أهم الأخبار

طرابلس... كما عرفتها (1)

يوسف العزابى | 2016/07/29 على الساعة 16:23

الحديث عن عاصمة ليبيا الكبرى، اوحى به تعليق صغير لصديق عزيز من ابناء طرابلس، كتب منذ ايام  يقول "مسقط رأسي، مدينتى العريقه، عروس البحر، كم هى هادئه، وادعه ونظيفه عندما يهجرها الوافدون الى مناطقهم فى الاعياد والمناسبات، او عندما تلوح فى الافق بوادر اخطار قد تحيق بها.”
وصاحب التعليق، سالم المرابط، الزميل والصديق العزيز، موظف متقاعد من موظفى وزارة الخارجية الافداد، خلقا وخبرة وطيب معشر ولعله الافضل من يتفق عليه جميع من عرفه ممن عمل او تعامل معهم . لازال يتمتع بطلعته البهيه وبالتاج الابيض الذى يعتمره صحيحا معافى مشاركا بالتعليق والرأى السديد فيما يخص ما يجرى فى بلاده  من الشىء الحميد وغير الحميد.
سالم وقد تعب من انقطاع الكهرباء التى مررت معيشتة ومعيشةالطرابلسيين الاصليين والوافدين، انسر لان البزق الليف غادروا الى مناقطهم حتى ترتاح طرابلس من ضجيجهم. وهو له الحق  فطرابلس كما عرفتها لم تكن هكذا على الاطلاق ولذا قلت فى نفسى دعنى اكون فى صف سالم وعروس البحر لاحكى لمن يعرف ومن لايعرف كيف كانت طرابلس عندما جئتها اول مره وحتى، نقول، جاءها القذافى ونظامه لنضع حدا زمنيا يمكن التعامل مع محتوياته.
حقيقة انا الان اتعجب، لماذا جئت الى طرابلس فى تلك السن البكرة جدا، فى وقت لم يحظى رجال كبار من منطقتى او من الجبل بصفة عامه بالحلم على زيارة المدينه، اذ لم يكن هناك ما يدعوهم او يمكنهم من تحقيق هذا الحلم ان حلموا. قلة المواصلات وانعدام الاسباب وقلة الحيلة والماده كلها عوائق امام الكبار، لذا كان الواحد منهم يولد ويشب ويشيب ويغادر ولايعرف عن طرابلس شيئا.
اظن حدث ذلك فى بداية الخمسينات من القرن الماضى. كان العديد من شباب المنطقه الذين فتحت لهم ابواب العمل فى طرابلس بعد انتهاء الحرب واستقرار الاوضاع للادارة البريطانيه، وكانت المعسكرات الانجليزيه والامريكيه وما يتبعها من خدمات قد اخذت فى تشغيل المئات من الشباب وحتى الرجال فى الكثير من الاعمال اليوميه كاعمال النظافه والحراسه والعمل فى المنازل وقيادة السيارات.
لكن العمل الاكثر رسمية كانت تلك التى رتبت بين الادارة والقاعدة الامريكيه فى مطار الملاحه لتشغيل عدد من الشباب لحراسة القاعدة من الخارج اطلق عليهم لقب البوليس الاضافى او الحمرايا نسبة الى غطاء الرأس الذى جعلوه احمرا ليتم التفريق به بينهم وبين البوليس الليبى.. وعرف هؤلاء ببوليس الحمرايا.
كان اخى غير الشقيق خليفه واحدا من هؤلاء، وكان معه من جادو آخرون  اتجهوا للعاصمة ووجدوا فيها اعمالا وسكنوا معا تقريبا فى فنادق موجوده، يكترون غرفة تلمهم جميعا. من هذه الفنادق فندق بن جباره فى شارع ميزران تقريبا فى منتصفه وفندق الفنيدقه فى باب الحريه. استطاعت والدتى كما يبدو من اقناع والدى، وهو فى العادة صعب الاقناع فى مثل هذه الطلبات التى لامعنى ولامبرر لها ،من اقناعه بارسالى الى اخى خليفه فى طرابلس وهكذا كنت احد الركاب على السياره الترنتا كواتروا او الحماله بسائقها الايطالى وبرفقة المرحوم صديق والدى السيد ساسى بن عثمان من جادو. هو تاجر صغير لديه دكان بقاله ويقوم بتصدير البيض والنحاس وبقايا الصوف وحتى الفحم الطبيعى الى طرابلس هو وزملاؤه بالطبع ليعودوا بالسكر والشاى والطماطم والقماش والاحذيه وهكذا.. مقصدهم عادة فى طرابلس وكالة السيد ساسى الساحلى وهى مايطلق عليه "الجنسيه" ومقرها كما اتذكر فيما اصبح فيما بعد يعرف بميدان تسعه اغسطس.
هذه اول معرفتى بطرابلس، وكالة الساحلى وذلك الميدان، كان الوقت ظهرا وجدناه يعج بالحركة سيارات وشراييل وكراريس وباعه وحماله بعضهم يبييع فواكه كالبرقوق والبلح والرمان والتين الشوكى طازجا وبالموس ووقفت مشدوها لهذا الذى ارى والناس داخل الوكالة وخارجها يتحركون والشاهى الاحمر يغلى ويقدم والخبز الطرابلسى الناصع البياض يقدم مع الطاسه وهكذا.. هذه هى البدايه. قال لى الحاج ساسى رحمه الله، انتظر هنا وسوف يأتى اخوك ليأخذك، لم يطل الانتظارحتى جاء، واصطحبته الى مقر سكناه. مشيا على الاقدام فالمسافة ليست طويله وعلى كل حال نحن تعودنا فى الجبل قطع مسافات اطول اما ذهابا للمدرسة او جريا خلف الجديان. الطريق المعتاده من الجنسيه الى فندق بن جباره فى ميزران تخترق اما باب الحريه وشارع عمر المختار وميدان الشهداء تم الدخول فى مدخل شارع ميزران ومنه الى بن جباره. عالم جديد عمارات ومتاجر وسيارات وعربات الحنطور والشراييل والجمهور الذى يتحرك راجلا وشوارع مرصوفه نظيفه. هذه هى طرابلس فى قعر خابيتها بمعنى مركزها كمدينه.
لم يكن من الممكن ان اظل معه باستمرار فى حجرة مليئة بالسكان، ملابسهم تتدلى من مسامير بالحائط وكل بصندوقه الذى يحوى مدخراته واوانى الطبخ فى زاويه وهكذا، لذلك كنت ابقى اغلب الوقت فى منزل اخيه الاكبر من والده المرحوم عمرو كعوان ذلك الرجل الطيب، كان متزوجا بدون ان يرزق ويقيم مع زوجته فى منزل بالحى المقابل لجامع ميزران العامر، بيوت جميلة بالطراز الطرابلسى مفتوحة بوسطها بحمامها العربى، والزليز المزركش الرائع والنوافد الخضراء، هكذا كانت تلك البيوت. فكنت اتردد عليهم عندما يكون اخى فى نوبة حراسته بالملاحه. ومع مرور الايام تعلمت ان اصل حتى باب الحريه لوحدى لاحضر بعضا من القضيه، او هو محتاج للعائله وخصوصا الخبز الذى يستهلك يوميا بمعنى رحلة يومية عبر ميزران وميدان الشهداء وباب الحريه الى دكا عمى الامين الذى يسجل الثكم فى سجل المداينه كما هو حال موظفى ذلك الزمان، بعد استلام الموتب يحدث السداد وهكذا عملية ثقه خالصة بين الدائن والمدين. لذلك تكونت عندى فكره اوليه لازلت اذكرها عن مسارى اليومى ، بالطبع فى تواضع جم فانا كنت صغيرا وعندما كبرت لم تعد لى بشارع ميزران علاقه الا مانذر. ولميزران اهله وسكانه وهم سكان طرابلس الاصليون كما تقول كتب التاريخ الليبيه.
من اهم معالم شارع ميزران زمان، المسجد الذى هو كماهو بمسطبته وطلائه الابيض وزاره الذين يتخدون من المسطبة مكانا للجلوس بعد عصر كل يوم وربما حتى بعد صلاة المغرب، كنت دائما ارى المكان عامرا برجال بملابسهم البيضاء والقاقيب، جمع قبقاب، يعنى شبشب ارضيته من الخشب وسير واحد من الجلد.
وهى اشياء جديدة بالنسبة ليبى القادم من الدواخل. وهناك المعلم الاخر فندق ابن جباره وفيه يقيم القادمون من خارج طرابلس لسكن يدوم لسنوات. يتكون من طابقين وعدة حجرات وحنفيه اعتقد فى وسط المدخل وحمام لااتذكر مكانه وشكله وان لابد انه سيء يقوم بالتنظيف عامل اظنه من مناطق الجنوب. ثم سوق الخضره، وكم هو رائع ذلك السوق ببضائعة الليبية المصدر والمنشأ خضروات وفواكه جديده وطاجزه وليبيه، التفاح الاصفر الصغير والعوينه الحمراء والصفراء اللذيده والتين الشوكى الهندى، والكرموس الاخضر واليابس فى عراجين والبلح بانواعه والمعندوس والخص والبصل الاخضر وكل ما تشتهيه الانفس وتلذ له العين. رواده من السيدات صباحا ايطاليات ويهوديات وليبيات بفراريشهن وبعض الرجال فالرجال قليلون صباحا. هذا هو جزء جميل من طرابلس ايام زمان.
الشارع يتنوع الى تشكيلين، شعبى ويبدأ من المسجد حتى تفرع شارع الساعديه الذى يتجه الى شارع الوادى والمقبره وابومشماشه، ويتكون هذا الجزء من مجموعة متواضعة من بيوت من طابقي تسمى العلي والدكاكين الصغيره التى تؤدى اغراضا مختلفه يعمرها اصحابها، الحلاقه والسعادجيه وابائعوا الكيروسين والفحم الطبيعى، والبقالة العادية لبيع الشاى والسكر والطماطم والخبز، ودكاكين للاقمشه البسيطه، هناك الترزيه والملاخه، ودكاكين تأجير الدراجات "الساعه بقرش”. وحتى محل للتاكسى، ولا اتذكر ان كان هناك موقف للعربات او الكراريس. هو شارع ضيق تسير فيه السيارات فى الاتجاهين واكثر ماهو ملاحظ كثرة الحركه دراجات وسيارات ايطاليه صغيره "ساى شنتو" والفيسبا ذات الاصوات الرخيمه، والكاروات او الشراييل التى تجر بحصان او حمار والعربات التى يدفعها اصحابها امامهم وهى مليئه بما طعم ونعم فواكه وسمك وجيلاطى ومشروبات بارده. اما الجزء الثانى من الشارع فهو اكثر فخامة به بيوت ايطالية رائعه ومتاجر الكثر تنسيقا ثم هناك المدرسة الموجودة التى شيدها الايطاليون، لنصل الى ميدان الشهداء بمبنى ادارة الاعلام ومقهى عمى دحيدح وموقف للكراريس. والبنك العربى الذى بنى فى وقت لاحق.
الى هنا ينتهى الجزء الاول من الحكايه فى انتظار التعليقات والتصحيح والكلام المليح... رحله متواضعة فى طرابلس التى يجرى اغتيالها هذه الايام.
يوسف العزابى
29-7-016

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
الورفلي القديم | 02/08/2016 على الساعة 12:02
طرابلس كانت مدينة العجائب
مسيت يا استاذ يوسف أن تبين لنا التأريخ بالتحديد (سنة وصولك لطرابلس). وهل كان بيت قريبك به كهرباء مثلا. أنا على سبيل المثال حضرت إلى طرابلس في سنة 62 وسكنت بمنطقة باب بن غشير وكانت بعض البيوت بدون كهرباء، والحياة في هذه المنطقة منقولة عن الدواخل مع اضافة عامل التزاحم والتكدس، حتى في ميدان الشهداء كان الجرد والبلغة هو السائد في ملابس الناس، طرابلس يصعب وصفها بدقة، لكن القول بأنها كانت تنتمي إلى عصر آخر ربما يبسط الوصف وبعطي فكرة تقريبية.
يوسف العزابى | 31/07/2016 على الساعة 09:13
تصحيح
شكرا صاحبنا من الشمال ... هذا الوصف بطبيعة الحال لايقصد منه الاهانة على الاطلاق , استغفر الله , هذا وصف لما كان موجودا آنذاك . فى كل الاحوال , كان يجب ان اكون اكثر حرصا للحساسية المفرطة فى هذه الايام ..وهذا هو سبب الكتابه الاشارة الى الفرق بين تلك الايام وهذه الايام . شكرا جزيلا .....
من الشمال | 31/07/2016 على الساعة 08:43
نصيحة
الرجاء الانتباه وشكرا: "وحمام لااتذكر مكانه وشكله وان لابد انه سيء يقوم بالتنظيف عامل اظنه من مناطق الجنوب."
محمد بوسنينه | 30/07/2016 على الساعة 10:32
رد
لقد زرت طرابلس أول مرة في ثاني أول دورة لمعرض طرابلس اي منتصف الستينيات ، وأذكر أنه في بداية شارع ميزران تقريبا كانت هناك محطة للعربات المجرورة بالخيول وكانت سيارة الرش تأتي كل ساعة تقريبا تضخ المياه بقوة تحت ارجل الخيول لتنظيف الشارع من مخلفاتها ، وفي شارع الإستقلال ايضا كانت محطة لسيارات الأجرة وقد نصب في أول الشارع هاتف يرد عليه سائقوا السيارات ويجيبون طلبات الزبائن ، المدينة كانت مزودة بأكشاك منصوبة علي الحائط بها هاتف خاص بالشرطة ، كانت طرابلس تستعير الكثير من ملامح مدينة روما ، وقد زال عجبي عندما أخبرني أحد أبنائها الأصليين رحمه الله أن الكثير من المناصب الفنية يشغلها إيطاليون وهم بذلك ينقلون أخر التحديثات في العاصمة الإيطالية الي طرابلس ، وعلي الرغم أن عدد السيارات لا يمكن مقارنته بعددها الحالي فقد كان المرور منظما جدا ، وكانت شرطة المرور صارمة في تطبيق القانون ، قبل الإنقلاب بعام قضيت شهرا في بيت صديق لي والده مسؤول في الحكومة الإتحادية من بنغازي كان يقيم في قرقارش كانت ضاحية قرقارش وحي الأندلس تعج بالمقاهي والمطاعم .
عبدالحق عبدالجبار | 30/07/2016 على الساعة 01:14
طرابلس عروس البحر وناسها اصحاب الحنة و ألهمه و الناموس
اول ما شفت عنوان التدوينة تفكرت ناس زمان ولمة العيلة والمدينه
سالم عبدالقادر المرابط | 29/07/2016 على الساعة 20:07
ردلة شيقة
.. أرى في هذا المقال بداية لسرد شيق وممتع يتناول ذكريات ومشاهدات انسان رائع بما حباه الله من ثقافة عالية وخلق رفيع , وخبرة وتوازن في طرح المواضيع والآراء والأفكار المفيدة والهادفة الى الخير والاصلاح . ولم يحن الوقت للتعليقات والملاحظات في انتظار أن يسترسل الزميل العزيز والصديق المحترم / يوسف العزابي في رواية رحلته وذكرياته وجولاته في المدينة التى يبدو أنه يكن لها معزة خاصة .
يوسف العزابى | 29/07/2016 على الساعة 18:13
تنبيه القارء الى بعض الاخطاب المطبعيه الصغيره .
اود الاعتذار عن وقوع بعض الاخطاء ستتم ملاحظتها بالطبع , السبب عدم اعادة القراءه اكثر من مره منى ....حتى ارسل المقال للنشر . ارجو المعذره وانشاء الله لن تتكرر .
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل