انجلى الغبار، وبان الفرس من الحمار! لقد انتظر الغربيون حتى فشل الانقلاب، ليعلنوا دعمهم للديموقراطية في تركيا؛ والله يعلم أنهم أحرص على نجاح الانقلاب من خفاف العقول الذي اعلنوا أسفهم لفشله، وتمنوا نجاحه بصدق ساذج!
ولم ينكشف الاخفاق الاخلاقي، للموقف الليبرالي العربي، بتمني سقوط الحكومة المنتخبة في تركيا بانقلاب عسكري فقط، بل أيضاً بالتباكي على الديمقراطية التي تتهددها الاجراءات القانونية اللاحقة. فالرئيس المنتخب أصبح يلقب بـ"السلطان" في إيمائة لا تخفي أن الخوف ليس على الديمقراطية، وإنما الخوف منها، لأنها كفيلة بأن تحمل، إلى الحكم، الاسلاميين القادرين على البقاء بحكم الصندوق. وتجمع هذه الخشية الليبراليين العرب والاسرائيليين في حلف موضوعي، وأن لم يدرك العرب ذلك، لأنه غير موجود في دفاتر الحضارة الغربية المتوفرة للقراءة!
عموماً؛ لا اعتقد أن الليبراليين يسعهم - أخلاقياً - تمني زوال الديمقراطية في الصباح، والبكاء على أطلالها بعد الظهر، وفي نفس المكان (تركيا)!
سوء التجربة الاسلامية في مصر أعطى لليبراليين غطاءً كافياً لقصورهم الاخلاقي، أما التجربة التركية فقد عرتهم بشكل فاضح!
ومما يزيد طين الليبراليين بلة أن تركيا ليست تجربة سياسية ناجحة على مستوى الشعب والنخبة فقط، وإنما لأن تركيا تجربة مذهلة على المستوى الاقتصادي، وهوما يجعل اردوغان يربح خيار الصندوق بأصوات الاسلاميين وغير الإسلاميين! ولا أعتقد أن غلاة العلمانيين، الذين يختفون وراء لافتات من نوع "الليبرالية" و"الدولة المدنية"، بإمكانهم هضم هذه الحقيقة، لأن الليبرالية، مثل الديمقراطية، يمكن أن تعمل في بيئة إسلامية، إذا صدقت النوايا، وهذا هوما لا يطيقونه! هولاء يطيقون إسلام التكايا والزوايا، إذا اقتضى الأمر، أما الاسلام الذي يعمل، والإسلام الذي يحكم فهو، بالنسبة لهم، أكثر مما يطاق!
محمد بن نصر

Ghoma | 31/07/2016 على الساعة 00:01
Wrong on Many Things
Yo! Instead of wasting your time and ours, do your homework and read some history of thought (ideas) before you screed this nonsense drivel. Liberalism does not mean the separation of state from ethics, rather state from religion, secular states have their morals! To your information, ethics or morals were older than religions. Hammurabi's code and Greek philosophy, Chinese Confucianism ,etc, were way before the Axial Age as Karen Armstrong described it. Erdogan was not the savor of Turkey but rather a bizarre twist in its long and arduous progress inspite of its cultural handicaps. If Turkish economy saw some revival is because of what is taking place around it, not because of the ingeniousness of Erdogan. Still Erdogan is as dangerous to Turkish democracy as the rebellious against him. Purging the state does not solve anything. It may lead Turkey back to its historical impasse. Ghoma
Salem | 30/07/2016 على الساعة 18:26
Thank you
It is un excellent article
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل